سألني أصدقاء أعزاء: هل يجوز أن نقول «عفوا» لمن قال لنا «شكرا» نتيجة عمل عملناه أو فضل تفضلنا به عليه؟
ذلك أن من المتحدثين في قضايا اللغة مّن منعوا «عفوا» ردا على مَن قال: «شكرا». وحجتهم في ذلك أنك تقول عفوا لمن ارتكبتَ خطأ بحقه فتطلب منه أن يعفو عنك. وأنت لم تخطئ فلماذا تطلب العفو ممن شكرك؟ ولكن التحليل اللغوي النفسي لهذا الأسلوب لا يسند ما قالوه، ذلك أنّ كلمة «عفوا» لا تقتصر على المعنى الذي ذكروه. وتعال معي نتحدث بإيجاز واختصار عن هذا الموضوع.
ما معنى العفو؟
بمراجعة معجمات اللغة نرى اللغويين جعلوه من الأضداد، فهو يدل عندهم على ترك شيء ما، وعلى طلبه أيضا. فحين تقول: عفوت عنك، أي: إنك تركته ولم تعاقبه على شيء فعله. ثم تأتي لفظة «العُفاة» بضم العين وهم الطالبون للشيء. ذاك ترك، وهذا طلب. فالمعنيان متضادان عندهم. ولا نرى فيهما تضادا، فإذا ترك هذا شيئا فذاك يطلبه، المعنيان متمازجان. ولهذا جانب آخر من البحث يطول، فلنعد إلى ما نحن فيه:
من أين جاءت هذه المعاني للفظة «العفو»؟
جاءت من «العَفْو» وهو المكان الذي لم يوطأ. بمعنى لم يمر عليه أحد ولم يَسِرْ عليه. وقد أدرك الشاعر الأخطل هذا المعنى حين قال:
قبيلة كشرك النعل دارجة
إن يهبطوا العفوَ لا يوجدْ لهم أثَرُ
أي إنهم قليلو العدد لا يؤثرون في الأرض. فالمكان الذي يحلون به كأنه لم يوطأ. ويمضي «العفو» بمرور الأيام إلى الأرض التي لا زرع فيها. كالأرض الصخرية، فلا مَن يسير عليها ولا مَن يزرع فيها. هذان المعنيان يدلان على اندراس الشيء وزواله. وقد جاء ذلك في معلقة لبيد:
عفت الديار محلّها فمُقامها
بمنًى تأبّد غَولُها فرجامُها
أي لم يعد يسكنها أحد.
وإذا عدنا إلى الاستعمال القرآني نجد هذا المعنى واضحا. «عفا الله عما سَلَف» كأنه أزال عنهم نتائج ما سبق أن فعلوه. وبهذا «المحو» والإزالة صار عملهم السابق مهملا منسيا لا أثر له، فما أشبهه بالأرض التي لم توطأ أو التي لا زرع فيها كالتي وردت في بيت لبيد السابق. وقوله «خذ العفوَ» كالمال المحدد بالزكاة وغيرها. فمالكو هذا «العفو» لن يعود بإمكانهم الانتفاع به. تماما كتلك الأرض «العفو» الخلاء الجرداء.
ومن ناحية التاريخ اللغوي للألفاظ فإنه بتطور المجتمع ونشأة العلاقات بين الناس، يظهر «الشكر» وجوابه، أنت تقوم بخدمة ما لإنسان آخر، فيشكرك. فجواب هذا الشكر له عدة صيغ. ولنأخذ هذا المثال: قد تكلّف صاحبك أن يشتري لك حاجة، يشتريها ويجلبها لك، فتقول له: شكرا. فإن أجابك: عفوا، فإنما يعني أن تعفيه من الشكر لأنه لم يقم إلا بواجبه تجاهك، على الرغم من أن ما قام به ليس واجبا، بل هو فضل منه وتفضّل. ولكن سموّ نفسه، جعله يعتبر عمله ممحوّا ولا وجود له كتلك الأرض الجرداء «العفو». فهو يقول لك إنه لم يفعل شيئا يستحق الشكر. وهذا تواضع كبير منه. ولو استعمل صيغة أخرى لتضمنت اعترافا مبطنا بأنه فعل ما يستحق الشكر عليه. كأن يقول: «حبا وكرامة» مثلا أو «على الرحب والسعة» وما أشبه ذلك. فهو – بهذين التعبيرين – يعني، وربما من غير قصد، أن هذا العمل ليس واجبا عليه وإنما قام به حبا لك وإكراما «في الأولى» وأنه ترحيب بك «في الثانية» فهو لم ينظر إليه على أنه واجب يؤديه باعتباره واجبا بحد ذاته لا حبا وإكراما لشخص آخر. وأحيانا تسمع من يصرح بذلك، فحين تقول له: «شكرا» يجيبك: «عفوا.. لا شكر على واجب».
وبطبيعة الحال فإن من قال «عفوا» أو «حبا وكرامة» أو غيرهما.. في أيامنا هذه ينطلق مما تعوده «وربما» من غير أن يفكر بدلالته اللغوية. ولكن ما ذكرناه هو التحليل اللغوي النفسي، لأسلوب «عفوا» بعد الشكر.
وشكرا لكم.
كاتب عراقي
هادي حسن حمودي