تونس ـ «القدس العربي»: روعة قاسم تستعد تونس لتعديل وزاري كبير سيعلن عن تفاصيله قريبا رئيس الحكومة الحبيب الصيد، وذلك بعد الأداء الهزيل لعدد من الوزراء الذين لم يتمكنوا من الإقناع طيلة الأشهر التي قضوها على رأس وزاراتهم. كما أن نسبة النمو المنخفضة التي تم تحقيقها إلى حد الآن والتي لم تتجاوز الصفر فاصل خمسة في المئة تعجل بحصول التغيير المرتقب وتدفع إلى عدم إضاعة المزيد من الوقت في العمل بهذا الفريق الحكومي.
والحقيقة أن النظام البرلماني الذي اختارته تونس بعد انهيار نظام بن علي والذي أدى إلى ضرورة تشكيل الإئتلافات الحكومية الهشة، والذي يمنح صلاحيات كبيرة لرئيس الحكومة ويحد من الصلاحيات الواسعة التي منحت في السابق لرئيس الجمهورية، يجعل استقرار الحكومات أمرا غير مضمون. وتعالت أصوات عديدة تنتقد اختيار هذا النظام وتعتبره خطرا على الإستقرار في تونس، وترى أن النظام الرئاسي هو الأمثل لتحقيق الإستمرارية التي يحتاجها الاقتصاد التونسي المنهك.
كما أنه يصعب على التونسيين إجراء انتخابات جديدة في الوقت الراهن خاصة بعد أن أنجزوا لتوهم انتخابات برلمانية ثم رئاسية على دورتين وأنفقوا فيهما مالا كثيرا، كما انتخبوا قبل ذلك مجلسا تأسيسيا تولى وضع دستور جديد للبلاد. وبالتالي لا يتصور أن يفكر طيف سياسي في إجراء انتخابات برلمانية سابقة لأوانها خاصة وأن الانتخابات الجهوية والمحلية لم يتم إجراؤها بعد ومجلس النواب بصدد إعداد القوانين المتعلقة بها.
لذلك يبدو أن هناك شبه إتفاق على الإبقاء على الحبيب الصيد، الذي يحظى بثقة الحزبين الكبيرين، رئيسا للحكومة مع القيام بجراحة تجميلية هدفها تقويم الاعوجاج الحاصل. أي سيتم تغيير بعض الوزراء «الفاشلين» والإبقاء على من أثبتوا قدرتهم على النجاح وكانوا محل اتفاق من جل الفرقاء السياسيين في تونس.
ومن بين الوزراء الذين يحضون بإعجاب طيف واسع من التونسيين وزير التربية ناجي جلول، الذي ستمنح له أيضا حقيبة التعليم العالي والبحث والعلمي بعد أن يتم دمج الوزارتين، والذي تحدث البعض على أنه مشروع رئيس حكومة مقبل. فمنذ أن تولى جلول هذه الوزارة وهو ينجز الإصلاحات التي أمل كثير من التونسيين أن تنجز خلال السنوات الماضية لإعادة الإعتبار لريادة التعليم التونسي الذي أنفقت عليه دولة الإستقلال ثلث ميزانيتها على حساب البنى التحتية والتسلح.
كما أن وزير الصحة العمومية سعيد العايدي يحظى بثقة الكثيرين ومن ذلك رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ويصعب أن يتم تغييره خلال التعديل المرتقب. ويرى البعض أن وزير الداخلية ناجم الغرسلي وإن لم ينجح في مهمته بشكل كامل إلا انه جاد وصادق في محاربة الإرهاب، وأن تعيين عبد الرحمن بلحاج علي مديرا عاما للأمن الوطني في الآونة الأخيرة، بعد عملية شارع محمد الخامس الإرهابية التي أودت بحياة عناصر من الأمن الرئاسي بعد تفجير حافلتهم من قبل انتحاري، سيدعم جهود الغرسلي الذي لا يبدو أيضا أنه سيطاله التغيير. في المقابل فان وزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ يبدو سيكون أول المغادرين بإصرار من جهات محسوبة على التيارات الدينية بعد ان أزاح أئمة مساجد رأى أنهم متشددون فيما اعتبرتهم بعض قيادات في حركة النهضة مثالا يحتذى في الإعتدال. ولعل أشهر هؤلاء إمام جامع اللخمي في مدينة صفاقس رضا الجوادي الذي أثارت إقالته جدلا واسعا واحتجاجات وصلت إلى حد مقاطعة المصلين الموالين له لصلاة الجمعة في الجامع المذكور بإمامة من قامت الدولة بتعيينه، وهي سابقة تونسية أثارت سخرية الكثيرين في مواقع التواصل الاجتماعي في الشارع التونسي وفي مختلف المنابر.
كما تعالت أصوات تطالب بإقالة الطيب وزير الخارجية من مهامه متعللين بضعف أداء الدبلوماسية التونسية في ملفات هامة على غرار الملف الليبي. ولكن يبدو أن رئيس الجمهورية يدعم الأمين العام السابق لحركة نداء تونس الذي رشحه البعض سابقا لترؤس الحكومة قبل أن يتم التوافق على شخص الحبيب الصيد بين الأحزاب المكونة للإئتلاف الحكومي.
كما يتوقع أن يتم تعيين وزير جديد للعدل خاصة وأن البلاد بدون وزير عدل منذ أشهر بعد أن تمت إقالة وزير العدل محمد صالح بن عيسى لأسباب غامضة وتعددت التأويلات في هذا الشأن. وهناك أسماء عديدة مرشحة لهذه الحقيبة التي يسعى الكل لوضع يده عليها بعد أن باتت الوزارة الأهم أو تكاد ومفتاحا من مفاتيح الحكم والهيمنة على القرار في البلاد.
فهناك اتهامات تطال مرفق عام القضاء بالتساهل مع المتهمين بالإرهاب الذين يتم القبض عليهم من قبل الأمن والجيش يحالون على القضاء. كما أن هناك اتهامات لجهات سياسية بوضع يدها على القضاء لتطويعه لخدمتها وهو ما سيجعل صاحب حقيبة العدل مثيرا للجدل والشبهة بقطع النظر عن انتماءاته وميوله، وستطاله باستمرار تهمة التعاطف مع هذا الطيف السياسي أو ذاك.
لذلك يرى البعض أن التعديل الوزاري سيستغرق وقتا طويلا على غرار ذلك الذي تستغرقه مفاوضات تشكيل الحكومة التي تلي الإعلان عن نتائج الانتخابات وتكليف حزب الأغلبية لإحدى الشخصيات الحزبية أو المستقلة، وليس بالسهولة التي يتصورها البعض. وستشهد الأيام المقبلة، حسب الخبراء والمحللين، مفاوضات عسيرة خاصة وأن منطق الغنيمة والمحاصصة هو الطاغي على التعيينات في هذا الإطار.
كما يتوقع البعض أن ينسحب حزب آفاق تونس من الإئتلاف الحكومي لينضم إلى المعارضة وهو ما سيجعل تونس تدار من قبل ترويكا جديدة متمثلة في حركة نداء تونس وحركة النهضة والاتحاد الوطني الحر. كما أن حركة النهضة قد تنال مزيدا من الحقائب في هذه الحكومة وهي التي لم تمنح سوى حقيبة غير سيادية ووزارة دولة في وقت سابق رغم حصولها على المركز الثاني في الانتخابات الأخيرة.