كلنا مصابون به.. إلا من رحم ربك.
هو حوَل لا يجعلك ترى إلا ما تحب أن تراه ولن تقتنع إلا بما أنت به مقتنع سلفا. تقبل بهذا الأمر وتستحسنه ثم تستهجنه إن أتى به غيرك، تصرخ وتولول وتعيبه على الآخرين ثم تقبله على نفسك دون أن يرف لك جفن.
هو حوَل أصبنا به مع بداية الثورات العربية في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات في تونس. بدأ معنا من هناك ولم نشف منه بعد، توقف لدى البعض عند الحول الخفيف لكنه وصل إلى بعضنا الآخر إلى حد يقارب العمى. ما هو آت ليس سوى بعض مظاهر الحوَل هذا، بعضه فقط لأن القائمة طويلة، ولأن الأمر يعود ربما في جزء منه أيضا إلى ذات الحوَل الذي لم يسلم منه، بشكل أو بآخر، حتى صاحب المقال نفسه:
هلل منا كثيرون لثورة تونس.. فمصر.. فليبيا.. فلما جاء الدور على سوريا صرخوا مؤامرة على نظام الممانعة!! استمتعوا بالاطاحة ببن علي ومبارك والقذافي لكنهم لم يروا بالمرة أن الأسد ينطبق عليه ما ينطبق عليهم؟!!
هؤلاء الذين «فرملوا» اندفاعتهم عندما وصلت عربة التغيير إلى دمشق أرادوا من غيرهم أن يضغطوا دواسة البنزين إلى الآخر عندما اقتربت ذات العربة من المنامة!! هنا رجموا غيرهم بخذلان المنتفضين في البحرين، وقد سقط منهم عشرات، ولم يروا في خذلانهم آلاف السوريين ما يؤرق ضميرهم قليلا أو كثيرا؟!!
البعض لطم لتدخل الحلف الأطلسي في ليبيا للإطاحة بالقذافي وكذلك فعل لتدخل السعودية في اليمن.. ولكنه في غاية الانشراح لتدخل الروس في سوريا. سيقولون ما تم في سوريا طلبه النظام ولم يكن عنوة، طيب وهذا ما حصل في اليمن بالضبط.. فلماذا هو حرام هنا، وحلال هناك؟؟!!
لماذا يا ترى يصرخ بعضنا لسقوط المدنيين الأبرياء في ليبيا بغارات طائرات مصرية ذات مرة، أو في سوريا يوميا بطائرات النظام أو الروس ولا يفعل الشيء ذاته في اليمن بغارات التحالف العربي؟!! وفي المقابل لماذا يحزن البعض الآخر لسقوط كثير من هؤلاء في اليمن حتى إذا جاء الأمر إلى سوريا قست قلوبهم وبلعوا ألسنتهم؟؟!!
لماذا يرى البعض في قدوم مقاتلين من تونس والمغرب والخليج وأوروبا للالتحاق بصفوف الجماعات المسلحة المعارضة أم المصائب ولا يرى ذلك في قدوم مقاتلي حزب الله ومليشيات طائفية من العراق وباكستان وأفغانستان لدعم النظام، أو لا يرى فيه ما يستدعي بعض القلق على الأقل أو الاستهجان؟؟!!
لماذا لا يتذكر البعض سيادة العراق وحرمة أراضيه إلا عندما يتعلق الأمر بتركيا في حين يرى أن لإيران الحق في أن تصول وتجول في بلاد الرافدين كما يحلو لها؟!! والعكس صحيح أيضا.. فمن يثير الجلبة عن إيران من قبل يسعى للتبرير الآن لتركيا أو السكوت عما تفعله، من حيث المبدأ على الأقل، طالما أن الفروق بين التدخلين كثيرة؟!!
لماذا يعيب البعض على هذا النظام العربي أو ذاك، وخاصة في دول الخليج، بأنه غير ديمقراطي بل ومتخلف، ويعتقد أن نظاما كنظام الأسد نظام جدير بكل احترام ومؤازرة ولا يرى في استبداده ما يستحق الإدانة، أقله بنفس مستوى إدانة دول الخليج التي وإن لم تكن واحة ديمقراطية إلا أنها لم تسفك دماء شعبها كما يفعل حاكم دمشق ؟!!
لماذا لا يجيد بعض الضيوف في برامج التلفزيونات، ممن يوصفون بالخبراء والمحللين، سوى حشر أسماء قطر والسعودية وتركيا في كل كبيرة وصغيرة بشكل يكاد يكون مبرمجا تلقائيا، لكنك لن تسمعه أبدا يذكر بلدا آخر غيرها، وكأن لا أحد سواها معني بما يجري في ليبيا أو مصر أو تونس مثلا. وفي المقابل سنعثر على من يورد في حديثه كل دول العالم في هذا السياق عدا هاته الدول؟!!.
لماذا نتحدث عن الديمقراطية ونتغزل بجدارة العرب بحياة ديمقراطية تنهي عقودا من اغتصاب إرادة الناس ثم نطرب لانقلاب مصر، حتى وإن كنا مختلفين مع الرئيس مرسي وجماعته، ثم نتحمس لسعي خليفة حفتر لانقلاب لم يكن قادرا على إتمامه، حتى وإن كان يحارب جماعات ليس فيها ما يمكن أن يثير أي إعجاب؟!!
كل هذا الحوَل وغيره كثير… ونحن لا نتحدث سوى عن شجون بيتنا العربي الداخلي، أما إذا ولينا نظرنا شطر إسرائيل أو الدول الغربية فسيزداد هذا الحول حدة، كأن يصرخ البعض منددا بما يقترفه نتنياهو في الفلسطينيين ولا يستهول ما يفعله بشار في قومه؟! أو يندد بتصرف بعض الدول الغربية تجاه اللاجئين السوريين ودولته لا تفتح في وجوههم لا بابا ولا شباكا؟!!
هل من مجال لتصحيح هذا الحول أو التخفيف بعملية ليزر أو غيرها؟! من الصعب ذلك فالكل واع بين وبين نفسه بهذا الحول… لكنه مسرور به!!
٭ كاتب وإعلامي تونسي
محمد كريشان