أنا أبوهم وأنا الذي أنجبتهم وربّيتهم أحسن تربية حتّى صاروا على ما هم عليه الآن، فلماذا لا يردّون إليّ بعض فضلٍ؟ ولماذا لا يأتون لزيارتي كما يفعل الأبناء مع آبائهم المرضى وكما كنتُ أقرأ في الروايات وأشاهد في الأفلام؟
خذوا دفتراً وقلماً وسجّلوا ما سأقوله لكم. فمحمود، ابني الأكبر، أنا الذي بعتُ قطعة أرض فلاحيّة ورثتها عن أبي وفتحتُ له مكتب المحاماة في شارع الزهور، كنتُ أحمله في ذراعي فيتبول على سترتي الرياضية فأقول اصبر يا رجل، سيكبر الصبيّ ويصير البول عطراً. وها هو ابني يغلق الهاتف في وجهي بكلّ صفاقة كما لو أنّني مجنون أو مجرم حرب .
أما نزار، العنقود الأخير، فأحببته أكثر من أيّ مخلوقٍ آخر، ورافقته مثل ظلّ في جميع مراحله الدراسية، إلى أن حصل على شهادة جامعية بمشقّة الأنفس ومشقتي أنفاسي بالتحديد، ودفعتُ رشوةً إلى أحدهم وأوجدتُ له وظيفة في مركز البريد. وهذا أقصى ما يمكن أن يفعله أبٌ مع ابنٍ متهور يظهر في البيت يوما واحداُ أو يومين ويختفي أسبوعاُ وأكثر. لكن أين هو ابني نزار الآن؟
وبين محمود ونزار خرجت سلمى من بطن أمّها ذات صيفٍ مثل جملةٍ اعتراضية، وصبرتُ على سنوات مراهقتها التي لم تكن سهلة، كنتُ أضع القطن في أذني كلّما وصلتني عنها أخبار سيئة. لم أكن أضربها بالحزام العسكري كما كانت تفعل أمّها معها، بل تعاطفتُ مع أفكارها الغربية، فمرّة أنا علماني أكثر من العلمانيين ومرّة أنا صديق كارل ماركس بلحية مبعثرة وشحوب في العينين. ومرّات ومرّات أنا بوهيمي وابن شوارع وأزقة وعاشق تبغ ونساءٍ. هكذا كانت تسير الأمور مع سلمى إلى أن تخرّجت في الجامعة هي الأخرى، وصارت مدرّسة لغة إنكليزية في إحدى الثانويات. ولم أعد أراها منذ أن جاءت قبل عامين وعنّفتني بكلماتٍ سريعة، وبصقت في اتجاهي، واختفت كبطلة فيلم أدّت دورها على أحسن وجهٍ.
أمّا المرأة التي أنجبت محمود وسلمى ونزار فهي زوجتي العزيزة التي اختارتها لي أمّي من إحدى القرى البعيدة وتزوّجنا في عرسٍ بهيجٍ حضره الأهل والأصدقاء طوال ثلاثة أيام على عادة جميع الأمازيغ. علّمتها كيف تشغّل التلفاز وتستعمل آلات الطبخ الكهربائية، من دون أن تقع كوارث طبيعية في البيت. كنتُ أرسم خطا بالطبشور على الأرض وأطلب منها أن تمشي فوقه مرّات عديدة، ثم أمسح الخط المستقيم وأرسم آخر ملتو مثل ثعبان وأعطيها الانطلاقة لتتعلّم المشي وسط الزحام، من دون أن تدهسَ المارة بجثتها الثخينة. وغيّرت مكان السرير منذ الأسبوع الأول وجعلته قرب الحائط كي لا تتدحرج وتسقط إلى الأسفل كجلمود صخرٍ في قصيدة امرئ القيس. كانت متعوّدة على النوم فوق الحصير. وها هي بدورها تغيّر من عاداتي القديمة وتحرمني من القهوة في الصباح ومن الشاي في المساء. جردّتني من ساعتي اليدوية ومن المذياع العتيق الذي ورثته عن أبي. والأنكى أنّها تستقبل عشيقها في الغرفة المجاورة وترفع صوت التلفاز كي لا أسمع القهقهات. لماذا تنكّل بي هكذا؟ فهذا البيت بيتي، أنا الذي سدّدت أقساط السلف البنكي طوال خمسة عشر عاماً. وهذه الأغراض أغراضي. وهذه الطاولة التي تشرب فوقها أفراح السبت أنا الذي دفعتُ ثمنها لنجّار الضاحية على دفعتين.
والجيران؟ لا أفهم ماذا يقولون عنّي هذه الأيام، لا شكّ أنّهم يتغامزون عليّ من النوافذ والسطوح ويذكرون سيرتي غير العطرة في مجالسهم ويضيفون حركات بذيئة لتوضيح الفكرة. فليكن ذلك. لكن لماذا لا يستفسرون عن أحوال جارهم المشلول؟ أريد واحداُ منهم يتشجّع ويشتري لي كرسيّا متحركا ويدفع بجثتي في اتجاه دار العجزة. فهناك سأجدُ من هم في سنّي وأسوأ حالاً منيّ. سأستأنس بهم ويستأنسون بي. ونتبادل التحيات بالعكاكيز والذكريات بكثير من التفاصيل تحت شجرة عالية، وكلّما دعس الموت أحدنا بأصابعه السوداء شيّعناه بأبصارنا الحسيرة وعدنا إلى تحت الشجرة بالحزن نفسه والحب نفسه. لكنّنا لن نفترق بسهولةٍ.
هذا كل ما أطلبه منكم الآن. فأنا جاركم العزيز الذي كنتُ أحضر أفراحكم وأشارككم أتراحكم. لم أتغيّب يوماً عن عرسٍ أو عقيقة ولا تكاسلتُ مرّة عن المشي في جنازة أو زيارة مريضٍ. كنت أقول لكم صباح الخير حين أهمّ خارجاً ومساء الخير حين أعود قافلا. الخير كان على أطراف لساني وفي مشيتي منذ أن سكنتُ جواركم في أواسط العشرينيات من عمري إلى أن وصلتُ إلى هذا السرير البردان والنتن.
كان من الممكن أن أموت في حرب الصحراء وأُدفن في مقبرة جماعية مثل أصدقائي الجنود الذين ماتوا في أواسط تلك الثمانينيات البعيدة، لكنّني نجوتُ عندما كان القادة يتعاملون معي كمخصيّ ويأمرونني بالبقاء في الثكنة لغسل الصحون والمراحيض وغسل ملابسهم الداخلية، لم أطلق رصاصة واحدة في معركة، ولم أقتل عدوّا في نزالٍ، كنتُ جبانا وتقاعدتُ بأعضاء كاملة وأمعاء لازالت مستعدة لطحن الحجر، وعينين صافيتين تلتقطان الذباب على مسافة بعيدة، لكنّني مشلول وجامد، وهذا ليس ذنبي يا سادة.
كاتب مغربي
حسن بولهويشات