قراءات التشكيل المغربي المعاصر: تفكيك المنجز الفنّي ونقد أوهام حداثته

حجم الخط
0

أكادير ـ «القدس العربي»: نظم اتحاد الفنانين التشكيليين في جنوب المغرب يومي 05 و06 ديسمبر/كانون الأول 2015، صالون أكادير للفن المعاصر في دورته الثانية، وقد افتتح بمعرض تشكيلي جماعي يمتد طيلة شهر ديسمبر، بمشاركة فنانين محليين ومغاربة مرموقين، مثل عبد الكريم الأزهر، الحسين موهوب، شفيق الزكاري، محمد الجعماطي، رشيد بكار، الإمام الدجيمي، عائشة دكوير، فيصل احميشان، سعيد لبيض، بنيونس عميروش، سميرة إيت لمعلم، مصطفى بلقاضي، عبد العزيز لغراز، حافظ مربو، عبد العزيز أصالح، فاطمة عيجو، الراكَب الحَيْسن وغيرهم. ولهذا، يعكس المعرض تنوُّع أساليب المدرسة المغربية المعاصرة وأشكال تعبيرها التصويري والصباغي بين ما هو تجريدي وتشخيصي وواقعي تعبيري.
بموازاة ذلك، انتظمت بالمتحف البلدي للتراث الأمازيغي- أكادير ندوةٌ نقديّةٌ ناقشت ثلاثة إصدارات مرجعية حديثة حول الفن التشكيلي ظهرت في بحر هذه السنة، وهي تعبر عن حيويّة هذا النقد وتباين مقارباته الجمالية وأمكنة قراءاته للمنجز التشكيلي في المغرب بين ما هو أنثروبولوجي وفلسفي وتفكيكي: «المنجز التشكيلي في المغرب- روافد وسمات» لإبراهيم الحَيْسن، و»قراءات في التصوير المغربي المعاصر» لبنيونس عميروش، و»الفن في أفق ما بعد الحداثة- التشكيل المغربي نموذجاً» لمحمد الشيكَر. وفي كلمته، قبل الندوة، أكد الناقد إبراهيم الحيسن بصفته رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين في جنوب المغرب، على أنَّ المعرض يفتح «حواراً جماليّاً بصيغة الجمع تساهم في نسجه تجارب وأبحاث تشكيلية تعكس في تباينها الرغبة في إلغاء الحدود وهدم الفوارق الجغرافية بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب»، وعن اللوحات التي يعرضها الرسامون قال: «تتألسن وتتخالط مجموعة من الأساليب والتقنيات التعبيرية المشيَّدة على اختيارات وقناعات جمالية شخصية منبثقة من رحم مشاغل ومراسم مفتوحة، كثيراً ما شكّلت بالنسبة للفنانين المشاركين محراباً للصمت وفضاءات للتأمل والإنصات إلى الذات».

التشكيل المغربي: أيُّ منجز؟

عن كتاب «المنجز التشكيلي في المغرب: روافد وسمات» (منشورات جمعية أصدقاء متحف الطنطان، 2015)، فقد عاد إلى تراث المغرب المعماري والجمالي الذي استمدّ أسسه وملامحه من الفنون العربية الإسلامية التي ارتكزت بدورها على ما كان موجوداً وقائماً في الحضارات السابقة على الإسلام، قبل أن يعرج على الحقبة الاستعمارية طوال النصف الأول من القرن العشرين، وما سبقها من قدوم مجموعة من الرسامين الذين شُغفوا بالمغرب، إلا أن نظرتهم إليه وإلى فنونه الأهلية كانت استشراقية دونية. ومع ذلك، فقد ظهرت، في ظلّ الوجود الاستعماري الإسباني والفرنسي وما يفرضه ضِمْناً من حركة تثاقف وتبادل خبرات، أولى طلائع التشكيليّين المغاربة، الذين كانوا يتعاطون الرسم والتصوير في صمت، قبل أن تبدأ الحركة التشكيلية بالتململ بدءًا، مما أخذ يشهده المغرب من معارض تشكيلية جماعية وفردية تؤرخ للإشراقات الأولى للرسم والتعبير التشكيلي، ثُمّ سرعان ما تجاوزت الحدود مع ثُلّة من الرواد، مثل: الجيلالي الغرباوي، أحمد الشرقاوي، فريد بلكاهية، محمد شبعة، كريم بناني ومحمد المليحي. وقد ترافقت هذه الحيوية الناشئة مع تأسيس جمعيات وطنية تعنى بالفن التشكيلي. وتابع بقوله: «راهنت الجمعيات على أن فعالية التشكيل تعمق الوعي الفني والابتكار الأصيل انطلاقًا من بيئته واعتباره فنّا وطنيا، بمنأى عن الجماليّات الاستشراقية التي كرّسها الوعي الكولونيالي وشجّع عليها من خلال الفن الفطري لفترةٍ من الزمن».
وقد نشأت الحركة التشكيلية في مدن عريقة عُرفت بطابعها الحضاري والمعماري وميل ساكنتها الفطري إلى الفن، مثل تطوان، أصيلة، مراكش، ثم الدار البيضاء، التي نشطت فيها «جماعة 65» كطليعة ثقافية متسلحة في عملها بوعي نقدي وأخلاقي وأيدويولوجي متقدم، وكان من أعضائها: فريد بلكاهية، محمد شبعة، محمد المليحي، محمد أطاع الله، محمد حميدي ومحمد القاسمي. وقد رفض هؤلاء أساليب النظام التدريسي الاستعماري ووجّهوا اهتمامهم إلى رد الاعتبار للفنون الشعبية والمتروكات التراثية بأدوات تمزج بين البعد الهندسي والحِرَفي والتجريد التعبيري. وسرعان ما بزغت أجيال جديدة من الرسامين في إطار الهواية، أو في إطار الممارسة الاحترافية المدعمة بالخبرة المدرسية، وقد تباينت أساليبهم في التصوير الواقعي والتعبير التشخيصي تبايُنًا يعكس تنوُّع مقارباتهم لموضوعات كثيرة ومختلفة، اجتماعية وتراثية، أمازيغية وعربية إسلامية، تتأسس على المحاكاة والتمثيل.
ورغم ما يلمح إليه الباحث من أن «هذه التجارب والأبحاث الجمالية تمثل شواهد مادّية توحي ببزوغ «صحوة جمالية» قد يستفيد منها الفن المغربي المعاصر»، إلا أنّ هذه الصحوة تتهدَّدها بعض العوامل، منها: عدم ارتباط المنجز التشكيلي بالهوية والذات الشخصية المستقلة، وتضاؤل التلقي والاهتمام به، ولاسيما في ظل هيمنة الخطاب الأيدويولوجي المتشدد، والافتقار إلى بنيات تحتية ووسائطية عصرية متخصصة (أروقة، متاحف، مشاغل ومحترفات مفتوحة).
وهكذا، لم يكن بحث إبراهيم الحيسن تأريخًا لنحو قرنٍ من المنجز التشكيلي المغربي فحسب، بل كان كذلك إصغاءً لهذا المنجز في شروطه السوسيوثقافية والجمالية، وحوارًا مع علاماته الكبرى ورموزه وأيقوناته الدالّة. إنّه كتابٌ تاريخيٌّ، بوليفونيٌّ ونقديٌّ يزاوج بين النظرية والتوصيف والتأمل النقدي، وبين التذوُّق الجمالي والتوثيق البيبليوغرافي حيث ذيّل بحثه بملزمة الصور والأيقونات (لوحات، منحوتات، سيراميك، إرساءات..).

جماليّات الوعي البصري

وبخصوص كتاب الباحث بنيونس عميروش المعنون بـ»قراءات في التصوير المغربي المعاصر» (منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط 2015)، يرى الناقد أحمد لطف الله أن الكتاب جاء ليؤسس لمفهوم القراءة البصرية الجمالية لفن التصوير بالمعنى المتكامل لعملية القراءة، نأياً عن التأملات الموغلة في التجريد، التي تهاب الاقتراب من عالم اللوحة، وعن الخطاب الصحافي الذي يرغب في إسماع صوته لأكبر قدر من القراء. ويعرض لأهم القضايا الفكرية التي تناولها بشأن فن التصوير، من خلال أعمال الفنانين سواء الرواد (فريد بلكاهية، محمد شبعة، محمد المليحي)، أو لدى الجيل التالي مثل محمد القاسمي، الذي شغل جزءاً مهمّاً من هذا الكتاب بالنظر إلى ثراء تجربته الفنية القائمة على التحول، وإلى تنوع تجلياتها الجمالية.
ومن خلال تحليل أعمال هؤلاء الفنانين (عبد الله الحريري، مصطفى بوجمعاوي، عبد الحي الملاخ، بوجمعة لخضر وعبد الكريم الوزاني)، يحيط الباحث بمختلف المراحل الإبداعية التي طبعت تجاربهم، ومدى إفادتهم من الدراسات العلمية التي تلقاها الكثير منهم ضمن تكوينات أكاديمية في مدارس الفن، عاقداً علاقة حميمة مع عدد منهم ليكشف لنا عن تجاربهم التصويرية والخط الناظم لإنتاجها. وبهذا المنظور في التحليل، يقرأ الباحث اللوحة من داخلها مستعملاً حمولته المعرفية بأجرومية تلك اللوحة، ثم يربط كل التحولات الفنية لدى الفنان بمراحل تطور الوعي البصري لديه.
ويتابع لطف الله بقوله: «ولا شك أن هذه الدراسة الجمالية للمنجز التصويري المغربي قامت على مبدأ التحليل، غير أنها بفضل استراتيجيتها القرائية المحكمة المنبنية على التأويلات العالمة، استطاعت أن تحول دون الوقوع في شرك التجزيء الذي يحصر قيمة العمل الفني في عنصر بلاستيكي واحد أو اثنين». وهكذا يخوض الباحث، في نظره، غمار تجسير العلاقة بين الموضوع الجمالي ودلالاته الشعورية، فيما هو متمسك بوحدة العمل الفني عبر إدراج العنصر الذي يعمل على تحليله ضمن منظومة من المؤشرات التأويلية التي تقرأ ذلك العنصر في دائرة دلالية موسعة تشمل رؤى الفنان ومرجعياته الثقافية.

سؤال الحداثة وما بعدها

أما كتاب «الفن في أفق ما بعد الحداثة: التشكيل المغربي نموذجا» (منشورات جمعية الفكر التشكيلي، الرباط 2014)، فقد استهلّه صاحبه الناقد محمد الشيكَر بمقدمة متسائلاً عن مفهوم الحداثة في الفن، بقدر ما كانت هذه المقدمة نفسها توطئة سجالية تتضمن دلالات متعددة جعل منها جسراً يستجمع العديد من الآراء لفلاسفة ومفكرين حول هذا المفهوم، قبل أن يتحدث عن إمكانية وجوده في خريطة التشكيل المغربي.
وفي قراءته له، وجد الكاتب والإعلامي شفيق الزكاري أن صاحبه يعتمد خطاباً قائماً على مرجعية فلسفية أراد لها أن تكون دليلاً ومقياساً لتحليله النص المرئي نظريّاً، وذلك انطلاقاً من مناهج اختلفت في تصوراتها لمفهوم ما بعد الحداثة عبر الاعتماد على حس استنباطي وشاعري لا تخلو من لمسة شخصية في طريقة التحليل والتمحيص. ومن ثمة، فقد استند محمد الشيكَر في مؤلفه عن الحداثة وحداثة الحداثة، أو كما سماها بالحداثة والحداثة البعدية، إلى ثلاث مراحل تناولت الإرهاصات الأولية كفعل إستاتيقي عند كل من الغرباوي والشرقاوي في شقّها الأول، ثم تشكل الخطاب الحداثي انطلاقاً من تجربة مدرسة الدار البيضاء لكل من فريد بلكاهية ومحمد شبعة ومحمد المليحي في شقّها الثاني، بينما تناول في الشقّ الثالث والأخير أعطاب الحداثة التشكيلية المغربية.
وإجمالاً، فقد قدمت هذه القراءات/ الأبحاث قيمة إضافية بالنسبة للفن المغربي المعاصر، وهي تتحدث عن التجربة التشكيلية في المغرب وتكشف بعض ملامحها وسماتها الأساسية، لأنّها صادرة عن نُقّاد محنكين راكموا من الكتابة والتنظير التخصصي وكانوا- وهم يؤلّفون كتبهم- في شبه حوارٍ خفيٍّ دالّ لالتقاط هذه اللحظة الرمزية من ثقافتنا المعاصرة.

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية