وقت كتابة هذه السطور، تستعد فرنسا لخوض غمار جولة الإعادة في ما يسمّى انتخابات المناطق.
وفي هذا السياق، الذي لا يمكن إلا أن يتقاطع في الذهنية العامة مع اعتداءات باريس اوائل الشهر الماضي، تروج مخاوف من تفشي ثقافة استهداف المهاجرين، ومن ينحدر في أصوله من دول الهجرة التقليدية إلى فرنسا، دول شمال أفريقيا تحديدا، ومن يدين بالإسلام بشكل خاص.
أما هذا الواقع الذي لا يسع أحد إنكاره، فيجب التمييز فيه بين مستويين أساسيين، مستوى العاطفة ومستوى التحليل. ويمكن ربط حقيقة عليها إجماع أيضا، خطورة الوضع، بالجانبين المذكورين للوقــوف عند حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهو أن الخطورة على درجات.
مخاوف استهداف متزايد لفئة من المجتمع الفرنسي مشروعة لا غبار عليها. لكن مهمتنا كإعلاميين ليس التوقف عند حد وصف المشهد، بدون محاولة إعطاء بعض العناصر للتفسير وربما رسم ملامح طريق بديل.
تعيش فرنسا حاليا جوا محتقنا وترته اعتداءات باريس الأخيرة. وكما هو معروف في مثل هذه الحالات، يعود التوظيف السياسوي ليدغدغ غرائز الناخبين وينجح، مع الأسف، في هذا الأداء الذي لا يرقّي المجتمعات. لكن فرنسا أيضا حمالة تاريخ نضالي عريق جعلها تضع قيم الحرية والانفتاح فوق كل اعتبار، وظلت إلى الآن تحافظ رغم الآلام والصعوبات والتساؤلات على زخم تاريخها. الموضوع اجتماعي. صحيح. غياب المراجع الثقافية والأخلاقية تفعل فعلها، هذا صحيح أيضا، لكن عاملا آخر يطرح نفسه وهو الذي ينبغي أن يخدم الاستفاقة، الجمهورية التي يستدعيها المنطق، لا أقل ولا أكثر. هذا العامل هو الاقتصاد، عصب أي نظام حكم في أي دولة حديثة.
وفي المجال الاقتصادي برنامج الجبهة الوطنية قابل للتبكيت – كما كان يقول قدامى الفلاسفة.
الجبهة الوطنية الفرنسية تدعو للعودة إلى الفرنك الفرنسي: بذلك تتوقع الجبهة تقوية العملة الوطنية، مدعية أن دخول فرنسا في مرحلة «سيادة مطلقة» سيسمح لها بخلق مناصب شغل جديدة عن طريق تخفيض قيمة الفرنك الفرنسي، ولكن الأمر يستدعي خروجا أحاديا من الاتحاد الأوروبي، لا تريده الجبهة مادام لديها نواب في البرلمان الأوروبي. ناهيك عن انعكاس تدني قيمة العملة الفرنسية في هذه الحالة بما يوقع البلد خارج دائرة المنافسة تماما.
الجبهة الوطنية تريد إرغام بنك فرنسا التابع للقطاع العام على تقديم القروض للبلد بدون فوائد: هكذا تتصور الجبهة أن تسديد الديون يصبح وقتئذ أيسر. أما المخطط التقني القائم على تسهيل التحويلات المالية إلى البلدان، بتفادي الاستدانة من البنوك الدولية الخاصة، مما يستدعي دفع أسعار مرتفعة، فليس جديدا مادام البنك المركزي الأوروبي يؤدي عين الدور الذي كانت تؤديه البنوك المركزية التابعة للقطاع العام الفرنسي، مثل بنك فرنسا سابقا. أليست هذه الأخيرة تشتري ديون الدولة بسعر فائدة يشارف صفرا؟ ثم أليست الدول تستغل الوضع حينها لمزيد من الاقتراض لا لتخفيض الإنفاق؟
تدعي الجبهة الوطنـــية الفرنسية أنها ستجعل من الأمــــوال التي تجنـــيها الدولة من مكافحة تهريب الضرائب أداة «لرفـــع قيمــــة ميزانية العـــــدل» و«تعــــزيز عدد أفراد قوات الأمن» و«تحسين الوصول إلى العــلاج» و«إعادة تقييم صناديق إعانة الأســـر والمتقاعدين»، لكنها لم تبرمج كلفة هذه المقترحات على مستوى ميزانية الدولة ما دامت «مكافحة تهريب الضرائب» من الإيرادات المتوقعة! فهي لا تمت إلى التوقعات الوحيدة الممكنة شرعا، وهي تلك المبنية على ميزانية الدولة.
الجبهة الوطنية الفرنسية تزعم أنها تستطيع رفع قيمة الأجور المنخفضة إلى 200 يورو، بفرض رسوم على الواردات. أما فرض رسوم على الواردات فلا يعني سوى خرق لاتفاقية روما المؤسسة للاتحاد الأوروبي عام1957، وفضلا عن انتهاك القانون الأوروبي الذي ينطوي عليه مثل هذا الاقتراح، فهذا يعني أيضا تحطيما نهائيا لكل نزاهة في المنافسة، لأن الأبواب ستصبح مفتوحة حينئذ أمام «حرب رسوم» ضروس ينقل المنافسة من وضع الأكثر نزاهة إلى الأكثر اختناقا.
الجبهة الوطنية الفرنسية تدعي أنها قادرة على تخفيض سن التقاعد إلى 60 عاما… ولكنها لا تفصح في برنامجها عن الطريقة التي ستعتمدها لتمويل هذه المغادرة المغرية وغير الواقعية في آن.. لكن من السهل التكهن بطريقة التمويل التي كانت ستتبع لو نفذت… فهي مبنية على خلق شريحة جديدة من الاشتراكات على التقاعد تنضاف إلى تلك الموجودة أصلا، والتي نوضل من أجل تخفيضها… بتمديد سن المغادرة.
الخطير، أولا، وفضلا عن كل الأسباب المذكورة والمعروفة المألوفة، أن يصل إلى سدة الحكم من لا فكرة له – ولو مبدئية – عن أصول الحكم، لكن الداعي للتفاؤل أيضا أن الاستفاقة الجمهورية لا زالت ممكنة، لكن بشرط أن يصبح دق ناقوس الخطر واجبا وطنيا في وقت الانتخابات، وكذلك في غيره…
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون