خمس سنوات على حرق البوعزيزي نفسه وحرائق العالم العربي مشتعلة… دول فاشلة وعودة العسكر والتطرف

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: منذ أن اقدم محمد البوعزيزي، بائع الخضروات والفواكه التونسي على حرق نفسه في الساحة العامة ببلدة سيدي بوزيد وسط تونس، أشعل معه حرائق لم تتوقف منذ 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، سقطت أنظمة في تونس وليبيا ومصر واليمن وتمترست أنظمة أخرى مشعلة الحرائق والدمار في بلادها. وكان وراء هذا الحريق مفتشة بلدية حرمت البوعزيزي من مصدر رزقه، وقام واحتج على ما اعتبره إهانة لكرامته بحرق نفسه.
وهو ما أدى لاحتجاج عام وأصبح شهيد ما عرف بـ «ثورة الياسمين» ومحرك الربيع العربي الذي أصبح صيفا وخريفا وشتاء داميا. وانتهى بالبعض لتحميله مسؤولية ظهور التنظيمات الجهادية وبررت من خلال هذا الربيع عودة العسكر على متن الدبابات إلى القيادة في مصر بعد الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي.
واللافت للانتباه أن المرأة التي حركت كأمن غضب ويأس البوعزيزي كانت فادية حمدي والتي تتساءل اليوم كما تقول صحيفة «دايلي تلغراف» إن كانت مسؤولة عن كل شيء حدث بعد تلك اللحظة يوم 17 كانون الاول/ديسمبر. وكانت وفاة البوعزيزي بعد أسابيع من الحادث محفزا للشباب الحانق أيضا للخروج والتخلص من حكام تربعوا على عرش السلطة لسنوات بدت وكأنها قروناً وحولوا بلادهم لمزارع خاصة لهم ولأبنائهم في الوقت الذي كان فيه شباب البلاد يتضورون جوعا ويموتون في أعالي البحار في طريقهم بحثا عن حياة أفضل في أوروبا.

أتمنى لو لم يحدث

وتنقل «ديلي تلغراف» عن حمدي قولها «أتمنى أحيانا لو لم أفعلها». وهذه أول مقابلة تجريها حمدي مع صحيفة غربية فلم يسمع صوتها من قبل كما تقول تلغراف.
فبعد وفاة الشاب البوعزيزي تحولت عائلته بدون رغبة منها لمركز اهتمام إعلامي، وقام النظام الذي أصابته حالة من العصبية باعتقال حمدي. وعندما خرجت من السجن كان الرئيس زين العابدين بن علي قد هرب من البلاد وانهار حكمه ونسي الإعلام الثورة التونسية وانتقلت عدساته إلى ميدان التحرير في القاهرة وإلى طرابلس الغرب حيث خاض نظام العقيد معمر القذافي مواجهة عسكرية مع الثوار انتهت بالإطاحة به وقتله في مسقط رأسه بسرت عام 2011.
وتقول حمدي «أشعر أنني مسؤولة عن كل شيء»، وكان صوتها يتهجد وهي تتحدث عن تداعيات ما قامت وأدت لتغيير منطقة الشرق الأوسط مع أن القليل قد تغير على وضع السكان في بلدتها سيدي بوزيد.
وتضيف حمدي «أحيانا، ألوم نفسي وأقول كل ما جرى كان بسببي، لقد صنعت التاريخ لأنني كنت هناك وساهمت به ولكن أنظر لحالنا فلا يزال التونسيون يعانون».
وتعلق الصحيفة أن الكثير قيل حول وفاة البوعزيزي ودور حمدي فيها ولكن الحقيقة الثابتة تظل تشير إلى تجربة البوعزيزي وغيره من الشبان الذين يكافحون لتوفير عيش كريم، في ظل أنظمة يستشري فيها الفساد والبيرقراطية الخانقة ودول بوليسية قمعية التي تقف أمام طموحات الشباب بالمنطقة وليس أمام ضحايا هذه الأنظمة إلا التطرف لإفراغ إحباطهم. وأظهرت دراسات لاحقة أن إقدام شباب على إحراق أنفسهم أصبح حالة شائعة في تونس مشكلة نسبة 15% من حالات الحرق التي تصل إلى المستشفيات.
وبعد ستة أشهر من حادثة البوعزيزي أقدم أكثر من 100 تونسي على تقليد فعله، إضافة لأعداد أخرى في المغرب والسعودية والعراق وأماكن أخرى من العالم العربي.
ولكن الحرق احتجاجا على الوضع شيء وما تبع ذلك من فوضى أمر آخر. فبعد هروب بن علي وزوجته سقط حسني مبارك نتيجة تظاهرات عارمة سجلتها عدسات الكاميرات من ميدان التحرير حيث لم يصمد أمام الغضب الشعبي سوى 18 يوما. وبعده جاء معمر القذافي الذي قتل في تشرين الأول/أكتوبر 2011.
وفي اليمن خرج علي عبدالله صالح بموجب مبادرة خليجية. أما سوريا فقد أشعل النيران فيها بشار الأسد وفي العراق هاجم نوري المالكي مخيمات الاعتصام وقتل جنوده أكثر من 50 معتصما. والنتيجة الحالية للربيع العربي هي تحول العراق وسوريا وليبيا واليمن إلى دول فاشلة فيما تقف مصر على حافة الهاوية.
وانتج الربيع العربي حالة من النزاع المستمر بين القوى الإسلامية والحكومات العلمانية والحركات السياسية.
وكان بعضها سلميا والآخر متطرفا. ومع هذا النزاع بدأت الطائفية تطل برؤوسها حيث تمترست وتأكدت في العراق والحرب الأهلية السورية وأحداث اليمن.
ورغم حالة اليأس التي تنظر فيها حمدي لأوضاع بلادها فتونس تظل من النماذج التي نجت من ويلات الربيع العربي ونجحت في عملية تداول سياسي عندما وافقت حركة النهضة الإسلامية الحاكمة تسليم السلطة والتحول للمعارضة رغم القاعدة الإنتخابية التي تتمتع بها الحركة برئاسة الشيخ راشد الغنوشي.

تنازلات ضرورية

ونقلت عنه الصحيفة أنه وزملاءه قرروا التنازل عن السلطة بعد مناقشتهم للقضايا الأساسية المتعلقة بالديمقراطية. وقال «حكم الغالبية، 50% لا يكفي». وقال إنه عرف منذ بداية عملية الإنتقال السياسي بأنها لن تتم بدون تحالفات وهو ما فعلته النهضة في الحكومة الأولى.
وأضاف «اعتقدنا أن حكومة غالبية ستكون كافية» و»بعد ذلك اكتشفنا أنه يجب عمل المزيد: فكنا بحاجة للإجماع».
ومن هنا تقول الصحيفة أن الفرق بين تونس ومصر كان واضحاً. فمع اعترافه بأن العراق وسوريا ومصر تظل حالات أكثر تعقيدا من مصر إلا أن الحقيقة الأساسية تبقى، فقد قامت النهضة بالتخفيف من مطالب الإسلاميين عندما قامت الدولة بكتابة الدستور، وهي الوثيقة التي حازت 94% من الأصوات في المجلس الدستوري للبلاد.
وفي مصر حاولت جماعة الإخوان المسلمين التي حازت على نسبة 52% من الأصوات أن تمرر دستورا إسلاميا وهو ما أدى للإطاحة بها.
وبالمقارنة مع مصر وتونس لا تعرف سوريا وليبيا كلمة إجماع. ورغم كل هذا فلا يزال الغنوشي متفائلاً حول مستقبل الديمقراطية في العالم العربي «عام 2011 كان عام الوثبة على الطغيان في العالم العربي». وأضاف «يظهر التاريخ أن التحول باتجاه الديمقراطية مستقيم فقد امتدت عملية التحول في فرنسا وبريطانيا لمدة 100 عام».
وسواء كانت الفترة التي يحتاجها العالم العربي للتحول الديمقراطي طويلة أم قصيرة فعائلة البوعزيزي حظيت بشهرة ومن ثم عانت من عدوانية المجتمع وهو ما دفعها للهجرة، وانتقلت والدته وشقيقته للعيش في كندا، أما شقيقته الأخرى سامية فتعيش وتعمل في تونس.
وكانت أول من اتهمت السياسة والأيديولوجيا باختطاف حادث وفاة شقيقها. وتقول «الموت هو قدر وأقبله» و «لكن لو بقي (شقيقي) حياً لكان أول من خرج مطالباً بالكرامة. لقد بدأ شقيقي شيئا يحاول الناس الجشعين تدميره. وكان شقيقي يحب الحياة وكان سيرفض الساسة الحمقى والمتطرفين الذين يحبون الموت، مات شقيقي من أجل الكرامة وليس الثروة أو الأيديولوجيا».
وتعلق الصحيفة أنه بعد نهاية كل الحروب الجارية فهناك قلة ستتذكر اسم البوعزيزي أو حمدي. بدأ الأثنان على خط المواجهة وبعد ذلك نظر إليهما بطريقة لم تكن مناسبة للسياق بطريقة لم يعد أحد يعرفهما.
وتقول حمدي «أنا ومحمد البوعزيزي ضحايا، فقد حياته أما أنا فحياتي فلم تعد كما كانت». و»عندما أنظر للمنطقة ولبلدي أشعر بالندم. فالموت في كل مكان والتطرف ينتشر وقتل الأوراد الجميلة».

لم يمت

ويعلق كريس دويل، من جمعية التفاهم البريطاني- العربي (كابو) في نفس الصحيفة أن حجم ما تركه موت البوعزيزي كان كبيرا بدرجة أدى بالسلطات الصينية لمنع كلمة مصر على الإنترنت أو «ياسمين».
ويرى أن الدروس التي تستخلص من الربيع/الشتاء العربي كثيرة منها أن الحماس الثوري لم يخفت. فالإحباط والغضب واليأس لا يزالان يعيشان في أحياء الفقر حول المدن الكبيرة في العالم العربي.
ويعيش فيها كما يقول دويل أكثر من بوعزيزي، فالرغبة بالتغيير أقوى من ذي قبل. ويرد الكاتب هنا على من يزعم أن الثورات العربية قد فشلت.
ويقول إن الخمس سنوات الماضية في معايير وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت قد تبدو وكأنها ردح من الزمان ولكنها في منظور الثورة الإقليمية تظهر كطرفة عين. لأن الشرق الأوسط يواجه تغيرات عميقة وربما لم تكن أقل من تلك التي واجهتها أوروبا قبل قرن من الزمان.
ويقول دويل إن دعوة البعض لبقاء الديكتاتوريين لتحقيق الاستقرار في المنطقة غير صحيح لأن عقارب الساعة ستدور وستؤكد أنهم ليسوا الحل، ولم يكونوا الحل في عام 2010 ومن المحتمل أن لا يكونوا الآن.
ولعبوا دور «طناجر الضغط» كما يقول دويل وخزنوا فيها التوتر والغضب حتى انفجرت. فبعد كل الدماء التي سفكت في العراق وليبيا وسوريا واليمن فسيكون من العار تجاوز كل هذا والترحيب بعودة الوضع القائم أي الديكتاتوريين. ومن الخيانة بمكان أن نتخلى عن مئات الألوف الذين عرضوا حياتهم للخطر من أجل مستقبل أفضل.
وستنتهي هذه الحروب في يوم لكن ما يحتاجه العالم العربي هو تحول اقتصادي وسياسي واجتماعي. فوراء الانتفاضات العربية حالة من اللامساواة في المجتمعات العربية التي تفاقمت بسبب زيادة معدلات الولادة ونقص المواد الرئيسية. ولن يتم القضاء على مشاكل البطالة والإحباط بدون تحقيق إصلاح شامل لنظام الحكم. ولو أراد العالم الخارجي المساهمة بناء مستقبل أفضل فعليه التصدي لهذه المشاكل. ويرى أن الدرس المهم من 17 كانون الأول/ديسمبر 2010 هو أن الغرب لا يعرف إلا القليل عن المنطقة.
ويدعو الكاتب لتذكر محمد البوعزيزي بنوع من الإحترام والتواضع والإعتراف أنه حتى في القرن الحادي والعشرين يؤدي فعل واحد لرجل إلى تغيير مسار التاريخ.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية