ذرائع الحل العلماني الروسي للأزمة السورية

شهد العالم في الأيام القليلة الماضية أحداثاً كبيرة، قد تكون بينها روابط مقصودة أو غير مقصودة، وما يقرر ذلك هي المعلومات الصحيحة عن الأحداث.
وهي غالبا ما تكون نادرة، ولذلك قد يكون المصدر الثاني التصريحات السياسية للرؤساء والوزراء والبيانات الرسمية التي تصدر بعد المؤتمرات والاجتماعات الرسمية، وما يصدر عن المؤتمرات الصحافية عن كبار المسؤولين، واخيرا ما يصدر عن بعض الصحافيين والمحللين في الصحف العالمية الكبرى، التي في الغالب تستند إلى معلومات قريبة من دوائر القرار أو أجهزة الاستخبارات المعنية بهذه الأحداث، وتعمل للاستفادة منها، من خلال تمرير معلومات تصب في استثمار هذه الأحداث. أما الأحداث التي وقعت في التطورات الأخيرة فهي كثيرة، ومنها الأعمال الإرهابية التي وقعت في تركيا ومصر ولبنان وفرنسا وسوريا وغيرها، والتي اتهم بها تنظيم «الدولة الإسلامية ـ داعش»، أو التي تبناها هذا التنظيم بنفسه، وقد بدأت هذه الأعمال في تركيا باستهداف محطة قطارات في العاصمة التركية انقرة، وإسقاط الطائرة الروسية بتفجير قنبلة فوق سيناء المصرية، وتفجيرات الضاحية الجنوبية في العاصمة اللبنانية بيروت، وتفجيرات باريس.
وقد أعقب هذه التفجيرات العالمية والمؤتمرات الدولية، العدوان الروسي بانتهاك الطائرات الروسية الحربية للاجواء الجوية التركية، ما اضطر تركيا إلى إسقاط إحداها وهي لا تعرف هويتها، ما وتر العلاقات السياسية بين روسيا وتركيا، والرد على كل التهم الروسية بأن تركيا تدعم تنظيم «داعش» بإثبات أن العكس هو الصحيح، حيث أكد الرئيس التركي أردوغان يوم 2015 /11 / 27 أن الشركات الروسية هي التي تشتري النفط من «داعش» وتبيعه إلى نظام الأسد، وقال أردوغان إن هذا مثبت بالوثائق في الخزانة الأمريكية. أما المؤتمرات المهمة فمنها، انعقاد مؤتمر فيينا الثاني لحل الأزمة السورية بحضور 17 دولة، ويدعي القائمون عليه بأنه تم الاتفاق على خريطة طريق، لإقامة حكومة انتقالية خلال ستة أشهر، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية خلال ثمانية عشر شهراً، ومؤتمر قمة العشرين بعده بيوم واحد في مدينة انطاليا التركية يومي 15 و16 نوفمبر 2015.
ولعل الحدث الأبرز في هذه الأحداث، التي تجمع بينها جميعا الأزمة السورية، فكل التفجيرات السابقة قام بها تنظيم «داعش»، وداعش منظمة إرهابية عمل الديكتاتور السوري بشار الأسد على إيجادها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لتشويه صورة الثورة السورية، وكان سلوك «داعـــــش» قبل الغــــزو الروسي لسوريا وبعده لا يظهر عداء ولا صراعاً مع قوات بشار الأسد، ولا يستهدفون الوجود الروسي في سوريا، بل ذكرت مصادر للجيش السوري الحر أن قوات التنظيم كانت تهاجمهم بغطاء جوي روسي، وهذا يكذب الدعوى الروسية بأن روسيا تدخلت عسكريا في سوريا لمحاربة «داعش».
المشكلة الحقيقية في المنطقة التي تربط كل هذه الأحداث مع بعضها هي أن بشار الأسد استدعى كل دول العالم لتقاتل في سوريا، حتى تدخل سوريا هذا التيه الدولي ولا تتخذ قرارا صائبا في إنهاء وجوده في السلطة، فكلما اتفق العالم على ضرورة تنحيه عن السلطة، وقعت تفجيرات كبيرة في إحدى العواصم الأوروبية أو العالمية، لإثبات أن الجهود يجب ان تنصب لمقاتلة «داعش» التي تتبنى هذه التفجيرات، وليس محاربة الأسد ولا إسقاطه من السلطة، بحسب زعمه، بل وصل به الحال ادعاء أنه في خط الدفاع الأول ضد الارهاب وضد داعش، كما تقوم بهذه الدعاية المفضوحة من وسائل الإعلام التابعة لإيران ومحورها الطائفي في العراق ولبنان وقنواتها الفضائية. هذا التيه شتت الجهود الدولية في مؤتمرات جنيف منذ نهاية عام 2011 ، سواء لتشكيل مجالس باسم المجلس الوطني أو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أو مؤتمرات لجامعة الدول العربية، أو لدول أصدقاء سوريا، أو مؤتمرات جنيف، أو الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وصولاً إلى مؤتمر فيينا الذي تتزعمه القيادة الروسية، وهي الدولة الغازية لسوريا بطائراتها وجيشها، وتحاول أن تهيمن على سوريا عسكريا أولاً، وأن تهدد دول الجوار بقوتها العسكرية ثانياً، والانفراد بالحل السياسي ثالثاً، ظانة أن قوتها العسكرية سوف تمنحها القضاء على فصائل الثورة السورية والجيش السوري الحر، وبالتالي تجعل كل أطراف الصراع داخل سوريا وخارجها لا تستطيع الاعتراض على الحل الذي ترسمه روسيا لسوريا المستقبل، حتى جاء إسقاط الطائرة الروسية من قبل الطائرات التركية، ردا على انتهاكها للمجال الجوي التركي، ولم يتوقف الرد التركي على اسقاط الطائرة، بل طالبت تركيا من روسيا الاعتذار عن هذا الانتهاك، فبدا الموقف التركي متحديا للغطرسة الروسية في المنطقة، وهذا الرد لن يتوقف في مستواه العسكري وهو الأعلى، بل سيمتد إلى مستواه السياسي، بحيث لن تستطيع روسيا تحقيق أحلامها، ولا فرض الحل السياسي في سوريا وفق هواها.
المشكلة في سوريا لم تعد مشكلة ثورة شعبية مع نظام استبدادي فقط، وإنما مشكلة دولية، تسعى الدول الكبرى لحسمها لصالحها، وبطريقتها العسكرية الخاصة، وبمؤتمراتها السياسية الخاصة أيضاً، فأمريكا منذ السنة الثانية للثورة منعت فصائل الثورة السورية من حسم معركتها العسكرية مع نظام بشار الأسد، بعد أن اضطرت الثورة السورية إلى استعمال السلاح وهي تدافع عن نفسها، فقد انتصر الشعب السوري في ثورته على نظام بشار الأسد منذ منتصف عام 2012، ولكن الدول الكبرى، وفي مقدمتها أمريكا خدعت الشعب السوري بمنع الأسلحة النوعية عن الثورة السورية أولاً، وتآمرت عليه في مؤتمر جنيف ثانياً، فلم تعمل ولم تضغط لتنفيذ قرارات «مؤتمر جنيف1»، الذي نص على حكومة انتقالية بكامل الصلاحيات، وتراخت امريكا أمام رفض روسي مزعوم، لأن أمريكا كانت لا تريد ان تنهي الحرب في سوريا، بل سمحت لإيران منذ منتصف 2012 ولحرسها الثوري والميليشيات التابعة لحزب الله اللبناني بالتدخل في سوريا والعمل على تغيير موازين القوى العسكرية فيها، واحتلال المواقع التي تسيطر عليها فصائل الثورة السورية، التي حررتها من نظام الأسد في الانتصارات السابقة، فبقي الحرس الثوري الإيراني يعيث في سوريا الفساد ويقتل الشعب السوري ويهلك الحرث والنسل، لأربع سنوات بدون أن يتمكن من الانتصار.
وبعد فشل مؤتمر واتفاق جنيف الأول والثاني، بفعل الاحتلال الإيراني لسوريا، جاء الحديث عن مؤتمر فيينا، وقبل أن يتوصل مؤتمر فيينا إلى اتفاق، بل قبل انعقاد مؤتمره الأول كان الاحتلال الروسي قد دخل سوريا، فمؤتمر جنيف الذي قادته في مراحله الأولى وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون وكوفي عنان، وصل إلى طريق مسدود بعد الاحتلال الإيراني لسوريا، وبسبب عدم وجود قوة دولية ضاغطة على حكومة بشار الأسد بقبول حكومة انتقالية بكامل الصلاحيات، بينما روسيا قالت على لسان وزير خارجيتها لافروف، قبل مؤتمر فيينا، بأن مستقبل بشار الأسد غير مطروح للنقاش، وهكذا أصبحت المؤتمرات الدولية مجرد أداة لزيادة التيه في سوريا.
أما تقارب وقوع التفجيرات الارهابية والمؤتمرات السياسية فيمكن الربط بينهما على أساس التحليل السابق، معتمدين على المعلومات الصحيحة أو التصريحات السياسية أو الكتابات الصحافية المهمة، فلا شك أن بعض الأطراف المشاركة في المؤتمرات قد تكون مشاركة في التفجيرات بطرق مباشرة أو غير مباشرة، ولا شك أن بعض الأطراف التي حضرت تلك المؤتمرات كانت مستهدفة بتلك التفجيرات، وقبل المؤتمرات بالذات، وقد تكون بعضها مستفيدة منها أيضا، فإيران التي حضرت مؤتمر فيينا الثاني ولم تحضر مؤتمر قمة العشرين، كانت المستفيد الأكبر من كل التفجيرات التي وقعت في تركيا وفي سيناء وفي فرنسا وفي لبنان وفي سوريا، بل ومن إسقاط الطائرة الروسية وهي تنتهك الأجواء التركية أيضاً، لأنها تجد فرصة لادعاء مصداقية رؤيتها، بأن هناك إرهاباً يضرب النظام السوري والدول الأوروبية، وبالتالي فعلى الدول الأوروبية والعالم مساندة النظام السوري ومقاتلة الارهاب، بحسب زعمها.
إن فشل ميليشيات الحرس الثوري الايراني والعراقي واللبناني في القضاء على الثورة السورية، وفشل الأحزاب الكردية المتحالفة معها في القضاء على «داعش»، شجع الظنون الروسية بأن فرصتها التاريخية لاحتلال سوريا والهيمنة على الشرق الأوسط توفرت، بعد انتظار طويل، وقد جاء الجيش الروسي لمحاولة القيام بهذه المهمة، ولكن امريكا واوروبا وهي تدرك مسبقاً فشل روسيا في قدرتها على تحقيق هذه الأهداف، فإنها لا تنفك عن دعوة الأطراف العربية والتركية للمشاركة في المعارك البرية، والتصريحات الأمريكية في هذا الاتجاه كثيرة، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية الفرنسية فابيوس: «بأن فرنسا لن ترسل جنودا لمقاتلة تنظيم الدولة على الارض في سوريا، وأن هذا مناط بقوات سورية ومن الدول العربية السنية»، أي المطلوب أن تشارك القوات البرية التركية والعربية الرسمية بالحرب المشتعلة في سوريا.
الدور الروسي في سوريا، وبتعبير أصح الاحتلال الروسي، لن يزيد الحرب فيها إلا دمارا وقتلا وخسارة، ولن تكون مساعيه السياسية في مؤتمر فيينا إلا خيبة، لأن الروس لم يأتوا لمحاربة «داعش» ولا لإقامة الحل السياسي في سوريا، وإنما لاسترداد سوريا للامبراطورية البيزنطية الأرثذوكسية، ولذلك فإنها سوف تحاول تدمير كل معلم إسلامي بحجة الحل العلماني للصراع السوري، الذي لا تعارضه أمريكا في الاجراءات، ولكنها سوف تعمل لإفشال أهدافه في الهيمنة على الشرق الأوسط، وقد بدأت الدول الأوروبية الكبرى تتحسب له وتزيد من تدخلها في سوريا لمنعه، لأن فرنسا وبريطانيا وألمانيا ستعمل ضد النفوذ الروسي في سوريا، ولكن قدر الشعب السوري أن يواصل قتاله ضد الاستعمار القديم والجديد، وأن يكون الانتصار حليفه، وانتصار الامة التي ينتمي إليها بإذن الله.

كاتب تركي

محمد زاهد جول

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية