صور سارة… صورة الفلسطيني قبل التظهير

حجم الخط
0

منحنيات كثيرة لافتة ومفاجئة في قصيدة غسان زقطان «خذيني من يدي يا سارة»، التي تتقدّم مجموعته الشعرية قبل الأخيرة «لا شامة تدلّ أمي علي» الصادرة عن الدار الأهلية، وتبدو هذه المنحنيات مغريةً للخوض فيها ـ على خطورتها- حين يقرّ القارئ الناقد، بأنه من المناسب الكفّ عن امتداح قامة اللغة التي يتمتع بها زقطان، ليس لأنها لا تستحق، بل على العكس تمامًا؛ لأن أناقة هذه اللغة تحجب ـ أحيانًا ـ قطعانًا من الجَمال يمر بها قِطار القصيدة.
يستغل زقطان في قصيدته شخصية «سارة» ليمحورها على عدة محاور، مستفيدًا من تاريخ حضورها القوي في المرويّة الفلسطينية الطويلة، كما يوظّف الخلافات على هذه الشخصية، توظيفًا منيعًا ومليحًا، يُسهم في عكس الصورة الفلسطينية قبل التظهير، فلقد تمكن من قول ما عصي على كثير من الكتاب والشعراء الفلسطينيين اعتقادًا منهم بوجوب لزوم ما لا يلزم، حين أقرّ الشاعر بالوجود اليهودي في فلسطين، وصرّح به، كحالة طبيعية ما زالت آثارها حاضرةً، وحاكى بذلك قطعًا من فسيفساء التكوين الفلسطيني، حين قال:
«يا سارة اليهودية
عندما تعبرين تحت أشجار الزيتون في منحدرات الجبال وأكتافها
عندما تهبطين تلك السناسل المرسومة بأيدي الفلاحات
نادي عليّ فأظهر لك من الظلال في عينيك العربيتين
واذكري اسمي وتسلقي مقاطعه الألف».
ويفتحُ هذا بابًا أوسع للمخاض، فبهذا التصريح يعيدنا غسان إلى سؤال أخفته «الدولة المزعومة» عن أعين الفضوليين: إن كان إسرائيلُ يعقوبُ بن إسحق بن إبراهيم كبيرًا في فلسطين، وكان أبناؤه من ملوكها وزعمائها، أليس هذا سببًا كافيًا ليكون بنو إسرائيل من أبناء هذه المنطقة لا من أبناء أوروبا؟ وإلا كيف يصنع الدين ذريةً؟
ولعله يعبّر عن هذا الالتباس التاريخي والتباسات أخرى، كوقوع الناس في فخ الخلط بين اليهودي من جهة، والإسرائيلي الذي جاء على متن الدولة المزعومة من جهة أخرى، حين يواصل:
«وحدنا في هذه العتمة ننظر فلا نرى.
لا نجم لنهتدي
ولا عصا نتوكأ عليها ونهش بها ثعالب التلال،
ولا درب لنسلك .
لا بيت لي
ولا منفى لك».
يخرج زقطان من هذا الطيف الفلسطيني ـ اليهودي- ليذهب إلى طيف آخر، حين يفتح لنا مقطعًا جديدًا ماشيًا بسارة من الناصرة شمالاً باتجاه الجنوب.. إلى بيت لحم:
«يا سارة الناصرية
ليس عندي ضوء لأدلّك
ولا شامة لتدلّ أمّي عليّ .
الصبية ذهبوا إلى الوديان،
النساء تركن الخبز على التراب
والرجال سحبهم قائد المئة من أعناقهم
وأغلق المسالك إلى بيت لحم».
إنها رحلة يسوع الناصري، الشاهد التاريخي على إيذاء اليهود للمكوّن الفلسطيني، ويبدو الشاعر ـ في المقطع- منحازًا إلى هذه المأساة، إذ يعرض على سارة الناصرية، سبل المواساة مستميتًا، ويغريها بالغناء:
«صرخات الرهبان المنحورين على صخور «وادي القلط» ومنحدراته
وصلت صباحا بعد سبعة أيام بلياليها، مختلطة بصيحات الجنود الفرس
ورائحة دمائهم وضعتها الريح على العتبات المنخفضة لبيوت المسيحيين.
خذيني معك إلى تلال الحجارين
أجمع لك القش لتنامي في الليل
وأغني في مسالك الجبال فيطمئن فؤادك.
خذيني معك، أنت خائفة
وصوتي جميل».
لم تذهب سارة التي في بالنا إلى مكة، بل إن هاجر من فعلت، لكن الشاعر أصّر على محورة «سارة العربية» على المحاور الثلاثة، ليشكّل بذلك الصورة الأشمل للمجتمع الفلسطيني، فأسقط هاجر من الحسابات وسرّح سارة ذاتها إلى مكة:
«الرعاة أخذوا اسمي ووزعوه بينهم مثل ذبيحة
وأنت تبحثين في جسدي عن علامة.
خذيني معك إلى مكّة
طريقك بعيد
وفألي حسن».
هذا قطيع سحرٍ واحدٍ من تلك القطعان التي تختبئ وراء قامة لغة غسان زقطان، التي تبدو دائمًا متأثرةً بوعيه النفسي والجسدي، والتي تحتمي بهبات المكان لتبرر كينونتها الخاصة، وتدحرجها المستمر من الأعالي، ليس سقوطًا، إنما تكوّرًا على تكوّرٍ، حتى تقع في يد القارئ على شكل كرةٍ شعريةٍ هائلةٍ وبيضاء كالثلج. فمن يتتبع خيطه اللغوي يرى المنعرجات التي تحيط برام الله، المكان الذي يكاد يشبه زقطان في توتراته الأنيقة والهادئة، إنه يهرب إلى الجبال دائمًا في القصيدة، ويسكُن إلى الوديان والمنحدرات «عندما تعبرين تحت أشجار الزيتون في منحدرات الجبال وأكتافها»، تمامًا كما يسكُن إلى «كوبر»، التي يذكر كثيرًا أنها محلّه ومستودع توتراته، كما أنه كثيرًا ما يذهب في شعره إلى الخرابات، التي تتجلى في أحيان كثيرة على شكل مناجم.
ولا يمكن في هذه القصيدة، أن نُغفل أحدَ عناوينها الفرعية، ولازمتها الجميلة التي تشي بالهشاشة والتسليم: «لا أعرف الطريق إلى حلب»، هذه اللازمة التي تفوح منها موسيقى الكنعانيات القديمات المكسورات على خيط مقام «السيكا»، الذي يمشي عليه زقطان بثقة المؤمنين على الصراط وهو يقول:
«خذيني من يدي يا سارة
أمي نائمة وأبي أخذه النهر
وليس عندي حلم لأنام .
أخوتي أخذهم النسّاجون إلى حلب
وتركوني هنا لأخبر أمي عندما تستيقظ
أن النهر أخذ أبي
وأن النسّاجين أخذوا إخوتي
وأنها ميتة».
وكأنه يسلّمنا لنواح البنت الطويل الذي ما زال صداه يلجُ روح الفلسطيني العاشق في منفاه:
«يا رايحين ع حلب
حبي معاكم راح
يا محملين العنب
تحت العنب تفاح»

٭ شاعر وكاتب فلسطيني

سلطان القيسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية