بعكس حركات الحداثة الداخلية السابقة في الثقافة العرب- إسلامية، وبعدها التحديث الأوروبي، كانت أي مقاربة للتحديث في العالم العربي المعاصر تبدو صيغة من صيغ الالتحاق بالغرب.
والمشاحنات بين «القديم» و»الحديث»، التي كانت من خصائص التحديث الغربي المبكر، ذهبت باتجاه معنى مختلف. فهي الآن تتقاطع مع ديالكتيك «الذات» و»الآخر». وأصبحت مشكلة الجديد، وتصعيد إنجازات الأجيال السابقة غير ذات أهمية، وهذا يشمل «الأصالة» أيضا، بمعنى الاستمرارية من الماضي إلى الحاضر بلا انقطاع.
بكلمات أخرى، كيف يمكن للحداثة والتحديث، وهما غالبا مرتبطتان بالغرب، والتغريب، بفضل تكوينها النوعي، أن تتغلب على اغترابها في الثقافة العربية. وتؤسس لتجديد ثقافي، ومعاصرة تحقق الراهنية في العالم، مع الاحتفاظ بأصالتها؟
في غضون القرنين السابقين اقترح المثقفون العرب عددا من النماذج للحداثة الثقافية، على أمل أن تقود إلى تحديث العالم العربي. وتبدو هذه المشروعات المقترحة للتحديث كأنها تتحرك بين قطبي معضلة «الماضي» و»الحاضر»، الـ»ماضي» يعرف بالتقاليد العرب- إسلامية، والحاضر يعرف بلاعبه المؤثر – الغرب. وكما لاحظ الكتاب العرب، إن النقاش بخصوص الحداثة العربية يركز على ما يبدو على ظاهرة الانتحاء ثنائي القطبية، الذي لا يمكن تفاديه فيذهب إلى الحداثة، التي تطمح لعالم معاصر يمكن إدراكه بدمج الثقافة العربية مع الثقافة الغربية المسيطرة، أو إلى «الأصالة»، التي تتأسس على الـ «ماضي». وكما يقول ألفرد فرج: بدأت نهضة ثقافتنا العربية في مصر في القرن التاسع عشر باتجاهين متعارضين طوال النصف الأول من القرن التاسع عشر: وقد نشأ عن الشيخ رفاعة الطهطاوي اتجاه (تحرك) نحو دمج العقل المصري بالعقل الأوروبي المعاصر في أفضل صوره الديمقراطية والتكنولوجية.
وبالنسبة للاتجاه الثاني، الذي يبدو متعارضا مع الأول، فهو الاتجاه الذي بدأه محمود سامي البارودي في منتصف التاسع عشر. ونادى بإحياء التراث الأدبي العربي القديم، بجمعه ونشره وتبسيطه.
رافق البارودي رواد إحياء التراث (العرب- إسلامي)- الذين حرروا التراث الأدبي والثقافي الرسمي (العربي الإسلامي)، مثل جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، والمويلحي، و(عبدالله) النديم، وحتى طه حسين ومعاصريه، ومعهم عشرات من المثقفين العرب الذين عمدوا لربط الماضي بالحاضر، لإحياء الأدب العربي الكلاسيكي ولتجديده بحساسيات حديثة.
كلا الاتجاهين، كما يقول فرج، برزا كاستراتيجيتين «تقدميتين» لأنهما يقاومان الاستعمار، الأول أكد على قدرات مصر لتلحق ببقية العالم، وعلى قدراتها في مقاومة الاحتلال العثماني، والثاني هدف لتمتين الهوية المستقلة بالاستفادة من «ماضيها» القوي والمجيد. وأي اتجاه يختاره المثقفون العرب، يؤدي، على ما يبدو بالضرورة، للانقطاع في تواصل مسار التاريخ العربي. ولاختيار الحداثة الغربية، فإنه على الماضي النفسي أن يستسلم، ولانتخاب «الأصالة» المتجذرة في «الماضي»، فإنه على «الحاضر» أن يتعرض للإفناء. والنتيجة، بمصطلحات برهان غليون، قطيعة في التاريخ العربي حتى يستحيل على الذات أن تتماسك. والمشكلة، كما فسرها حسن حنفي، موجودة في استحالة الاختيار: هل على الذات أن تطور نفسها من الحداثة ذات الطابع الغربي التي يفرضها الآخر، وأن تنفي نفسها من ماضيها الخاص، أم عليها أن تجذر نفسها في التقاليد الكلاسيكية العرب- إسلامية، حتى لو غربت نفسها عن الحاضر. ولكن كي نستعيد الاستمرارية التاريخية للذات، فإنه يجب علينا تخطي آخرية الآخر، لا أن نحطمه، أو نحطم الآخر بتعريفه، أو حتى برفضه، بل بدمجه في الذات. على سبيل المثال بإضفائه على الوطنية والثقافة التي أنتجها تاريخ له جذور في تطوير الذات. وعلم الاستغراب، وهو استجابة للاستشراق الذي اقترحه حنفي، لا يذيب الاستشراق، القوة الحافزة التي بها يتحول الآخر (الشرقي) إلى موضوع بواسطة الذات (الغربية)، وإنما يمتص الآخر (الغربي) في الذات (الشرقية)، ليجعل من الطرف الأول جزءا متضمنا في الطرف الثاني.
في هذا السياق، يأخذ «قلق التأثير»، البارادايم النظري الذي افترضه هارولد بلوم لتفسير النصوص الأدبية، المعاني الإشكالية. فهو يعمل في نظام مثاقفة في وقت يصارع فيه الكتاب العرب للتغلب على والتخلص من والتسامي فوق ورفض تأثير الموديلات الغربية. وفي الوقت نفسه، هو يعاني من قلق غياب التأثير، فهو ليس متجذرا في جذور الماضي. لقد أصبح التناص، داخل الثقافة الإسلام عربية أو بين الشرق والغرب، استثمارا مقصودا، يجري كتاب النصوص حساباته بحذر قبل إعدامه. وبواسطة ترتيب الأشكال والموضوعات والتقنيات واستيرادها من التراث الكلاسيكي والإرث الاستعماري، يحاول الكتاب العرب تصحيح شمولية «الذات». فهم يحاولون علاج الانقسام المفروض على ذاتية العرب- وهي مقاطعة للتواصل بين الماضي والحاضر- ومن خلال تكامل كليهما الوطني والتقاليد المستوردة، وبتحقيق أصالة متشابكة مع المعاصرة، وهو، مبدأ المعاصرة والانتماء للعالم.
وفقط بتوفر هذين العنصرين المتزامنين يمكننا التأكيد على شرعية الثقافة الرؤيوية الجديدة. وكذلك مؤسساتها، التي تم تشكيلها من أجل حداثة عربية.
إن التزامن، في كل الأحوال، يخلق التوتر في كل من النصوص النقدية المكتوبة على موضوع الحداثة في الثقافة العربية والنصوص الأدبية التي تنتج في هذا السياق. والرواية العربية، كما ذكر عصفور، تواصل المحاولة لتصعيد علاقة «اطرد واجذب»بين قطبين من هذه المعضلة المعقدة ويسميهما- الذات والآخر، الماضي والحاضر، الشرق والغرب، القديم والجديد، والوطني والأجنبي- وذلك لاستكمال هويتها المتميزة والفريدة.
قطبا هذه المعضلات المتمفصلة لا يتوافقان بأسلوب نظامي. لو أن الأصالة تجذرت في الذات والماضي والشرق والقديم والوطني، فإن المعاصرة بالضرورة ستستقر في الآخر والحاضر والغرب والجديد والأجنبي. وهذه بكل وضوح إشكالية. العصرنة بالعربية تقابل المعاصرة، وتتضمن معنى أن تكون مع المرحلة، أن تكون في الحاضر والجديد. وهنا تصبح الأصالة متجذرة في الوقت نفسه في الماضي والحاضر، في القديم والجديد، في التقاليد والحداثة. فما يعتبر أصيلا يصبح من ثمة موضوعا للأيديولوجيا، وتنافسا رؤيويا على حداثة العرب وأولوية ومصدرا لكل هذه الرؤى. والمصطلح، أصالة، يمكنه فجأة أن يتضمن الماضي والحاضر بالاعتماد على أيديولوجيا المدن.
وبالنسبة لمن يضع أهمية أكبر على الـ»هنا والآن» تعني الأصالة أن تكون متموضعا في المشاكل المباشرة الخاصة بالأمة/الدولة التي تصارع للتغلب على القمع والمجاعة والتجاهل والفتن الطائفية والاحتلال العسكري وكله ميراث من الماضي والحقيقة أو الواقع.
وعليه هي مصدر الأصالة، وفي الخطابات الماركسية عن الرواية العربية، الماضي هو الآخر. والواقعية، لا العودة إلى التراث الأدبي للماضي، تؤشر إلى البداية الحقيقية للرواية العربية برأي عبد المحسن طه بدر، ماركسي، لأنه في الواقعية يمكن للمرء أن يجد علاجا لظروف العرب الآن. وهذا لا يدفعنا لنقول إن الغرب ليس هو الآخر بالعكس إن جزءا من واقع الأمة/ الدول هو الدفاع عن نفسها ضد هجوم مستقبلي للغرب حين أخذ شكلا من أشكال الرأسمالية قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، ودخول العولمة.
ويقر محمود أمين العالم بأن العالم أصبح تهديدا يرفع درجة مخاطر العولمة الأمريكية أو الكونية التي تهدد بإلغاء خصوصيات الثقافة الوطنية والهوية القومية الثقافية لمجموعة أجزاء هذا العالم الواحد.
والحل كما هو واضح أن لا تتخلى عن الخصوصية من أجل الكونية أو على الكونية في سبيل الخصوصية لأن العزلة والقطيعة عن البشرية حماقة، لكن ضياع الخصوصية والهوية انتحار قومي وثقافي.
عوضا عن ذلك، إن الجواب هو في أن تكون جزءا من العالم مع الاحتفاظ بتميزك، وأن تعمل باتجاه إنسانية مشتركة، مع مقاومة محاولات السيطرة وتحطيم الهويات الوطنية والثقافية، أو بكلماته، للدفاع عن الأمة/الدولة. فالأدب العربي يفصل مسيرة الأمة الدولة في تحقيق وإنجاز الخصوصية، التي تأتي من الخبرات المعاشة، وكذلك طموحاتها للعصرنة والانتماء للعالم. وبالنسبة لمن يرى الأفضلية في مواصلة الماضي والحاضر فإن مسيرة التأصيل لا تعني ببساطة البحث عن جذور أو أصل للثقافة العربية أو الأدب العربي في التراث الثقافي للعالم العربي. ولكن تتطلب إعادة تعريف هذا التراث، بحيث يمكنه احتواء الظاهرة الثقافية والأدبية الجديدة التي استبعدت تاريخيا من القانون الأدبي: والرؤيا التقليدية للثقافة من أجل الذات، التي أخذت شكل مشاريع تصحيح أو إصلاحات سطحية قام بها زعماء مسلمون ومثقفون عرب في القرن التاسع عشر مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده واستمرت حتى القرن العشرين.
٭ كاتبة صينية / أستاذة الأدب العربي في جامعة لندن
ترجمة: صالح رزوق
وين جين أويان