دولة يهودية وديمقراطية؟

حجم الخط
0

توجد للدولة اليهودية مشاكل أصعب من الجدال حول تعريفها الرسمي. ومع ذلك فان الجدال في هذا الموضوع ما زال مستمرا وهناك من يعطي مفهوم «الدولة اليهودية» مغزى مناقض للديمقراطية. زعم يغئال عيلام أنه في القول يهودية وديمقراطية «ليس واضحا إذا كان البُعد اليهودي هو قبل كل شيء ذا مغزى قومي، أو ذا مغزى ديني». («هآرتس»، 23/11). لذلك هناك تناقض داخلي حسب رأيه، الامر الذي يهدد النظام الديمقراطي في إسرائيل.
لكن عند الحديث عن مفاهيم ذات أهمية اخلاقية، يكون عادة المعنى «غير واضح». أي أنه يخضع لخلاف ايديولوجي. القومية والرسمية ايضا التي يعطيها عيلام أهمية على العكس من الدين، يمكن تفسيرهما كنقيضين للديمقراطية.
هناك من يقول إن الاشتراكية أيضا قيل عنها هنا وهناك إنها مناقضة للديمقراطية، في الدول التي سميت بالديمقراطيات الشعبية. من هنا فان مفهوم «الديمقراطية» ايضا قابل للتفسير اللاديمقراطي. إذا اعتقد أحد ما أن صيغة «دولة يهودية» قد وسمت حتى الآن من خلال تفسيرات غير ديمقراطية، أكثر من أي صيغة ايديولوجية اخرى ـ هذا ايضا أمر مختلف عليه.
صحيح أنه يدور في إسرائيل صراع حول موضوع الدولة اليهودية، وفي اطاره تظهر تفسيرات غير ديمقراطية. لكن اولئك الذين يؤمنون أن حق تقرير المصير هو أمر دولي وينطبق ايضا على اليهود، وأن الدولة التي تطبق هذا الحق للشعب اليهودي يجب أن تكون ديمقراطية ـ لماذا يعطون الدولة اليهودية كـ «هدية» لمؤيدي الالزام الديني والتمييز القومي؟.
هل مصادر تفسير «الدولة اليهودية» كديمقراطية لا وزن لها؟ «الدولة اليهودية» تظهر في قرار التقسيم للامم المتحدة من عام 1947 ـ المصادقة الدولية الاولى لمبدأ الدولتين للشعبين، وهي تظهر هناك بالمعنى القومي:
دولة تمنح الاستقلالية للشعب اليهودي، إلى جانب دولة عربية تمنح الاستقلالية للشعب العربي في البلاد.
في قرار التقسيم مطلوب من الدولتين القوميتين اقامة انظمة ديمقراطية وضمان المساواة في الحقوق للأقليات. و»الدولة اليهودية» تظهر ايضا في اعلان الاستقلال الإسرائيلي، الذي وقع عليه جميع ممثلي التيارات السياسية، من الحريديين وحتى الشيوعيين. بمعنى دولة تطبق «الحق الطبيعي للشعب اليهودي أن يكون مثل أي شعب آخر في دولته السيادية». التفسير اللاديمقراطي للدولة اليهودية أُسقط من اعلان الاستقلال الذي يضمن حرية العبادة والمساواة المدنية للجميع.
عندما أيد المجتمع الدولي اقامة دولة عربية إلى جانب الدولة اليهودية، لم يقصد أن الدولة العربية ستكون «للعرب فقط». فالدولة العربية مثل الدولة اليهودية يجب أن تضمن حقوق الأقليات. المجتمع الدولي لم يهتم بالقول إن الاسم «عربية» يعكس كيان عربي أبدي، بل كان القصد أن للشعب العربي في البلاد ـ الشعب الفلسطيني حسب التسمية في أيامنا ـ هناك حق في الاستقلالية القومية. الدولة العربية معناها دولة العرب، مثلما أن الدولة اليهودية هي دولة اليهود. واضح أن الدولة العربية سيكون لها طابع عربي، فالعربية هي هويتهم الثقافية والقومية. ما الذي يمكن فهمه من الطابع العربي للدولة العربية (بما في ذلك النظرة لمكانة الإسلام)؟ الآراء مختلفة حول هذا الامر.
في عام 1947 لم يكن بالامكان معرفة مقدار القمع الذي ستمارسه الدول العربية، وفي معظمه باسم القومية العربية. ولكن من توقع ذلك كان يجد ربه أن يقول إن 20 دكتاتورية عربية لا تلغي حق الشعوب العربية في الاستقلال.
خلافا للحالة اليهودية، فان الإسلام ليس الدين الوحيد للعرب، لكنه الدين السائد أكثر. متحدثو القومية العربية العلمانية ومن ضمنهم المسيحيون، اعترفوا بشكل تقليدي أن الثقافة الإسلامية هي جزء من العربية.
الصلة بين العربية والإسلام تختلف عن الصلة بين الدين اليهودي والشعب اليهودي.
وهذا لا يعني أنها صلة ضعيفة أو أنها لا تشكل تحديا في عملية بناء الهوية العربية الحديثة. لكن اولئك الذين يناضلون من اجل القيم الديمقراطية في المجتمع بحاجة إلى التعامل مع ثقافتها، على جميع مركباتها، يجب أن يناضلوا من اجل التفسير الحديث للارث الثومي.
كأشخاص متحضرين وأحرار لديهم ايضا الحق في رفض أجزاء من هذا الارث. الشخص الحر من حقه رفض الارث القومي كله. ولكن من يفعل ذلك لا يمكنه التأثير على المجتمع، ولن يساهم بأي شيء في الصراع من اجل الديمقراطية.
ايضا الدولة التي تمنح الاستقلالية للشعب اليهودي يوجد لها طابع يهودي. يعرف الجميع أن الثقافة اليهودية المحافظة قد تأثرت بشكل كبير بالدين. ولكن من يخافون أنه في أيامنا ايضا (الخوف بمعنى الخنوع الثقافي للمؤسسة الارثوذكسية)، ما الذي يستفيد منه إذا قال عن الدولة «دولة اليهود» كما يقترح البعض بدلا من دولة يهودية؟.
هل «الدولة اليهودية» غير قابلة للتفسير الغير ديمقراطي المتطرف وكأنها دولة جميع اليهود؟
تعبير «دولة الشعب اليهودي ودولة جميع مواطنيها» يهدف إلى ضمان حقوق العرب. ولكن سيكون هناك من يدعي أنه إذا كانت الدولة «ايضا» للشعب اليهودي، فمن الأجدر أن تمنح المواطنة ليهود الشتات. وعندها لن يستفيد العرب من التدفق على صناديق الاقتراع.
أكثر مفهوم يمكن أن يحظى بمعنى لاديمقراطي هو «إسرائيل»، هذا هو الاسم التاريخي الاساسي للشعب اليهودي، والاسم الاكثر تحببا على الدين الذي نسميه اليهودية. لو كان بالامكان الانتصار في هذا الصراع المغلوط الذي لا فرصة أمامه ضد «الدولة اليهودية»، لكانت كل المعاني اللاديمقراطية الممنوحة اليوم لهذا المفهوم، تتناسب بسهولة وبشكل طبيعي مع اسم «إسرائيل». في الصراع من اجل القيم الحديثة والديمقراطية لا توجد اختصارات في الدلالات.

هآرتس 10/12/2015

الكسندر يعقوبسون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية