أعرف المطربة اللبنانية فيروز مثل كلّ أبناء جيلي، تعرفت إلى صوتها، قبل صورتها، في الصباحات الندية القديمة التي كان المذياع فيها يصدح معلناً عن بدء يوم جديد، وقد جاءتني فكرة الكتابة عنها، عندما كنت في الطريق إلى عملي مصحوباً بصوتها ـ كعادة الكثيرين منكم ـ وإذ راح صوتها ينشج: «ضاع شادي».. أحسست ـ أنا المسكون بوجع بلاد مسروقة وبلاد محروقة ـ أن «شادي» لم يكن طفلاً فقط، بل حكاية وطن تطحنه الحرب وتسرق منه براءة وطنيته ونقاء عروبته وغنى تنوّعه الديني.
تبقى أغنية «شادي» بالنسبة لي الأكثر روعة، لأنها الأكثر إثارة لكوامن الألم؛ إذ اكتشف بعد عقود أن هذه الأغنية لم تكن تتحدث عن الحرب الأهلية اللبنانية، بل عن الحرب الطاحنة التي تدور رحاها الآن، وقد ذهب ربيعها العربي بالعرب مذاهب تُفرح أعداءهم، إذ انتشر القتل، وصرنا جميعاً نبحث عن شادي الذي لعبنا معه في طفولتنا، وركضنا معاً على الثلج، فلا نجد غير الخراب:
علقت ع طراف الوادي شادي راح يتفرج
خفت وصرت أنده لو وينك رايح يا شادي
أنده لو وما يسمعني ويبعد يبعد بالوادي
من يومتها ما عدت شفته.. ضاع شادي
غير أن كل هذا الحزن الذي يحتل قلوبنا يرفض أن يفرّخ يأساً في القلوب، فالأمل في السلم الأهلي ما يزال موجوداً، ذلك أن الذاكرة حية لا تنسى ذلك الطفل الصغير الذي لا يكبر بمرور الأيام، لأنه يجسّد كل جميل وإنساني:
وأنا صرت إكبر
وشادي بعدو صغير
عم يلعب ع التلج..
* * *
ولم تكن موسيقى الأغنيات، على الرغم من جمالها، أكثر ما يجذبني إلى ما قدمته فيروز، بل اختيار الكلمات التي تنفتح على الفصيح والعامي، والقديم والحديث، في سيمفونية خالدة متواصلة.. تسمعها تصدح لعنترة، فتتعجب من رقة هذا الفارس الأسود، وتغني معه ومعها: «لو كان قلبي معي ما اخترت غيركمُ»، وتردد شعر أبي نواس «حامل الهَوى تعِبُ»، وتأخذك إلى الحصري القيراوني، فتنشد «يا ليل الصبّ متى غده»، وتقفز بك عبر القرون إلى ما أنجزه المحدثون، فتسمع لجبران وأحمد شوقي وبدوي الجبل، وأبي سلمى، وترقص على إيقاع قصيدة الأخطل: «يا عاقد الحاجبين»، فإذا خرجَتْ من الفصحى إلى العامية استعانت بالرحابنة، وبشعراء آخرين، فقدمت أغنيات يأسرك فيها اللحن والصوت والكلمة، فتنشد ثملاً بها لطلال حيدر «وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان».
اختارت الأغنية الفيروزية كلماتها من منجم لا ينفد، حين نوّعت خياراتها، ولم تقف عند حدود اللون الواحد، وحين لم ترتبط بعصر أدبي محدد، تذهب إلى عصر أدبي فتختار أرق قصائده، وتختار من القصائد أرق أبياتها، ويمكن هنا أن نتذكر خالدة القيراوني التي نختار منها هذين البيتين اللذين نقلتهما فيروز من أملاك الخاصة المثقفة إلى جمهور المستمعين:
يا مَنْ جَحَدَتْ عَيْناهُ دَمي .. وعلى خَدَّيْهِ تَوَرُّدُهُ
خَدّاكَ قدِ اعْتَرَفا بِدَمي .. فَعَلامَ جُفونُكَ تَجْحَدُهُ
وإذ تنتقل إلى نزار قباني تختار له من الكلمات ما ينتمي إلى ما يسمونه السهل الممتنع: كلمات بسيطة راقصة، تلامس شغاف القلب:
لا تسألوني ما اسمه حبيبي
أخشى عليكم ضوعة الطيوبِ
والله لو بحت بأي حرفٍ
تكدّس الليلك في الدروبِ
وتحلّق الكلمات الفيروزية بنا، لو دققنا النظر فيها، في سموات الخيال، فتعتمد على التشخيص والتصوير، وتنفخ الحياة في جسد الجمادات، فتغني: «قالت لي المراية.. تغيرتي عليي.. كبرتي متل الحكاية.. وشفناكي صبية». أما إذا راحت تبحث عن شخصياتها فتجدها في العامل والبنّاء والزارع والراعي، وكل أولئك الذين يعيشون على أطراف المجتمع، حسب تعبير فرانك أوكونور، وتدرك من خلال رؤيتها الثاقبة أن هؤلاء هم الذين يحملون عبء الحياة على أكتافهم، فتغني لبائعة مغازل الصوف في أغنية «يا رايح ع كفر حالا»، وتصدح في أغنية أخرى:»الله يديّمك يا فلاح.. يا باني هالدار.. وانشالله تضلك مرتاح.. وتحرس هالأشجار».
وتنتقل الأغنية الفيروزية من البائعة إلى الفلاح إلى الراعية، فتركّب صوراً شعرية جميلة من شعاع يرقص، ونسيمات تسرع، وأنشودة تتلوها الغابات.
* * *
غير أن من الإجحاف بحق فيروز وأغنيتها أن يتخيل المرء أنها كانت مشغولة فقط ببيئتها المحلية: الغرفة ودرج الورد والعليّة، لأنّ هذه المفردات المكانية الخاصة المعبرة كانت منطلقاً لأغنية تسع لبنان والوطن العربي والكون كلّه، فنتذكر أغنياتها عن بيروت وبعلبك، وعن تراب الجنوب، ويقرع صوتها القوي آذاننا وهو يهتف «بحبك يا لبنان».
وقد استأثرت فلسطين بحصة كبيرة من الأغاني الفيروزية، فحضرت القضية والشعب والبعد السياسي والإنساني والروحي للمأساة الفلسطينية، وغنّت فيروز لشوارع القدس العتيقة، وأنشدت رائعة نزار قباني عن مدينة القدس، وخاطبتها بقولها: «عيوننا إليك ترحل كل يوم»، ولم تنس يافا، وصدحت لبيسان بأنشودة تقطر رقة وعذوبة:
كانت لنا من زمانْ
بيارةٌ جميلة وضيعة ظليلة
ينام في أفيائها نيسانْ
ضيعتنا كان اسمها بيسانْ
ولا تفقد الأغنية الفيروزية أمل الرجوع، وتبقى «أجراس العودة» تقرع في أغانيها، وتبقى قصيدة هارون هاشم رشيد «سنرجع يوماً إلى حيّنا».. حية في الوجدان، فيما تأخذ سورية حصتها من أغنيات فيروز، من نصوص سعيد عقل والأخطل وغيرهما، مثلها في ذلك مثل الأردن وبغداد والكويت والإمارات ومصر والمغرب، وتنشد لمكة قصيدة الفيض الوجداني: «غنيت مكة أهلها الصيدا».
هكذا كانت فيروز للجميع، لا يستأثر بها بلد دون آخر، أو شعب دون آخر.. حضر العرب في كلماتها، وكانوا مداد أغنياتها؛ لذلك بقيت خالدة في قلوب عشاق الكلمة الرقيقة والموسيقى الخالدة..
* * *
وإذا كانت خيارات الأغنية الفيروزية تمتد في الجغرافية من الأقرب إلى الأبعد، فإنها تمتد في الزمن من الحاضر نحو العميق الموغل في الذكرى؛ إذ يبدو الماضي مكوناً أساسياً، ويغدو الزمن عشباً متروكاً فوق الجدران، وتغدو الشخصية منعزلة عن حاضرها، وحيدة في ظلال ماض متخيّل. في قصيدة «وحدن» لطلال حيدر، يسترجع صوت فيروز جزءاً من الماضي، ويناجيه مناجاة عذبة:
يا زمانْ
يا عشب داشر فوق هالحيطانْ
ضويت ورد الليل عكتابي
برج الحمام مسور وعالي
هج الحمام بقيت لحالي
ولعل القارئ العزيز يتذكر أغنية «كان الزمان»، إذ تبدأ حيث «يبقى حنا السكران قاعد خلف الدكان/ يغني وتحزن بنت الجيران» وتنتهي حيث «انهدت الدكان واتعمر بيت جديد/ وبعدو حنا السكران على حيطان النسيان/ عم بيصور بنت الجيران».. فـ»حنا السكران» كان الغائب الحاضر، أو الماضي المتجدد.
من هنا تستحث الأغنية الفيروزية دائماً صورة الزمن الهارب، وتطلب منه أن يبقى، بما يثيره من كوامن الذكريات الحاضرة في الصوت الملائكي، وتغني فيروز «فايق عليّ» و«فايق يا هوى» و«فايق وإلا ناسي» وتخاطب طائرة مصنوعة من الورق
والخيطان، طالبة منها أن تعيد إليها طفولتها الهاربة، وهكذا..
* * *
وتحتل الحكاية جزءاً مهماً جداً في الأغنية الفيروزية، ولا نقصد هنا المسرحية بشكل خاص «إذ من المألوف أن تحتوي حكاية ما»، بل الأغنية الحكائية التي رافقت تلك الأغنية منذ البدء، بوصف الحكاية مدخلاً من مداخل الولوج إلى أعماق النفس البشرية.
وأشير تمثيلاً إلى أغنية حفرت عميقاً في ذاكرتي، حملت عنوان «بكتب اسمك يا حبيبي»، معتمدة على حكاية البنت التي تبحث عن استقرار الحب وثباته، وتربطه بكل ثابت، وعلى حكاية الشاب الذي يتفلّت من انضباط الحب، ويربطه بكل ما من شأنه أن يقوده إلى العدم، وشتان بين من يكتب اسم حبيبه على جذوع الحور، ومن يكتبه على الرمال، وشتان بين من يحكي عن حبه لنبع الماء الصامت، ومن يحكي عن حبه للناس الذين يذكرونه في سهراتهم:
بكتب اسمك يا حبيبي عالحور العتيق
تكتب اسمي يا حبيبي عرمل الطريق
بكرا بتشتي الدنيي عالقصص المجرحه
بيبقى اسمك يا حبيبي و اسمي بينمحى
أخيراً لا بد لنا من التأكيد أن جميع الحكايات والأغنيات الفيروزية كانت تدعو للوحدة والسلام والحق والنقاء والخير والجمال، وكل القيم التي ترقى بالإنسان، الذي يكتمل وجوده بقدرته على التضحية في سبيل تحقيق هذه القيم.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
يوسف حطيني