مدريد ـ «القدس العربي» من خالد الكطابي: «لا ينبغي أن تكون لنا عقد عندما نخرج أفلاما باسكية»، كانت هذه وجهة نظر المخرج أشير ألتونا عند تقديمه لفيلمه «أماما»، الذي يعد أول فيلم يبدعه منفردا، بعد أن سبق له أن قدم فيلمه القصير»تشوتش» وفيلمه الطويل الأول «أوبا إيتشيبيستي» حيث أخرجهما بالاشتراك مع تيلمو إيشنال.
ويتناول فيلم «أماما»، أي الجدة بلغة الباسك، سؤال إمكانية الاستمرارفي العيش في البيت الريفي في الوقت الحاضر، عبر طرح عادات وتقاليد كانت تميز وتنظم الحياة وما تمثله العائلة الريفية الباسكية، التي كان يحكمها النظام الأبوي كباقي المجتمعات الأخرى.
ويرصد الفيلم ارتباط العائلة بالأرض والطبيعة، وكيف يرتبط ميلاد الفرد الجديد بشجرة جديدة، تحمل اسمه وعليه رعايتها وتلوينها بالصباغة، ما يعطي للشجرة رونقها البهي، لما تشكله من استعارة على قوة ومتانة الانتماء إلى الأرض التي بدأت تضيق فجأة أمام تنامي العمران، حيث سيصبح البيت الريفي وقيمه محطا للمساءلة نتيجة التغيير الهائل للمجتمع الباسكي وانخراطه في القيم الأوروبية الجديدة.
ويقدم لنا الفيلم، عبر استعماله كاميرا هاوية، لمحة تاريخية عن الحياة في البيت الريفي وكيفية انتقال الإرث للابن الذكر البكر، وسيطرة الأب ومكانة المرأة المهضومة… غير أن المستجدات التي بدأت تطفو على السطح وعدم تمكن الأب من فهم المتغيرات التي تحيط به جعلته يدخل في صراعات مع ابنته وصلت إلى حد القطيعة معها عبر قطع شجرتها..
ويبرز لنا المخرج شخصيات فيلمه التي تتحرك في بناء درامي متصاعد يجعل من صراع الأجيال ثيمته الأساسية، فهو يبرز عائلة باسكية تعيش في بيت ريفي يضم مزرعة يقوم الأب ويدعى طوماس بالعمل فيها تساعده زوجته إيزابيل (كلارا باديولا) التي لا تتكلم كثيرا، وهي امرأة مطيعة لزوجها وفاقدة للمبادرة، وأبناؤه الذين يقدمون له يد العون.. لكن ابنته أمايا (إرايا إلياس) التي تعمل مصورة وفنانة فوتوغرافية ستطرح سؤال ما الفائدة من الاستمرار في بذل المجهود نفسها طالما أن المنتوج الفلاحي لا يلقى أي مدخول وتطالب الأم بعدم الرضوخ للأب… وفي لحظة غضب تحاول أمايا مطالبة الأب بتقليص عدد الأشجار المثمرة وذلك بقطعها بواسطة آلة المنشار السلسلي، لكن الأب يرد عليها بقطعه لشجرتها التي تحمل اسمها منذ أن ولدت في إشارة للتنكر لها كابنة ولانقطاع الصلة بينهما. وأثناء مغادرة الابنة للبيت تجد الأم نفسها مرغمة على الكلام والوقوف في وجه الزوج، مذكرة إياه بأنها لم تعص له أمرا من قبل لكن هذه المرة إن لم يصالح الابنة فستجد نفسها مضطرة للخروج من البيت، وبعد مغادرة أحد أبنائه للدراسة في الخارج والخروج المبكر للآخر (أندير ليبوس) رغم تردده رفقة عائلته لزيارة المزرعة والعمل بها كلما سمحت الفرصة بذلك، وأمام تهديد الأم سيجد الأب نفسه مضطرا للذهاب لمسامحة ابنته التي لم يجدها في البيت في المرة الأولى متوجها إلى المدينة بجراره الصغير حاملا إليها هدية شكلها من خشب الأشجار ليجد في بيت ابنته ما يجعله مسرورا، لأنها تضع عبر الصورة تاريخ العائلة وصور أفرادها مقتنصة اللحظات الحميمية .
وفي المقابل فإن الجدة التي تمثل الذاكرة الجمعية كان حضورها الصامت والمرتبط بالاستماع إلى القداس الكنيسي عبر الراديو، أكثر دلالة على بداية الشرخ الذي بدأت تعرفه تقاليد البيت الريفي الباسكي.
ولعبت أمبارو باديولا دور الجدة وهي امرأة في سن الثمانين التقاها المخرج مصادفة، حيث يقول «طيلة ثلاثة أشهر كنت أبحث عن امرأة للعب دور شخصية الجدة، ومن المواصفات التي رسمتها أن تكون أنيقة، جميلة وقوية حتى التقيت بها في مقهى..»…
ويقدم الفيلم رؤية إبداعية وفنية صرفة تنتصر لرغبة الأجيال في التحرر فبواسطة خشب الأشجار لا يمكن فقط صناعة الأثاث المنزلية، بل أيضا يمكن رسم لوحات فنية تعبيرية وتجريدية إذ يصبح اللون منطلقا للتحرر ومعبرا عن الرغبات والتطلعات النفسية التي ظلت تراود الابنة أمايا. كما أن الفيلم يبرز دور الفن الرئيسي في الحفاظ على التراث ويشكل دعوة صريحة للاهتمام وتشجيع الفن كأداة يمكنها أن تقدم وتحافظ على القيم من الاندثار، حيث تصبح آلة التصوير عنصرا حاسما في التقاط اللحظات وتشكل توثيقا يمكن الرجوع إليه …
وتشكل شخصية توماس المتسلطة، التي يجسدها كانديدو أورانغا، نموذجا للأب الريفي الباسكي، وتميزت بكونها شخصية معقدة تريد الحفاظ على الموروث، تتميز بالصلابة والعنف وعرف كيف يوصل أحاسيسه الداخلية المليئة بالحب حتى في لحظاته الأكثر قسوة…
ويستعمل الأب القطع بأسلوبين مختلفين يجعلانه شخصية تبرز عواطفها وانفعالاتها فعند تعبيره على عدم الرضا يستعمل الأب المنشار السلسلي لقطع شجرة أمايا، لكنه عندما يريد أن يقدم هدية لابنته من أجل مصالحتها فإنه يستخدم المنشار التقليدي كدليل على عشق ما يقوم به.
ويتصاعد البناء الدرامي التدريجي ويبلغ ذروته في الوقت الذي تختفي فيه الجدة، وهو وإن كان جسديا فإنه يحمل بعدا رمزيا لما تحمله من ذاكرة جمعية ومصدر للمعرفة وقناة أساسية لربط الماضي بالحاضر… وسرعان ما ستتشكل فرق من المتطوعين للبحث عنها رفقة أفراد العائلة حيث ستتصادف مع عودة الابن غايشكي (مانو أورانغا) من الخارج الذي سيجدها في أحد الكهوف جثة هامدة… ومما يعطي جمالية إبداعية للفيلم هو طريقة توديع الجدة الأخير فقد وظف المخرج عرضا فنيا تمتزج فيه الموسيقى عبر العزف على آلة التشيلو (كمنجة كبيرة) ترافقها صيحات احتفالية كتعبيرعن الألم الجماعي وكذلك الاحتفاء بالذاكرة الجمعية. ويقدم ألتونا أسلوبا جديدا لتكريم الماضي والاحتفاء به بعيدا عن مراسيم الجنازة التي لم تكن دينية، حيث تم تغييب الكنيسة نهائيا في إشارة إلى أن الجيل الجديد لم تعد تربطه بالكنيسة أي صلة، وبأن الفن يشكل العنصر الحيوي الذي يمكن أن يوحد المجتمع ويحافظ على التراث ويعبر عن الآمال والآلام.
وكانت نهاية الفيلم مفتوحة على كل الاحتمالات، ففي المشهد الأخير ينقلنا المخرج من خلال الموكب الحامل لجثمان الجدة عبر نافذة السيارة الخلفية كشاشة سينمائية جعلت الكاميرا تنقلنا نحو أفق مفتوح، ولا نعرف هل توجهت نحو المقبرة أو إلى أماكن حرق الجثث. والفيلم يحكي بأصوات مليئة بالصمت حد البوح جهرا مقتربا من شخصياته التي لا تفتأ تعبرعما يخالجها، لأن التعبير الإنساني الصادق يطفو على سطح الصورة ويرصد الأحاسيس والعواطف من خلال الاقتراب من عالم بسيط حد التعقيد. ولأن التواصل الشفاف يمتح من خلال الاستعارة التي تغني عن الكلام، وهذه قوة الفيلم فأحداثه كانت كلها متخيلة، رغم أن المخرج يعترف بأن ذاكرته لا زالت تحتفظ بشيء من صراع الأجيال.
ويتطرق المخرج وكاتب السيناريو، أشير ألتونا، المولود في مدينة بيرغارا لثيمة حميمية وعاطفية لأجيال باسكية، فهو إذ يعالج موضوعا محليا عبر شخصيات فيلمه وتقنييه الذين ينحدرون من الباسك، غير أن هدفه يرمي للوصول إلى طريق العالمية، لأن موضوع الفيلم يتداخل فيها الإنساني، الفني، الجمالي والطبيعي ليرسم لنا لوحات فنية ويقدم لنا صورة شعرية يصاحبها إيقاع موسيقي يحتفل بالجسد والروح.. وفيه ينتصر للفن كملاذ للفرد مهما كانت جنسيته..
لقد وظف أشير ألتونا في إبرازه لصراع الأجيال ولعنصر التواصل أسلوب القرب من شخصيات فيلمه، فكانت اللقطات القريبة والمكبرة لجعل المشاهد يتعرف على الملامح النفسية لكل شخصية، لكن وإن بدت متناقضة ومتنافرة إلا أن ما يجمعها هو انتماؤها للفضاء الإنساني الرحب…
توج فيلم «أماما» بجائزة أحسن فيلم باسكي في مسابقة إيريثار الخاصة بالأفلام الباسكية ضمن الدورة 63 لمهرجان سانسيباستيان السينمائي الدولي، ولقي استحسانا كبيرا من طرف المشاهدين، وتألق في مهرجان توديلا للعمل الأول، حيث فاز بجائزة الجمهور والجائزة الكبرى للجنة التحكيم كما سبق له أن فاز عن فيلم «أوبا إيتشيبيستي» رفقة المخرج إشنال بجائزة الشباب في المهرجان نفسه سنة 2005 رشح لجوائز غويا …كما سبق له أن أخرج الفيلم الوثائقي «برتشولاري» وساهم في إخراج مسلسلات تلفزية ووصلات الإشهار…