غضب واحتج صديقي محافظ البنك المركزي الأردني الدكتور زياد فريز عندما تحدثت في إحدى الجلسات عن «موظفة بائسة» في إدارته تخاطب مستثمرا ثقيل الوزن بإعتباره «أردنيا من الدرجة الثانية» معربة عن استعدادها الشخصي للمجازفة بمليارات المستثمر وهي تطالبه بالرحيل وترك البلد «إذا لم تعجبه إجراءاتها».
تلك الموظفة نفسها على الأرجح ستتصدر الحراك الشعبي لو تأخر راتبها ليومين وقد تهدد كغيرها بالأنضمام إلى داعش لو تجرأت الدولة يوما على المساس بإمتيازاتها المالية رغم ان مرتبتها في الهرم الإداري لا تكاد تذكر ورغم انها تجلس في وظيفة توجد عشرات النشميات أجدر منها بها.
بكل الأحوال تذكرت هذه الحادثة التي أغضبت رجلا فاضلا يشيع الإيجابية قدر الإمكان وهو يقوم بواجباته الوطنية وأنا أقابل ـ من سوء حظي ـ سياقا وظيفيا مماثلا شاء القدر ان يجلس على كرسي إدارة أزعم بأنها غير موجودة أصلا في اي بلد بالعالم وإسمها «ترخيص المطبوعات».
طبعا للعلم ايضا فقط في الأردن يوجد جهاز مهمته ووظيفته الوحيدة مراقبة الإعلام بكل تصنيفاته.
فقط في الأردن يوجد جهاز رقابة على الكلمة والأغنية والهمسة الفكرية والرأي الإعلامي فعالياته لم تشمل بعد مناهج التربية والتعليم ولا عشرات المؤلفات التي تحرض على الكراهية والإرهاب والتشدد الديني ويسمى زورا وبهتانا بغير إسمه الحقيقي. فقط في الأردن بالمقابل يوجد «ملك» يبلغ مواطنيه بأن دائرة الرقابة على المطبوعات مستيقظة لدرجة انها حاولت إعاقة مرور كتاب من تأليف وطباعة الملك شخصيا في موجة مبالغة رقابية في غير مكانها و لا يمكنها إلا ان تخدم في المحصلة أعداء الملك والمملكة.
فقط في الأردن تصادر الكتب والمؤلفات وتمنع طباعة الصحف ويدقق العسس في اي مفردة يمكن ان تعبر عن طريق النشر في مجالات الدين والأمن والجنس حتى لو كانت تثقيفية فيما ينام الرقيب المستيقظ أبدا وهو يسمح بعبور إيحاءات إرهابية فقط مسترخيا دون أدنى تأمل في مناهج المدارس.
فقط في الحالة الإدارية الأردنية يمكن لأي موظف بسيط وبائس وضعه القدر في مواجهة الوعي والفكر والثقافة أو الإستثمار ان يسترسل في «المزاودة»على الجميع في ترويج ممارسات رقابية عنيفة وخشنة لا تنتمي للعصر وتخالف كل تلك الأدبيات التي يمكن إستخلاصها من الخط الملكي.
فقط في الحالة السياسية الأردنية يمكنك كمواطن أو مراقب ان تشعر بالخجل ثم بالتعاطف مع موظفين ومسؤولين تنفيذيين وظيفتهم تنحصر في «تبرير» وتمرير حزمة من تلك القرارات التي تتخذ بالعتمة دون قناعة أو إقناع.
وفي كثير من الأحيان دون سبب وطني واضح وبذرائع بيروقراطية متعددة لا معنى لها ومن النوع الذي يمكن إستنساخه في أي لحظة وفي مواجهة اي شخص.
فقط في حالتنا الوطنية وللأسف الشديد يقال لبعض النواب من ممثلي الشعب «وظيفتكم التصويت وليس التشريع او الرقابة» ويزاود رقيب المطبوعات على وزير سابق للداخلية يحاول تقديم روايته التاريخية عن صلابة النظام.
إحدى الموظفات لم تحفل بما قلته عن الأنعكاس الخطير للكتب الرسمية التي ترسلها وهي تراقب المطابع على الاستثمار في قطاع صناعة الإعلام وعندما إستخدمت الورقة السحرية متحدثا عن «الملك الذي يشجع على الاستثمار ليلا نهارا» ردت فورا في موجة تضليلات لفظية.
حاولت ببساطة مناقشتها بتفاصيل «قانونية» حول الفقرتين «أ. وب» من قانون المطبوعات والنشر فزجرتني على اساس انها تحفظ النصين وعلي انا قراءتهما علما بأني مع غيري من الزملاء ساهمنا وفي جلسات مطولة بمناقشة ذخيرة التشريعات التي تعمل تلك الفاضلة بموجبها اصلا منذ سنوات طويلة. إلحاحي على النقاش انتهى بنفس طريقة مخافر الشرطة حين قالت: بالنسبة لي تحتاجون لكذا وكذا وعليك مراجعة الإدارة ولا مجال عندي للمناقشة وعلى طريقة العسكر «لا توجد طباعة ولا ترخيص ونفذ ثم ناقش».
كادت تطردني من مكتبها..لاحقا عند زملاء أكبر وظيفيا منها تراقصت الحواجب وتصدرت تلك الإبتسامات البيروقراطية الصفراء التي أعرفها جيدا مع غمزات الحيرة إياها وتلك العبارات الخشبية المعلبة عن «مصلحة الوطن» والإجراءات القانونية والنظامية ومتطلبات«تنظيم المهنة» و«معاملتي» التي ينبغي ان تنتظر «إجتماع اللجنة الفنية» التي أعرف كغيري من صحافيي البلاد بانها لجنة وهمية أصلا.
أسهل شيء في الأردن تعطيل اي مشروع او استثمار أو مؤسسة او فكرة نبيلة بعبارة بسيطة يربطها القوم بانتظار اللجنة الفنية حيث لا لجان ولا ما يحزنون في الواقع.
أسهل شيء الدخول في مقايضات بيروقراطية ذات طابع أمني مغلفة بعبارات ملساء لا تقودك إلى اي مكان محدد.
لست مستثمرا بكل الأحوال ولا أريد ولا أخطط لأن أكون لكن اشعر بالحزن الشديد لأن القصر الملكي بالخصوص تحديدا في واد والقوم بالمستوى التنفيذي في واد آخر تماما فالوطنية الخادعة تتصدر عندما يتعلق الأمر بملاعبة بيروقراطية موسمية تعيق اي برنامج حتى عندما يتعلق الأمر بالخسائر التي يمكنها العودة بدلا من المكاسب.
شخصيا لا أعرف حلا عميقا يختصر من عمري كمواطن أردني تلك اللحظات التائهة المؤلمة التي تشعرني بخجل مسؤول بيروقراطي بالمستوى السياسي وهو يحاول جاهدا وعبثا الدفاع عن إجراء أو قرار خاطىء إتخذه مجبرا أو قررته جهات أخرى ولأسباب غير مفهومة.
كصحافي يتعثر يوميا بعلية القوم في اللعبة السياسية تنهشني الحسرة عندما أواجه مثل تلك اللحظات والنظرات السقيمة الحائرة التي تتراقص على شفاه سياسيين ومسؤولين كبار لا حول لهم ولا قوة حتى في الملفات والقضايا التي تخصهم.
واجهت ذلك مع النواب ومع رؤساء وزارات ووزراء وواجهته دوما عندما تعلق الأمر بسحب الأرقام الوطنية ونواجهه عندما يتعلق الأمر بمحاولات فاشلة لفهم التعيينات والمحاصصات في لعبة الوظائف العليا وأخيرا واجهته عندما قرر الرقيب الذي لا ينام منع طباعة «القدس العربي».
لن يستقيم الأمر في الأردن إلا إذا راجع الجميع كما يقول الدكتور مروان المعشر ذواتهم إبتداء من الإخوان المسلمين وحتى المستوى الأمني والسياسي.
لن يستقيم إلا عندما نرى مسؤولين وموظفين واثقين بقراراتهم وهم يبررونها بحكم القانون والقانون فقط.
ولن يستقيم إلا ونحن نستذكر مجددا مقولة الراحل الكبير خالد محادين رحمه الله وهو يخاطب جلالة الملك.. «مشان ألله يا عبدالله»..لروح الزميل الكبير الأستاذ محادين الرحمة ولبقايا النبل الإداري في الأردن طول الحياة.
إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين