محاولة للفهم.. درس من أفغانستان

حجم الخط
4

كانت كارثة أفغانستان بعـــــد نكبة فلســـطين من أفظع الكوارث، وكلاهــــما من القضايا الكبرى التي يحتك فيها العالم الإسلامي كله- العـــربي منه والأعجــــمي- احتكاكاً مباشراً بالعــالم الغربي بشطريه الغربي والشرقي، أو الرأسمالي والشيوعي، أو الذي ينتمي إلى أهل الكتاب أو الملحد، كما يقول بعضهم. جاء هذا الاحتكاك بسبب الحرب أو الجهاد الأفغاني في إطار الصراع الدولي.
أزعم بل أظن، أن الأمة الإسلامية ومنها العربية، لم تستفد كثيراً من الدروس العديدة التي كان ينبغي الاستفادة منها في قضية فلسطين، وهي تكاد لا تحصى، وتتجدد الدروس يوماً بعد آخر، في ما يتعلق بما يدورعلى الساحة الفلسطينية ذاتها، وما يدور على الساحة الاقليمية أي العربية، وما يدور على الساحة الإقليمية الأوسع، وهي الإسلامية، ومنها ما يدور على الساحة العالمية.
فجاءت الحرب في أفغانستان- كإنذارات جديدة – لتنبه الأمة إلى دروس نسيتها أو تجاهلتها، أو لم تستوعبها كما ينبغي، ولكن كثيراً منها أيضاً مرّ أو انتهى، من دون أن نعيه أو نتخذه نبراساً لبناء المستقبل، بما يدل على أننا أحياناً كثيرة لا نستفيد، كما ينبغي، من تلك الدروس والعبر، خصوصاً المؤلم منها حتى لا يتكرر.
حَكَم الملك ظاهر شاه أفغانستان أربعين سنة بالتمام والكمال، من 1933-1973، ولم يشبع، شأنه شأن كثير من الملوك والسلاطين والحكام، الذين يستهويهم الملك والسلطان. وظلت أفغانستان في عهده متخلفة فقيرة ومريضة وجاهلة، وانتشرت فيها الامية، حتى كانت نموذجاً يضرب به المثل في التخلف، ربما لا يضاهيها في ذلك إلا بعض مناطق في اليمن والصومال، وبعض أدغال أفريقيا، رغم طول اللحى عند الرجال والنقاب الكثيف عند النساء، ورغم التمسك بالمذهب الفقهي العظيم للامام أبي حنيفة النعمان، ورغم الأخلاق الحميدة التي عادة ما تصاحب أهل البادية أو الفطرة، لأن ذلك هو الشكل، ولكن الجوهر في العمل أيضاً لعمارة الدنيا والشهود على العالمين.
ثار سردار داوود، صهر الملك ظاهر شاه وابن عمه عليه، بدعم أو خداع من الاشتراكيين وفرحة من الاسلاميين، وكل له أهدافه وأطماعه المتباينة. كان الاسلاميون الحركيون ينضوون بشكل متكامل تحت الجمعية الاسلامية برئاسة الصديق العزيز البروفيسور برهان الدين رباني، الذي اغتيل غدراً عند عودته من مؤتمر الصحوة الإسلامية في طهران في ايلول سبتمبر 2011، رحمه الله تعالى.
بعد الثورة على ظاهر شاه وخلعه سنة 1973، بدأت أيضاً الحركة الإسلامية الواحدة في أفغانستان تنقسم على نفسها وتتعدد الاتجاهات فيها، ونشأ الحزب الإسلامي حكمتيار، الذي ركزّ كثيراً على الشباب الراغبين في القتال ضد النظام وضد الشيوعيين مبكراً. وما إن استقر الأمر نوعاً ما بوجود حزبين أو حركتين إسلاميتين، مصدر فهمهما وإنتمائهما واحد، وهو الحركة الاسلامية العالمية، إلا وقد انقسم الحزب الإسلامي مرة أخرى إلى حزبين إسلاميين: هما الحزب الاسلامي حكمتيار، والحزب الاسلامي يونس خالص، رحمه الله تعالى، وهكذا أصبح هناك ثلاثة احزاب.
اشتد الصراع والتوتر في المجتمع، خصوصاً في المجالات والقطاعات والمؤسسات المهمة أو الحاكمة التي بدأ الشيوعيون من خلالها الاستفادة من توجهات سردار داوود، التي تميل إلى الاشتراكية، والانفتاح النسبي في المجتمع.
تغلغل الشيوعيون ومعهم الاشتراكيون في أهم مؤسسات المجتمع الأفغاني، ومنها الشرطة والجيش والتعليم، رغم أن الشيوعيين كانوا قد انقسموا وعملوا في حزبين كبيرين هما برشم، وخلق. وكان بينهما صراع مرير، ولكنهما اتحدا ضد سردار داوود الذي أفسح لهم المجال، وكانوا ضد الحركة الإسلامية بشقيها واستعانوا بالاتحاد السوفييتي ضد الإسلاميين.
القبلية والقومية في أفغانستان لهما دخل كبير في الصراع، خصوصاً بين البوشتون والتاجيك. أكثر من 20 لغة وقومية تتصارع في بلد فقير تنتشر فيه الأمية والجهل والخرافات. وقع الانقلاب الشيوعي سنة 1978 في أفغانستان كالصاعقة على الدول العربية والاسلامية المجاورة، ولكنها لم تتحرك لمواجهة ودعم الإسلاميين، إلا عندما طلب منها ذلك أو استشعره الشباب المجاهد، خصوصاً بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان أواخر سنة 1979. هكذا جاء الشيوعيون في أفغانستان إلى الحكم بانقلاب دموي فزاد الصراع والدمار.
تعددت الحركات والأحزاب الإسلامية من داخل أفغانستان، وبدلاً من أن تتوحد تعددت حتى أصبحت 6 مجموعات أو أحزاب أو جبهات. الثلاثة الكبيرة منها اتفقت تحت ضغوط كثيرة، على أن تعمل تحت راية واحدة هى راية الاتحاد الاسلامي، وأقسم اعضاؤها في مكة المكرمة على ذلك. ولما كان الشيخ عبد رب الرسول سياف قد هرب لتوه من السجن آنذاك، اتفقوا على أن يجعلوه على رأس الاتحاد في دورته الأولى. سار الاتحاد سيرا حسناً وفرح الناس به، وتوقعوا خيراً، خصوصاً في مواجهة العدو المحتل للبلاد، ولكن فشل الاتحاد لضعف الثقة بين قيادات الأحزاب، رغم أنهم أبناء حركة إسلامية واحدة، أضيف اليه مؤسسة جديدة أو حركة أو حزب هو الاتحاد الاسلامي برئاسة ســـــياف، فأصبح هناك سبع حركات أو أحزاب من أهل السنة والجماعة، هذا فضــــلاً عـــــن أكثر من عشرة أحزاب إسلامية شيعية، منها ما هو صغير جداً، وكان لابد من التنافس بل واستمرار الصراع المرير بينها، حتى مع وجود المحتل السوفييتي على أرض أفغانستان.
صمد الأفغان في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وشهد العالم تفتت الاتحاد السوفييتي-القوة العسكرية الأولى في العالم- على أيدي الأفغان الفقراء وبدعم عسكري قوي من أمريكا، خصوصاً صواريخ ستانجر التي واجهت الطائرات الروسية التي لا ترحم. انتهت الحرب في أفغانستان مع نهاية الغزو السوفياتي، ولكن الصراع الداخلي ظل مستمراً، خصوصاً بين الجهة التي جمعت برهان رباني وقائده العظيم أحمد شاه مسعود رحمهما الله تعالى، وهما في رأس السلطة في كابل وبين الحزب الإسلامي حكمتيار، وفشلت كل المحاولات لتوحيد الصفوف والتنافس السلمي، فحيثما وجد السلاح زاد الصراع وزاد التدمير، حتى برزت طالبان كطرف مؤسس ثالث قوي منظم مدعوم عسكرياً، استطاع أن يحكم أفغانستان من 1996 حتى 2001، في إطار صراع شديد. اخترعت أمريكا التي كانت تدعم أفغانستان ضد السوفييت- كارثة سبتمبر 2001 في ظني، ونسبتها إلى القاعدة في أفغانستان، وبلع المجاهدون العرب الطعم الأمريكي، في ظني أيضاً، وكأنهم كانوا في انتظاره، فعادت أمريكا بقوة ووحشية وقسوة إلى أفغانستان لتحتلها بعد حروب ومعارك لا تزال قائمة حتى اليوم. تستخدم أمريكا في تلك الحرب القذرة حتى الطائرات بدون طيار في التدمير والقتل والمطاردة، فيزداد الدمار والقتل في بلد يحتاج إلى راحة محارب. وجاءت اللعبة الديمقراطية تحت القصف والدمار، وظهر كرزاي رئيساً وظهرت الأموال الأمريكية التي لا يعلم إلا الله تعالى مصدرها، لتعمل عملاً كالسحر في بلد فقير معدم. وأظن أن أمريكا تواصل تدريب كرازيات للقضايا الأخرى محل النزاع، ومنها سورية.
من يستطيع أن يخلص العالم العربي والاسلامي من الهيمنة والسيطرة الأمريكية بكل أبعادها؟ خصوصاً من القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في العالم العربي وفي القلب منه الخليج، تلك التي لا ينام أهل الخليج باطمئنان إلا في حماها. خرج الأمريكان من العراق بعد أن دمروه، ولم ينته الصراع أيضاً في العراق وبقيت بعض القواعد خارج المدن والقرى حتى بعد اللعبة الديمقراطية بإشراف أمريكي.
الفلسفة الأمريكية العجيبة التي تظهر في شكل استراتيجيات وخطط تطارد أحياناً عدوا لها، قد يكون شخصاً وتشيطنه ليكرهه أهله، وتهيئ البيئة المناسبة للقضاء عليه. ولكن الذي يتتبع تلك الفلسفة وما نتج عنها من استراتيجيات وسياسات وحروب، يستطيع أن يرى خيطاً بين الحروب الأمريكية وبين الدول التي تنمو أو تحاول النمو، بغض النظر عن أن هذه الدول إسلامية أو حتى ملحدة. المهم ألا تصل تلك الدول إلى التقنية التي وصلت إليها أمريكا، وخير شاهد في ذلك تدمير اليابان- هيروشيما وناجازاكي- والضغط المستمر اليوم على كوريا الشمالية وإيران، فضلاً عن الضغط في القضايا العربية، حتى في بلاد ثورات الربيع العربي.
أهداف ومصالح أمريكا واحدة، لا تقف عند المصالح الملحة، مثل النفط والموقع الاستراتيجي والموارد المهمة للأمن القومي الأمريكي أينما كانت في العالم، ولكن أيضاً في بقاء إسرائيل ودعمها حتى تظل االبعبع المخيفب في العالم العربي، وحتى تنتهي الحركة الصهيونية تماماً من قضية فلسطين، كما انتهت أمريكا نفسها من الهنود الحمر وقضت عليهم. لا يدرك الأمريكان ولا الصهاينة هنا أن القياس فاسد، وأن هناك حرباً أنبأ عنها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويحارب في تلك الحرب الشجر والحجر إلى جانب المسلمين، واليهود حتى الصهاينة منهم يعرفون ذلك في كتبهم الأصلية، ولكنهم لا يعبأون به أو يؤخرون تلك الحرب قدر المستطاع. نحن أمام دروس صعبة من أفغانستان، لأننا لم نفهم الدروس الكثيرة من قضية فلسطين، والله تعالى أعلم بما ستسفر عنه القضية السورية من دروس. لعلنا نستوعب ونسلك مسالك المستوعبين يوماً ما.
والله الموفق

‘ مستشار مركز دراسة الحضارات في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية