هل ما زال أحد يسمعني؟

حجم الخط
0

الوكالة الدولية للطاقة النووية أعطت ­إيران حكم بـ «براءة بسبب الشك» بشأن سعيها الدؤوب للحصول على السلاح النووي. كل عاقل لا يستطيع ألا يتطرق إلى التقرير الذي نشرته في الاسبوع الماضي ـ وفيه أن إيران عملت حتى 2009 بصورة حثيثة لتطوير السلاح النووي ولم تسمح بالتفتيش الجدي بعد ذلك ـ وكأنه لائحة اتهام شديدة، ليس فقط تجاه إيران ولكن ايضا ضد الدول العظمى والولايات المتحدة على رأسها (الحديث لا يدور فقط عن الادارة الحالية، على أنهم فشلوا في مراقبة افعال إيران في الماضي، وكاشارة تحذير للمستقبل).
حتى صحيفة «نيويورك تايمز»، التي أيدت بشكل كبير الاتفاق النووي مع إيران وصفت التقرير بأنه غامض، أي أنه ليس فيه اجابات كاملة على مسألة هل سيتمكن الاتفاق من منع إيران من الوصول إلى القنبلة، ليس فقط بعد الـ 15 سنة التي وردت في الاتفاق كفترة تجميد، لكن حتى قبل ذلك.
في هذا السياق تستذكر الصحيفة المقولة الشهيرة لوزير الخارجية جون كيري في بداية المفاوضات مع طهران، أي «سيكون على إيران أن تكشف بصورة كاملة عن نشاطاتها في الماضي في مجال الذرة وإلا فلن يكون هناك اتفاق» ـ هذا الاشتراط الذي اختفى وكأنه لم يكن.
تبرير السيد كيري «نحن من تلقاء أنفسنا نعرف ماذا عملوا وهكذا ليس هناك حاجة لاعتراف كامل من قبلهم».
بيد أن التقرير يوضح بصورة قاطعة أن إيران طورت في 2009 نموذج حاسوبي لقنبلة نووية، وهذا يرمز إلى أن رفضها للاجابة على اسئلة بخصوص الفترة ما بعد 2009 هو دليل على أنها تواصل جهودها ايضا بعد ذلك وستواصل تلك الجهود في المستقبل، هذه المرة من خلف ستار الاتفاق الذي وقع معها هذا العام.
يمكن الافتراض أن النص الأقل تأكيدا مما كان يمكن أن يكون عليه التقرير، تم اتخاذه بمبادرة دول الخمسة + واحدة (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا والمانيا)، التي ضغطت من اجل التوصل إلى الاتفاق تقريبا بكل ثمن.
هذا رغم حقيقة أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية أنفسهم كانوا يميلون إلى رفض التفسيرات الإيرانية، أي أن ابحاثهم هي من اجل اهداف سلمية، وحسب رأيهم فان البرنامج النووي الإيراني «تناسب مع دمج نشاطات ذات علاقة لتطوير سلاح نووي».
مدير عام الوكالة الدولية للطاقة النووية يوكيا أمانو اشار بدبلوماسية إلى أن «التقرير ليس اسود ـ ابيض»، دون الاشارة إلى أن الاسود تقريبا يمحو الابيض. الاستنتاج الاجباري لكل من لهم علاقة بما فيهم إسرائيل هو أنه يجب الاستعداد بصورة فعلية، بما في ذلك في المجال العسكري لكل سيناريو ممكن، سواء بعد 15 سنة أو قبل ذلك. بشكل فعلي التقرير ربما لم يغير الكثير ـ ليس فقط لأنه نشر بعد أن حدث ما حدث، بل بسبب أن الدول العظمى كانت تصر على التوصل إلى الاتفاق، «ولتذهب الوقائع إلى الجحيم».
ومن اجل منع الشك، فان ادارة أوباما سارعت إلى الاعلان أن «تنفيذ الاتفاق غير مرتبط بمضمون تقرير الوكالة الدولية للطاقة النووية». ليس لأن الادارة وشركائها غير قلقين من أن يصبح لإيران سلاح نووي، بل لأنه في هذه اللحظة يوجد أمام أعينهم امور أكثر الحاحا مثل الحرب ضد داعش، الازمة السورية، استقرار الشرق الاوسط (حسب مقاربة أوباما).
وعلى كل حال سيأتي يوم «نستطيع فيه بشكل ما أن نُضمن التهديد النووي».
الاتفاق مع إيران هو حقيقة واقعة، ولكن ليس معناها أن النقاش حولها قد انتهى. ايضا فان ما يشبه العلاقة بين موضوع الذرة الإيرانية والموضوع الفلسطيني برز من جديد؛ هكذا استذكر على سبيل المثال في النقاش الذي أجري مؤخرا في «معهد الامن القومي» السفير الأمريكي السابق دان كرتسر بأنه في تسعينيات القرن الماضي زعم اسحق رابين أنه من اجل علاج التهديد الإيراني «من الضروري حل النزاع الإسرائيلي ـ العربي».
صحيح أن رابين قال ذلك، ولكن ليس فقط فشل في هذا الامر في فهم الواقع ـ بكونه طرح التبرير المدحوض الذي يقضي بأنه فقط لو تم حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني لكان الإيرانيون قد أوقفوا جهودهم للوصول إلى القنبلة وتوقفوا عن تطلعاتهم للوصول إلى سيادة شرق اوسطية ـ ولكن بقوله عزز موقف تلك الاوساط في الولايات المتحدة والعالم الذين يتهمون بشكل تلقائي إسرائيل بكل المشاكل في المنطقة.
خلافا للتشريح الخاطيء لرابين وللسفير كرتسر فان التهديد الإيراني أدى بالضبط إلى أن تتشكل في الشرق الاوسط جبهة سياسية غير رسمية بين الدول العربية المعتدلة وإسرائيل، جبهة ربما تستطيع أن تساعد في التوصل إلى اتفاقات عملية للموضوع الفلسطيني.

إسرائيل اليوم 8/12/2015

زلمان شوفال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية