السادسة صباحا: أرفع رأسي المُثقل بكوابيس البارحة. رأيتٌ في المنام أحذية العسكر تدوس على رأس الشهيدة، الشهيدة التي رأيتُ صورتها بالأمس تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي؛ الشهيدة التي قُتلتْ في الشارع؛ وهي واقفة كنخلة عربية شامخة. عيناها كانتا صافيتين كنبع ماء في الجبال، كانت وحيدة في الشارع عندما دنّستها رصاصة الجندي. رأيتُ كذلك ناكاتا العجوز المُشرّد الذي يعيش على معونة المحافظ (في مدينة ناكانو) بطل موراكامي يُكلّم كلَّ قطط المدينة التي يطاردها الجوع والفقر والنسيان.
في الغرفة المجاورة من البيت، طفل نائم، يمسك بيده مسدسا بلاستيكيا، سهمُ المسدسِ ساقط أسفل السرير. أتأمّلُ حديقة جارتي المهاجرة، والأشجار اليابسة، والطفل النائم يمسك مسدسه؛ وينتظر العصافير لكي تحطُّ على أشجار جارتنا اليابسة. لا الجارة رجعتْ من مهجرها، ولا العصافير حطّتْ على أغصان الأشجار اليابسة، ولا الطفل استيقظ من نومه ليترصد للعصافير بمسدسه البلاستيكي.
أهبطُ من جبال بوشر، أطلُّ على مسقط النائمة في الصباح، أتذكّرُ سعيد بن خلفان الخليلي في اللحظة التاريخيّة التي نزل فيها بجيشه، ليفضَّ بكارة مسقط النائمة، وليغسل كرسي السلطة من غبار النسيان. التاريخ لعبة كبيرة. أنزل بسيارتي أبحث عن موسيقى تليق بهذا السقوط، أجد موسيقى أندريه ريو تليق بمنحدر جبال بوشر ورمالها. يهبط سعيد بن خلفان الخليلي بجنوده، وأهبط أنا بالموسيقى. اللحظة التاريخية ذاتها موسيقى وجيش من صعاليك البلاد تحيط بمسقط النائمة
السابعة صباحا:
أخلعُ حذائي الأبيض، أقفُ على بحر عُمان، أمشي قليلا، أرى تكوينات السحب المقبلة من المحيط الهندي، التكوينات تُشبه سفن قراصنة من القرن الثامن عشر، قراصنة الكنسية الأوروبية المتوحشون، القراصنة الطامعون بكعكة الشرق وسحره. أسمع القراصنة يرددون أغاني الحرب وأناشيد الكنيسة. أمشي قليلا، بعض السيّاح يجرون أقدامهم على رمال الشاطئ، سيدة أوروبية تُصّور تكوينات السحب بكاميرا هاتفها، سيارة شرطة تمرُّ بالقرب منّي، هل تحرس الشرطة الشاطئ من سفن القراصنة؟ أسفل جسر شارع الحب، كتبَ العشّاقُ لوعتهم وأشواقهم لحبيباتهم الغائبات، عبارات بلغات مختلفة: عربية، إنكليزية، بلوشية، وهندية، كتب العشّاقُ أسماء حبيباتهم في قواعد الجسر الذي يحمل فوق رأسه شارع الحب. هل تحمل النساء العاشقات/ الغائبات فوق رؤوسهن الجسر والحب والشارع؟
أرجعُ لحذائي الأبيض مُسرعا كي لا يسرقه القراصنة، كما سرقتْ المرأة حذائي في الحُلم، سفن القراصنة تقترب من شواطئ مسقط. وفي طريق عودتي رأيتُ رأس ماعز أبيض على الرمل. من أكل جسد الماعز على البحر، وترك الرأس وحيدا؟ عينا الماعز المذبوح تنظران بخوف إلى البحر وسفن القراصنة المقبلة. الرأس المتروك على الرمل لم يشرب من ماء البحر. سقطت دمعتان من عين الماعز الأبيض على الرمل. بدأ الصباحيون يزاحمون صوت البحر في المدينة النائمة.
الثامنة صباحا.
على طرف المقهى، وبالقرب من الشاطئ، وضعتُ كافكا على الطاولة، بدأتْ عجائز القارة العجوز يغسلن البحر بضجيجهن وظلال أجسادهن. الأطفال ينزعون ملابسهم، ويلعبون بالرمل، يبنون أحلامهم من رمال البحر ورداء الصباح.
ـ يا أخي هذولا ما يبردوا.
نطق الشاب الجالس خلف ظهري بهذه الجملة.
قلتُ له: هؤلاء متعودون على ثلوج أوروبا، برد يناير المسقطي لا يعني لهم شيئا.
بدأ يتحدث عن برودة الجبل الأخضر، عرّفني على نفسه عُماني من أصل فلسطيني.
«نزحت عائلتي من حيفا إلى بيروت، بيتنا في حيفا بعده موجود، وجدّي يمتلك مفتاح البيت القديم، وفي نهاية الستينيات قدِمنا إلى عُمان، عمل أبي مدرّسا في سمائل في السبعينيات».
لا أدري لماذا يسردُ هذا الرجل قصته على رجل غريب في المقهى. أظلُّ صامتا كي لا يكبر قفص الكلام، وتنمو أشجار الحكايات. أتأمل عجائز باكنغهام (كما يسميهن الروائي الراحل علي المعمري)، كل واحدة تمسك كوب قهوتها ويسحبن سنوات عمرهنّ إلى حدائق الضجر والوحدة والفرح، أتذكّرُ الأمهات العُمانيات والجدات عندما يجتمعن لقهوة الضحى أو العصر، كل واحدة تحمل تمرها وقهوتها وحكاياتها. أما عجائز باكنغهام الجالسات على بحر عُمان، لا يحملن تمرا بل يأكلن بسكويت بلادهن البعيدة المجفف.
بدأ الشاطئ يمتلئ بالبشر والحكايات، امرأة تُطارد ضحكات الأطفال بعدستها، رجل ستيني يقرأ للبحر سيرته الطفولية، مراهقة تدلل كلبها الإنكليزي الأبيض بوجبة صباحية، سائقو سيارات الأجرة يبحثون عن رزقهم من خطوات السياح. عين الغريب تترصد للقراصنة القادمين من المحيط الهندي بأغاني الشرق الجائع.
أحمل كافكا وقططه، وأرجع إلى أرض النهضة، لأكمل نص «يوميات حمار مسقط الحزين»، وجدتُ العصافير أكلت حديقة جارتنا المهاجرة، والقرصان الصغير نائم، وسهمه ومسدسه البلاستيكي قد سُرقا في الحُلم.
نص على نص/ ما قاله رأس الماعز الأبيض للقراصنة.
مرحبا، أيها العابرون على هذا النص العابر كذلك، أريد أن أوّضّح لكم ما كتبه السارد عنّي في نصه أعلاه. أنا أشهد أن الرجل الذي كتب النص السابق قد عبر في صباح الخامس والعشرين من يناير وتحديدا في السابعة والنصف صباحا. ولمح رأسي متروكا على الشاطئ، وظل لدقائق ينظر إليّ، وبعدها مرّ، باتجاه شاطئ الحب، وجلس يتأمل أعمدة الجسر ويقرأ بعض العبارات. ثم رجع إلى المقهى وقرأ بعض صفحات منها، وذهب كما قال في نصه السابق ليكتب عن حمار مسقط الحزين.
سأسرد لكم ـ وأنا السارد الميت ـ ما شهدته في تلك الليلة. السفن التي شاهدها السارد والتي شبهها بسفن القراصنة، كانوا قراصنة جددا، ولم يكونوا قراصنة القرن الثامن عشر، بل قراصنة العصر الجديد، لصوص الحداثة، لصوص المال والنفط. يحملون أدوات جديدة لنهب الأشياء والثقافات وأرزاق الشعوب. وقفوا على الشاطئ، أنزلوا أحلامهم، ذبحوني وغادروا.
غنوا قليلا على الشاطئ، رقصوا مع أغاني الحداثة. تذكروا سفن البرتغاليين والإنكليزية والفرنسية التي مرّت على هذا الشاطئ. بكوا قليلا. حملوا خمرهم وطعامهم ورحلوا وتركوا رأسي وحيدا يحرس ليل مسقط.
٭ كاتب عُماني
حمود سعود