وصفة واشنطن لإنقاذ ماء وجه بوتين حول سورية

حجم الخط
1

(1) يبدو في ظاهر الأمر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد استعاد لروسيا مجد الاتحاد السوفييتي السابق، أو بعضه على الأقل. فخلال الأشهر القليلة الماضية، أصبحت موسكو مرة أخرى محجة لزعماء العالم، من الصين إلى واشنطن، مروراً ببريطانيا وقادة العرب. ويعود جزء كبير من هذا الاهتمام الدولي إلى الموقف المتعنت الذي اتخذته موسكو تجاه الوضع في سورية، أي عبر اتخاذ غالبية الشعب السوري رهائن والمساومة عليهم لابتزاز العرب والغرب.

(2)
وكان بوتين صعد إلى السلطة قبل ذلك على جماجم الشيشان الذين دمر بلادهم عام 1999 ليثبت لمواطني روسيا التي انحدرت إلى الحضيض في عهد سلفه وعرابه يلتسين، أن البلاد قادرة على أن تستأسد على أحد ما، بعد أن هزمت في أفغانستان وانهارت امبراطوريتها في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى. ومنذ ذلك الحين استخدم بوتين أساليب عدة للبقاء في السلطة، من نتائجها أن معارضيه، خاصة وسط الإعلاميين ورجال الأعمال، أصبحوا يتساقطون كالجراد قتلى أو متهمين في المحاكم.

(3)
كان من حظ بوتين كذلك أن أسعار النفط والغاز تصاعدت بشكل جنوني بعد وصوله للسلطة، فعزز ذلك من سلطته وكذلك من وضع روسيا المالي بعد أن كانت على حافة الإفلاس. نجح بوتين إلى درجة كبيرة خلال عقد ونيف في إعادة شيء من الاستقرار إلى روسيا وحسن صحة اقتصادها ومكانتها الدولية. وكانت الدول السبع الأغنى في العالم أضافت روسيا إلى مجموعتها التي أصبحت مجموعة الثمان، مجاملة في أول الامر. إلا أن روسيا أصبحت بعد فترة تستحق هذا الوضع جزئيا، وإن كانت الصين أحق به منها. وساعد الوضع كذلك تبلور الدول الصاعدة التي أسست كتلة ‘بريكس’ (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا) كتكتل بديل و ‘نقابة’ للدول الصاعدة على غرار حركة عدم الانحياز سابقاً.

(4)
رغم هذا فإن دور روسيا السياسي على الساحة الدولية ظل هامشياً، حتى في مناطق نفوذها القريبة في آسيا الوسطي ومنطقة البلقان، حيث ظلت هي والصين تتجنبان المواجهة مع الغرب في الساحة الدولية. أما الغرب فكان هو الذي يتدخل لحسم الأمور في البوسنة وكوسوفو وحتى جورجيا وأوكرانيا، وموسكو تتفرج (سوى محاولة محدودة للتدخل في حروب جورجيا الاهلية من حين لآخر).

(5)
دفع هذا الوضع الرئيس الأمريكي باراك أوباما ليؤكد في خطابه في البرلمان البريطاني في مايو عام 2011 أن الحديث عن تراجع دور الغرب على خلفية صعود دول أخرى لا ينفي أن كل التطورات، بما فيها أحداث الربيع العربي، تثبت أن دور الغرب لا غنى عنه على الساحة الدولية. فالغرب يتولى القيادة اليوم، ويشكل العالم، ووقت القيادة هو اليوم لا الغد.

(6)
هذا الوضع تغير نوعاً مع بعد تفجر الأزمة السورية، حيث قررت روسيا والصين لأول مرة تحدي الغرب في قضية ذات طابع دولي لإثبات الوجود. وقد تصادف أن كان الغرب متردداً في هذه المسألة التي تعتبر بالنسبة له هامشية، خاصة مع الانشغال بالأزمة الاقتصادية وكنتيجة للتجارب المريرة في العراق وافغانستان. فوجدت روسيا في هذا فرصة لتحقيق أكبر المكاسب بأقل الخسائر.

(7)
الإشكال بالنسبة لروسيا هو أن هذه مكاسب وهمية من جهة وقصيرة الأمد من جهة أخرى. ففوق أنها جاءت بابتزاز العالم على طريقة الإرهاب وخطف الرهائن، فإنها قد عززت عزلة روسيا الدولية، كما ثبت من تصويت أمس الأول في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول سورية. فقد رأينا كيف لم تقف مع سورية وروسيا والصين سوى بضع دول، كلها في هامش الهامش، مثل إيران وكوريا الشمالية وأمثالها من ‘المتردية والنطيحة والمنخنقة والموقوذة وما أكل السبع’. وهناك بون شاسع بين هذا الوضع وما كان الاتحاد السوفييتي يتمتع به في غابر الايام من دعم كاسح بين دول العالم الثالث والشعوب التائقة إلى الحرية.

(8)
هذا يؤكد إلى حد ما مقولة الرئيس أوباما. ففي حين كانت للاتحاد والسوفييتي رؤية أخلاقية وسياسية منافسة للغرب ومهددة له، فإن محور الرفض الجديد يتكون من دول لا يجمعها شيء سوى أنها في حرب مع شعو.بها. وهي تتبع النظام الرأسمالي وتدعي (ما عدا الصين وكوريا الشمالية) وصلاً بالديمقراطية، ولكنها فاشلة في الالتحاق به، وتريد أن تحول هذا الفشل إلى مناقب بدعوى التمرد والممانعة.

(9)
تدرك موسكو قبل غيرها أن هذه صفقة خاسرة على المدى الطويل. فقد يؤدي التعنت في المسألة السورية إلى إحراز مكان على مائدة الكبار، ولكن النظام السوري سيظل عبئاً ثقيلاً، ومصدر نزيف مالي وسياسي وأخلاقي، حتى لو سلم من الانهيار. ولن يكون بوسع روسيا أن تجني ربحاً من استثماراتها هناك، كما أنها لن تستعيد ديونها من تسليح سورية سواء أبقي النظام أم زال.

(10)
يفسر هذا اللهفة التي تلقفت موسكو طوق النجاة الذي ألقته واشنطن عبر زيارة وزير الخارجية الأمريكي الاسبوع الماضي، حيث سارعت بالقبول بالمقترح الأمريكي لعقد مؤتمر دولي جديد لتفعيل اتفاقية جنيف، وهي تعلم أنها والصين ستمثلان الاقلية في أي مؤتمر دولي، حتى لو دعيت إيران لحضوره وهو مستبعد. فالمقصود إنقاذ ماء وجه بوتين على سنة ‘من دخل دار أبي سفيان فهو آمن’. ذلك أن انهيار النظام السوري في وجه مقاومة روسية مستبسلة سيشكل صفعة لروسيا بوتين تتضاءل أمامها كارثة أفغانستان، مما يجعلها بالخيار أن تشارك في تفكيك النظام على طريقة تفكيك الألغام، أو ينفجر اللغم في وجهها وتدفع الثمن لأجيال قادمة. ويبدو أن موسكو اختارت تلقف طوق النجاة الذي ألقي إليها حتى لا تخرج من جنازة النظام الحليف بدون أي حمص. وقد ‘تمانع’ و ‘تقاوم’ لبعض الوقت، لكنها ستفضل صفقة تقلل الخسائر وتسارع بحل الأزمة قبل فوات الأوان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية