مخاطر التحول عن الثابت المرجعي المؤسس للمجتمع والدولة في الجزائر

حجم الخط
0

كثيرون هم من يتساءلون اليوم عن سبب كل هذا السجال والجدال الحاصلين في الجزائر حول قانون المالية لسنة 2016، الذي لم يرق إليه مثيل من سجالات السياسة والاقتصاد، بما في ذلك القانون الأعلى للبلاد أي الدستور، الذي لم تر نسخته المعدلة النور بعد.
وهذا مذ تم الإعلان عن الشروع فيها قبل نحو أربع سنوات، بل حتى قانون المصالحة الوطنية الذي مس ونص وبت في ملف أعوص قضايا الجزائر المستقلة ونعني بها فترة المأساة الوطنية أو الحرب الأهلية التي عرفتها الجزائر في العشرية السوداء نهاية القرن الماضي، والتي أودت بمئات الآلاف من أرواح الجزائريين، والآلاف من المفقودين، لم يبلغ مستوى عشر الاهتمام الذي حازه قانون المالية، فما الذي تضمنه هذا القانون حتى يتمحور في مجال اهتمامات النخب الفكرية والسياسة المعارضة منها والموالية؟ وما خلفية كل من المعسكرين المدافع والمضاد لهذا القانون؟
حسب عضو مجلس الأمة، المحامية زهرة ظريف زوجة أحد قادة الثورة ورئيس البرلمان السابق رابح بيطاط، فإن قانون المالية لسنة 2016 هو غير دستوري بالمرة، ويتعارض في جل بنوده مع الأسس التي انبنت عليها الدولة والمجتمع الجزائريين، كلام مثل هذا يقودنا إلى مساءلة ميدانية لواقع سير مؤسسات الدولة كيف تُسير؟ ووفق أي مرجعية قانونية وسياسية يتم تسييرها؟ وأي رقابة تحرص على ضبط شاكلة ذلك التسيير؟
جملة من الأسئلة يختلط فيها السياسي بالقانوني وفق تدافع مصلحي لا يمكن العثور له على مثيل في العالم اليوم، لكن علامة الاستفهام التي يكمن رصدها من تصريحات زهرة ظريف الخطيرة، هي لماذا تم سن هذا القانون الذي يقلب المجتمع والدولة معا رأسا على عقب، ويرمي بهما في أتون الليبرالية المتوحشة بضربة قاصمة وبدون انتظار أن تخرج النسخة المعدلة للدستور؟
في الحقيقة هذا بيت القصيد، ومكمن العُقدة في الإشكال القانوني والسياسي الذي فجره قانون المالية لسنة 2016 أي أنه كشف عن سعي لتسديد الضربة الاستباقية لإعادة صياغة المجتمع والدولة عمليا وفق منطق الواقع المفروض، في ظل الانهيار الذي حدث داخل بيت السلطة بين (معارضة السلطة) والموالاة، أين اختلت توازناتها الهجينة واشتم يسارها رائحة الاوليغارشية تنبعث من قانون المالية، وبرزت بصمته الإجرامية على مستقبل البلاد واقتصادها معا، كما تحرص على الإشارة إليه لويزة حنون، ما جعلها تصرح بأن وزراء في الحكومة هم عملاء للأولغارشية الجزائرية التابعة لمؤسسات أجنبية.
لكن صرفا للنظر، عن البعد السجالي والجدلي الحاصل بخصوص لا دستورية قانون المالية لسنة 2016 ووقوف الأوليغارشة الجديدة في الجزائر خلفه، هو أنه عرى وبشكل سافر مشروع الردة الفوقية عن المبادئ المؤسسة للدولة والمجتمع، التي ظلت المرجعية الخطابية لمكونات وقادة الحركة الوطنية وللفاعل السياسي بكل توجهاته، والتي على قاعدتها تأسس الوعي بالوجود الوطني، الذي مكن فيما بعد من تفجير الثورة ومن ثم تحرير البلاد، بل إن التناقضات التي حدثت عقب الاستقلال، كانت بسبب السعي المبكر والمتواصل للردة على جزء من هذه المرجعية اتهم بها كل طرف الآخر، وإلا فإن الكل ظل على مستوى الخطاب على الأقل متشبثا بتلك المرجعية التي تكتسي حالة الثابت غير القبل للتحول.
أولى المرجعيات المصلوبة ذات البعد الثابت في الضمير الوطني، هي القيادة الجماعية، التي كانت مقدسة بحسب ما تناقلته مصادر تاريخ الحركة الوطنية لدى كل الأطراف، إلى حد أن تم من أجل الحفاظ عليها العصف بكاريزما الوطنية التي لقب صاحبها مصالي الحاج بأب الوطنية، ورميه في غياهب النسيان مردوما وإلى الأبد بخطاب الخيانة، ليلحقه آخرون.
بقدوم بوتفليقة للرئاسة سنة 1999 وفي ظل القطيعة التي حصلت في وعي الناس بما حفل التاريخ الوطني من أزمات، لا سيما مرحلة التأسيس للدولة والمجتمع بالجزائر، كانت هي في الحقيقة مصدر الأزمة الراهنة، لكونها مثلت حالة تمرد وردة عن أولى المرجعيات الثابتة وهي القيادة الجماعية ، بمفهومها المؤسساتي، تشبث الجميع بهذا السياسي المسؤول السابق عن الدبلوماسية بحسبانه عينة عن جيل ذهبي في السياسة بالجزائر، الذي أرسى الاستقرار ومعالم النهضة الاقتصادية الاشتراكية. ثاني أكبر المرجعيات الثابتة في الوعي الوطني التي أسست الدولة والمجتمع الجزائري هو الطابع الاجتماعي للبلد، وهنا ينبغي الاشارة إلى أن مفهوم «الاجتماع» لا يعني البعد الايديولوجي القائم على النزعة اليسارية مطلقا، بل المسألة تنحصر في البعد التكاملي المجتمعي، بمعنى أن الإرث الاجتماعي الذي تداعى عن حقب طويلة من الحرمان والإفقار والتجهيل الذي مس كل شرائح المجتمع بدون استثناء، كان ينبغي أن يتقاسم معركته وحسابه وأفاق جهد تجاوزه وبشكل دائم المجتمع الجزائري، الوريث الأوحد لمقدراته الطبيعية وغير الطبيعية على أرضه.
لكن وعلى عجل مناف لطبيعة التصور التطور، برز بورجوازيون بدون خلفية سوسيو ثقافية بورجوازية، أسسوا على مراحل ثروات من أموال الشعب، بالتنسيق مع رجال السلطة، من خلال افتكاك قروض خيالية من بنوك عمومية وصاروا مع توالي السنوات يزحفون باتجاه السياسة، يديرون شؤون الأحزاب، يقلبون قيادتها يرشحون للمجالس النيابية أتباعهم إلى أن انتهوا إلى البروز كقوة سياسية مالية بوسعها ابتلاع الدولة والمجتمع معا، واستافق المواطن على فاتورة ثقيلة لمعركة التعددية الموؤدة، إذ بعد أن كان يظنها تعددية أفكار ومشاريع وجدها تعددية احتكارية مالية صرفة تتصارع على خيراته مقدراته، فالذين تساءلوا متهكمين عشية التجول إلى التعددية السياسية بعد أحداث أكتوبر 1988، حين برزت أكثر من ستين تشكيلة وحزب سياسيين، نسوا اليوم فلربما أن يتساءلوا عن كيفية بروز المئات من المليارديرات في فترة الموت والإرهاب الأعمى الذي كان يضرب البلد.
من هنا يتضح أن التحويل القسري الحاصل وفق بوصلة عبثية وغير مضبوطة بالمرة للدولة والمجتمع بالجزائر حاليا في ظل حالة الضمور الدستوري، إذ لا نسخته المعدلة الموعودة مذ تفجر الربيع العربي ظهرت ولا القديمة حكمت، يؤكد أن مخاطر بادرة قانون المالية هي ابعد بكثير من كونها تتضمن تلاعبا بالصلاحيات، وإعطاء لامتيازات استثمارية للأوليغارشية، مما يعزز دورها وهيمنتها على مقدرات البلاد، مع عدم التقليل من مخاطر كهذه، بل إن الأمر ليتعداه حين يغدو مسا بطبيعة المبنى والمنشأ الذي انوجدت على قواعده الدولة الجزائرية وهو البعد الاجتماعي، كما يؤكد هذا التحويل القسري أن السياسة في أوسع مفاهيمها وأبعادها لم تعد متاحة مجتمعيا، مثلما لم يعد البعد الاجتماعي في مقصده التشاركي مشروعا وطنيا، وعليه يبرز المجتمع سائرا نحو فضاء من الفراغات الكبرى، على صعيد الخطاب السياسي كما الممارسة، التي لا يمكن أن تسدها إجراءات تنظيمية ولا ردعية طالما أنها تفتقر لاستراتيجية تنموية قوية وصحيحة مستندة على معطيات قبول نخبوي ووعي قاعدي بالأهداف المحددة للسياسة العامة.

٭ كاتب صحافي جزائري

بشير عمري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية