شيء من اللغة: تقويم… لا تقييم

حجم الخط
2

إقرأ معي ولك من الله الأجر والثواب:
■ على مدير المؤسسة التقييم المستمر للموظفين.
■ يعتمد تقييم النص على قدرة الناقد المقيّم له. «بوضع شدة على الياء من المقيّم». هذا تعبير غير سليم، لأنه اعتمد على اشتقاق من كلمة تحورت عن أصلها لضرورة نطقية، فاعتبرها المخطئون أصلا واشتقوا منها التقييم والمقيّم. مما يذكرني بأحد طلابي في دولة غير عربية، حين قال لي: لا يصح أن نقول: نام ينام، بل يجب أن نقول، نام ينوم، لأنه مثل: قام يقوم. فهذا أراد أن يعمم الواو على النوم، وهؤلاء أرادوا أن يعمموا الياء على «التقويم». ولنبدأ من الجذر. فهذه الكلمة «أي التقويم» من الجذر اللغوي «ق، و، م» الدال على الثبات والرسوخ. ومنه: «القوم» وهم الجماعة. وقال أحدهم متفاخرا: إذا جعت أبغضت قوما، وإذا شبعتُ أحببت نوما.
ولا يكون القوم «قوما» ما لم تكن علاقاتهم ثابتة راسخة متوافقة. وهو المعنى الملحوظ في سائر مشتقات هذا الباب. أما «قام» فمثل الوقوف ولذلك قالوا إنه نقيض الجلوس. وتأتي «قام» بمعنى قريب من معنى «بدأ» كما قال الشاعر: «لماذا قام يشتمني لئيمٌ»؟ أي لماذا بدأ بشتمي. ومثله قوله تعالى: «وإنه لمّا قام عبد الله يدعوه»: أي انتصب للدعوة إلى الله، و»إذا قاموا فقالوا ربّنا الله» أي عزموا، «إلا ما دمت عليه قائما» أي ملازما منتصبا لاستخلاص حقك منه.. وحديث «المؤمن وقّافٌ متأنٍّ» أي لا يسرع بلهوجة وراء كل ناعق.
ومن الجذر: الإقامة في مكان معين، ولا تعني الوقوف بل السكن والاستيطان.
وتأتي، أيضا، بمعنى الثبات في مكان معين سواء كان المقيمون جالسين أم واقفين، ومن هذا في التنزيل العزيز: «وإذا أظلم عليهم قاموا» فقد أجمع أهل اللغة والتفسير أنه أراد وقفوا وثبتوا في مكانهم غير متقدمين ولا متأخرين بسبب الظلام المحيط بهم.
أصل جميع هذه الاشتقاقات الجذر «ق، و، م» فمن أين جاء الياء كي يقال «تقييم»؟
ثمة كلمة «قيمة» كما في الحديث «قيمة كل امرئ ما يحسنه» وكما تقول: قيمة هذه البضاعة بكذا من الدراهم والدنانير. ومن العرب من يقول: استقمت المتاع، أي: قوّمته بكذا درهم أو دينار. وكأنك وفيته حقه. وتقاوموه فيما بينهم، أي اتفقوا على قيمته. وقد قامت الناقة مئة دينار، أي بلغ ثمنها مئة دينار. ومن كلمة «القيمة» الدالة على الثمن والمنزلة اشتقوا «التقييم» وربما كانوا متأثرين بكلمة «التخييم» ولكن التخييم أصلها ياء، خيّم تخييما. ومنه الخيمة. وأما القيمة فقد تحولت الواو فيها إلى ياء لصعوبة نطق الكسرة في القاف وبعدها واو ساكنة «قِوْمَة» فيستجيب اللسان للكسرة ويحول الواو إلى ياء، فتصير «قيمة كل امرئ ما يحسنه».
وبناء على قوانين الاشتقاق اللغوي لا يصح الاشتقاق من كلمة محوّلة عن الأصل، بل الاشتقاق من الأصل نفسه. وبما أن الأصل نفسه فيه واو، فلا تنقلب ياء إلا إذا صعب النطق بالكلمة، وأي صعوبة في قولك «تقويم»؟ هذا التقويم، مأخوذ من معنى التصدي والثبات الملحوظ في الجذر. كما لو قلت: «قامت» الحرب على ساق. و»هذا قِوام الحق» أي ما يقوم به الحق. وقِوام الأمر: ما يسنده ويشدّه. وعليه يجب القول: قوّمت الشيء تقويما، وأصله أنك تقيم هذا مكان ذاك. أما «المقوّم» وهو الذي يقوّم النص، ويضعه في موضعه الملائم له، فهو بالواو أيضا لا بالياء، ومثله مثل لفظة «المِقْوَم» وهي الخشبة التي يمسكها الحراث يحرث بها الأرض، فكأن الناقد وهو «مقوّم» النص، يحرث النص حرثا، باستخراج إيجابه وسلبه.
وللأسف فإننا نرى قليلا من النقد الأدبي في عالمنا العربي، وكثيرا من «النقر» الذي يهدف إلى الإساءة للشخص قبل النص.

باحث أكاديمي عراقي ـ لندن

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية