الشاعر مكي النزال: أدب الداخل والخارج توجيه سياسي لصناعة الشرخ في الجسم العراقي

حجم الخط
1

عمان ـ «القدس العربي»: عمل الشاعر العراقي مكي النزال في مجال إغاثة اللاجئين، إلى جانب التحليل السياسي حول ما يمر به العراق من ويلات وحروب، إلا أنه لم يبتعد عن عالم الأدب، فكتب القصائد التي تتغنى بالفلوجة وعمان وقصائد الغزل، بالإضافة إلى القصة.
اليوم هو رئيس الهيئة العراقية للإغاثة ومدير موقع «كتّاب وطن» ويسعى لتأسيس دار نشر في العاصمة الأردنية عمان ـ حيث يقيم- بهدف إصلاح العلاقة بين الكاتب والناشر، لما طرأ عليها من منازعات مادية.
التقته «القدس العربي» وكان هذا الحوار..

■ شاعر وقاص ومحلل سياسي ورئيس الهيئة العراقية للإغاثة، إيهما تصف نفسك؟
□ يجب أن يجد الإنسان نفسه حيث يحتاجه الآخرون، لذلك يحضر العمل السياسي ومجال الإغاثة بشكل أكبر من غيرهما، لأن شعور المنح لا يوازيه شعور آخر. بينما اعتبر الشعر هبة من الله تحضر في ظروفها الخاصة، وفي ما يخص كتابة القصة، لديّ مجموعة قصصية ستصدر خلال ثلاثة أشهر، وهي أقرب إلى الرواية من النوع الحديث، كما أنني كنت أكتب المقال لعدد من الصحف العربية، ونلت جائزة من مؤسسة «بروجكت سنسر» للصحافة عن أفضل مقال عام 2010، إلا انني قررت مقاطعة الصحافة العربية، كونها أصبحت تعاني من الفساد والواسطة.
■ ما هو الأمر الحاضر بقوة في كتاباتك الأدبية؟
□ كتبت غزلا أكثر من السياسة، كما كتبت الكثير من المراثي للشهداء، كتبت لمدينة القدس وللفلوجة التي عشت فيها أحداث كبيرة وبقيت هناك أربع سنين بعد الاحتلال وحضرت مجزرتين وكتبت عن الحنين لبغداد. أما عن الغزل فهو فيض وجداني، إذ أنني أكتب الشعر يوميا ووصل عدد القصائد إلى ما يناهز الأربعة آلاف قصيدة، وأكثر من نصفها وجدانيات بعيدا عن السياسة والكوارث. فيما تبقى القصيدة الوطنية الأساس التي تعبر عن مجتمعها وعن موقف صاحبها ورأيه.
■ حمل الكاتب العراقي معه بعد خروجه من العراق معاناة الغربة والتهجير وظهرت جليا في كتاباته، فكيف تصنف كتاباتك الأدبية وماذا تحمل في طياتها؟
□ هنالك الكثير من الأدباء والكتاب العراقيين، منهم من بقي على خط خدمة الوطن، ولم ينجرفوا إلى ما انجرف اليه الآخرون، فالكثير منهم يكتب للوطن ويحاول إيصال صوت مظلومية الشعب العراقي. بينما انحرف العديد بسبب المال والضغوط والخوف والطمع، إذ أنهم كتبوا قصائد لشخص معين، وأصبحوا في ما بعيد يستبدلون الأسماء فيها لعدو ذاك الشخص، ولأنني لم أرض بذلك فأنا اليوم مغضوب عليه، ورغم أنني تعمدت عدم الارتباط بوزارة الثقافة وكل ما هو رسمي، وحينما كنت أنشر في الصحف العراقية، كتبت اسمي نزال العاني وليس مكي، إلا أنني حوربت كثيرا. أما في ما يخص الحروب، فأظنها نشّطت الثقافة، وفتحت المجال لإبداع الكثير ممن كتبوا عنها. ورغم أن النظام الحالي في العراق لا يساند الثقافة على الإطلاق، بل سحقها لكن المثقف الأصيل بقي ناشطا يكتب عن المعاناة والغربة.
■ كيف تصف حال الأدب العراقي اليوم؟
□ الأدب العراقي بقي واقفا على قدميه، فالكتابة متنوعة والكتاب ما زالوا ينتجون. ففي المنتدى الذي أشارك فيه يوميا برسائل شعرية، أحظى بـ200 قارئ لكل مشاركة، بينما في وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة «الفيسبوك»، يقرأ قصائدي خمسة آلاف متابع.
وفي الوقت نفسه يعاني الأدب في العالم العربي والعالم من حالة التدهور والانحلال، لأن المادية تغزو النفوس، بالإضافة إلى الظروف التي تسود اليوم سياسيا واقتصاديا، تمنع القراء من التفاعل وحضور الفعاليات الثقافية. أما عن مضمون الأدب العراقي، فالشاعر العربي عموما معروف بحب الكتابة بحزن، فنجد من الشعر ما يدمي القلب، وهو برأيي أمر طبيعي فلا بد للشعر أن يكون رصينا والكتابة بفرح لن تجعله كذلك.
■ هل تقبل مفهومي أدب الداخل والخارج؟
□ أبدا. فالداخل معاناة والخارج معاناة أخرى، وتجربة الشاعر تختلف، فمن هو بالخارج يكتب للداخل. فكتبت لعمان وأنا في الفلوجة وكتبت للفلوجة وأنا في عمان. هذه المفاهيم تعتبر توجيه سياسيين للأدب وقد فشلوا في ذلك، يصنعون شروخا قدر ما يستطيعون، فابتدعوا السنة والشيعة والأكراد والسومريين «أهل الجنوب». ولكن في حقيقة الأمر أن العلاقات أقوى من ذلك بكثير.
الموت اليوم لا يميز بين الشمال والجنوب، ففي جنوب العراق يعانون الفقر ويجبرونهم على التجنيد مقابل أموال قليلة جدا، وبما أنهم لا يعلمون شيئا عن القتال يموتون كما يموت الآلاف في الفلوجة.
■ وأين في رأيك تكمن جودة القصيدة في نواة اللغة أم بفعل الفكرة الجديدة للشاعر؟
□ اهتم جدا بالفكرة الجديدة الجاذبة والدالة على قدرة الشاعر على الإبداع، فالكثير من الشعراء وقفوا على الأطلال، إلا أن المنتج كان مختلفا لاختلاف ما يقدمونه من أفكار. ففي أحد الأبيات الشعرية أقول:
أحبها حب مسموم لترياق… ولهفتي بين لفظ المش وتاق
كما يجب على الشاعر امتلاك الأدوات اللازمة لكتابة القصيدة، فهناك شاعر كبير لا يجيد الإملاء ويخطأ في النحو كثيرا وهناك من يقول إنه شاعر ولا نجد في نصوصه الشيء الجديد، وبعضهم ينبش في التاريخ ويجد قصائد لشاعر مغمور يسرقها بالكامل أو يغير منها بعض المفردات. وهنالك الابتذال أيضا بالإغراءات والوساطات، جميعها دفعت إلى ظهور شعراء لا علاقة لهم بالشعر.
■ كيف تنظر اليوم إلى الحداثة وأعني حداثة الشعر، واستسهال كتابة قصيدة النثر من قبل الكثيرين، خاصة الأجيال الجديدة، ونادرا ما نجد شاعرا جديدا يعرف أعماق تلك القصيدة؟
□ قصيدة النثر قصيدة صعبة الكتابة، لكن كاتبها يتعذر بأنه يتحرر ويحطم الأغلال الكلاسيكية، ليقدم شيئا لا علاقة له بالأدب. لست مع تسميتها بقصيدة النثر، فهي نوع جديد من الأدب، وليست قصيدة كونها ليست موزونة أو مقفاة أو تمتاز بالتفعيلة أو مميزات الكتابة الشعرية. يمكن أن نقول عنها إنها نثر فني أو كتابة منثورة، بعضهم يظن لو أنه كتب «نقر العصفور رأس الفيل وطارت الطائرة من عمق البحر»، يعتقد أنه جاء بشيء جديد، ولكن هناك قصائد نثر بصور وأفكار جديدة وإيقاع داخل النص تميزها عن النص العادي.
■ هل ترى أن هناك نقدا عربيا وفق منهجيات عربية تأخذ بنظر الاعتبار مكونات القصيدة العربية وموروثها وبيئتها، بمعنى آخر هل استطاع النقد العربي أن يؤسس مدرسة عربية في النقد أم مازال يتعكز على نظريات النقد الأوروبي ؟
□ النقد العربي موجود قبل ظهور النقد الأوروبي، وهنالك أمثلة وقصص عديدة عنها، فحينما كان يقال الشعر في المجالس، كان النقاد يردون بـ»لو قلت كذا أجدى». إلا أن النقد العربي يواجه أزمات كبيرة وأهمها أن أغلب النقاد يحملون معاولهم يهدمون القصيدة من باب الغيرة والأحقاد الشخصية، ولذلك أؤلف كتابا بعنوان «الحاقد والناقد» حول هذا الموضوع.
قديما وقبل هجرته إلى الخارج، كان يقيم عزمي صالح مجلسا في كل أسبوع في منتدى عمون للأدب، وهو من أهم النقاد الذين يعتبرون بحرا من المعلومات واللغة، ونادرا ما نشهد مثل هذه اللقاءات. كما أن الناقد الجيد لا تسلط عليه الأضواء، كالشاعر الجيد فهما مغموران، لذلك نحن بحاجة إلى دور دراسات تعتني به لإظهار إبداعاته، ليصبح مدرسة جديدة للنقد، خاصة أن جميع من يصفون أنفسهم نقادا يتبعون المدارس الأوروبية التي لا تلائم المنتج الأدبي العربي، متناسين النظرية النقدية العربية «السهل الممتنع».

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية