لعب إحساس تركيا بتخلي العرب عنها إبان الحكم العثماني وارتمائهم بأحضان الغرب وما جرّه ذلك الخيار على المنطقة من تقسيم ومآس، دوراً نفسياً في خلق حالة العداء التقليدية بين سورية وتركيا. فمنذ استقلال سورية عام 1946 اتسمت علاقة الجارين المسلمين بحالة من الخصومة استمرت لعقود، في ظل تناقضات سياسية عميقة تمثلت بتحالف الأتراك مع الغرب، ضمن حلف الناتو مقابل علاقات سورية بالمعسكر الاشتراكي ودورانها في الفلك السوفييتي الروسي. ورغم أن ذلك التوتر كاد أن يتحول إلى حرب عام 1998 عندما هددت تركيا باجتياح الأراضي السورية لوقف هجمات حزب العمال الكردستاني ،واحتضان دمشق لزعيم الحزب عبد الله أوجلان، فإن تلك المرحلة انتهت بخضوع الأسد الأب لشروط الأتراك وتسليم اوجلان بعد طرده من سورية (وهو درس تعلمه أكراد تركيا عندما رفضوا التحالف مع الأسد الابن في حربه الحالية ضد شعبه، وفضلوا أن يعقدوا اتفاقاً للسلام مع الحكومة التركية). وعلى الرغم من أن ضم تركيا لأراضي لواء إسكندرونة عام 1938 يشكّل الإطار الأبرز (نظرياً) للتوتر في العلاقة مع تركيا، إلا أن نظام الأسد الابن تخلى عن ذلك الإطار خلال العقد الأول من حكمه، مقابل التعاون الاقتصادي والسياسي مع تركيا وطمس اللواء من الخارطة الرسمية للجمهورية العربية السورية، ثم أعيد مؤخراً بعد اندلاع الثورة السورية كمحاولة لحشد أوراق الضغط الشعبية للنظام السوري ضد أردوغان، الذي استخدم تلك الورقة في ما يبدو في تفجيرات الريحانية التي اتهمته الحكومة التركية بالتورط فيها، عبر منظمة مغمورة تدعى حركة امستعجلونب تسعى إلى اتحرير لواء الإسكندرونب. وافتتح أردوغان حكمه بطي صفحة العداء والتوتر ورفض حصار الغرب على دمشق، بعد غزو العراق وبادلته دمشق ذلك الود وترجمت علاقة الطرفين بإقامة مشاريع اقتصادية ضخمة، وحل الانفتاح بينهما محل الألغام التي كانت مزروعة على جانبي الحدود، ورفعت تأشيرات الدخول على مواطني البلدين، وأصبحت أنقرة بقيادة حزب العدالة والتنمية بوابة دمشق السياسية على العالم وتحوّل خوف دمشق من علاقة انقرة بإسرائيل إلى استئمانها وجعلها الوسيط في مفاوضات السلام، واستطاعت سياسة تصفير المشاكل مع الجوار، التي وضعها وزير الخارجية أحمد داود اوغلو وصاغها في كتابه ‘العمق الاستراتيجي: موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية’ أن تثبت نجاحاً منقطع النظير مع الجارة السورية حتى اندلاع الثورة السورية في اذار/مارس 2011. وبرز الموقف التركي سريعاً في انتقاد طريقة تعامل الأسد مع شعبه، وانتقد أردوغان حلول الأسد الدموية ودعاه الى الاستماع لشعبه والإسراع بالإصلاحات حتى اتهم من قبل بعض الأوساط العربية في حينه بالبراغماتية وافتعال الضجيج قبيل الانتخابات البرلمانية التركية في حزيران/ يونيو 2011. ولا شك أن السمة الحماسية البارزة في خطاب أردوغان ضد الأسد قد رفعت من شعبيته لدى ناخبيه ولدى السوريين. ورغم تفاوت حدة الخطاب السياسي التركي بعمومه بين المطالبة بالتدخل الدولي الفوري من أجل توفير ملاذات آمنة داخل سورية أو مناطق حظر جوي ودفع الحل السياسي، فقد حافظ الأتراك على مسار واحد بالمطالبة بتنحي الأسد ودعمهم للثورة السورية في طورها السلمي والعسكري، وتحولت اسطنبول إلى محج للمعارضة السورية. ومما لا شك فيه أن انعكاس ما يجري في سورية على الداخل التركي متشعب ومعقد لأسباب أبرزها، التشابه الديمغرافي بين التركيبة الدينية والطائفية لشعبي البلدين، الذين يشكل السنة في كليهما الأغلبية، فيما يشتركان بوجود أقلية علوية وكردية بنسبٍ متشابهة في كل من البلدين، فإن الخشية التركية كانت ومازالت أن يؤثر ما يجري في سورية على الوحدة الوطنية التركية، وأن ينتقل العنف في سورية إليها، من دون أن يتناقض ذلك مع سياسة العمق الاستراتيجي التي يريد من خلالها الأتراك جاراً سورياً موحداً ومستقراً، لا ممزقاً ومضطرباً. فوحدة التراب السوري واستقرار الدولة عاملان يتهددان سورية المستقبل وتحرص تركيا على تجنبهما خشية أن تصاب بعدواهما. ثم جاءت تفجير ات الريحانية بطابعها الطائفي، حيث استهدف مواطنون أتراك في مدينة الريحانية، مما دفع الحكومة التركية إلى دق ناقوس الخطر أمام ذلك التفجير الدموي الذي نقل مشهد القتل في سورية إلى العمق التركي، مهدداً بأن يكون بداية لمسلسل عرفت بدايــــته ولكن نهـــــايته ماتزال مجهولة. وإذ لا يمكن لتركيا أن تنتــــظر الضربة التالــية التي قد تشعل فتـــيل فتنــــة طائفيـــة تركية حذر منها اوغلو، كما تخشــــى أنقــــرة أن يزعــــزع مشهد التفجيرات صورتها العــــالمية كوجهة سياحية هي الأبرز أوروبيــــاً، الأمــــر الذي سيضر حتــــماً بذلك المورد الاقتصـــادي المهــــم لدولة تطمح الى أن تصبح بين اقتصادات العشرة الكبار. باختصار أصبحت نار سورية تحرق الإصبع التركي وتدفعه لحسم خياراته، وأضحى وجود الأسد تهديداً كبيراً وحقيقياً لمستقبل تركيا. فهل طفح الكيل عند الأتراك من تصرفات الأسد تجاههم، وهل تجاوز بذلك التفجير خطوطهم الحمراء، وهل ستكون حساباتهم بيضة القبان في الملف السوري؟ وهل سيقنع أردوغان أوباما بوصفة للحل في سورية تفرض تغييراً حقيقياً لحسابات الأسد وحلفائه يدفعهم للتخلي عنه؟ وهل سيعتبر أردوغان ذلك التفجير اعتداء يستلزم تحرك الناتو للدفاع عن دولة عضو تعرضت للعدوان؟ أم ستبلع تركيا ريقها وتنتظر كما ينتظر الكثيرون تطورات المعركة على الأرض بين النظام والثوار، التي يبدو أنها ميزان القوى الأبرز لخيارات كل الأطراف.