قماش وخيوط وخطوط تشكل هوية الزي الفلسطيني التراثي: «معرض التراث» يجتهد لإبقائه حياً ونشره بعيداً عن سطو الصهاينة

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: في كل حضور ثقافي وأدبي، علمي أو سياسي تحرص بعض النساء الفلسطينيات المتمسكات بتراث وطنهن على ارتداء أثواب بمطرزات يدوية، لها ألوانها الدافئة وبخاصة الأحمر الغامق أو النبيذي. هي منتجات من جهود أنامل صبورة. هو شغل أبرة وخيوط وقماش يناسب القطع المطلوبة من ملابس وقطع زينة، وكذلك قماش الكانافا المطلوب لأشغال تحمل موقفاً وطنياً. أما الثوب النسائي المطرز طولياً، بخطوط وتصاميم أنيقة وراقية جداً ينطق باسم فلسطين ويحمل هويتها. مطرزات ذات جودة عالية في التنفيذ تجذب كل عين تعرف مدى أهمية القطعة المنجزة بدقة متناهية. مؤخراً وفي حفل «تكريم» الذي أقيم في دبي، تحلق كثيرون حول الدكتورة جمانة عودة التي كانت ترفل باعتزاز بأثوابها الفلسطينية على مدار فعاليات المناسبة. وهناك أخبرتني خلال دردشة أنها لا تغادر أرضها المحتلة وعبر مطار تل ابيب إلا بثوبها الفلسطيني الهوية. فقد كان سلوكها في شكله ومضمونه جزءاً من انتماء وتحدي. وأضافت أنها خلال رحلة على متن طيران أليطاليا حيث كانت ترتدي قميصاً مطرزاً بتراث الأبرة الفلسطيني سألتها المضيفة عن أصل ما ترتديه. أخبرتها باختصار حكاية بلدها المحتل، وأن التمسك بتراثه جزء من النضال من أجل تحريره. واعترفت الدكتورة عودة: في تلك اللحظة شعرتُ بأن ما أرتديه من تراث يدوي خاص بوطني يشكل هويتي الشخصية.
قبل النكبة كانت المطرزات الفلسطينية هدفا لجميع المواطنين وبخاصة في الداخل الفلسطيني، وأغلب النساء كانت تحسن هذا الشغل الجميل. كان يرتديه الرجال والنساء، من شالات وصدار ومناديل وفساتين. بعد النكبة تحولت أهداف الرسوم المنفذة. إنها خريطة فلسطين، المفتاح وعبارة سنعود، القدس وغيرها من المدن مضافة إلى التطريز على الملابس. وهذا التطريز حافظ على اتجاهاته كتطريز الأكمام، الصدر والظهر. وفي تقنية التطريز هناك أشكال متعددة منها المثلث، الدائرة، المربع، الخطوط الزخرفية المستقيمة، المتقاطعة والمسننة وربما أخرى نجهلها.
منذ الهجرة عن أرض فلسطين يشكل إحياء التراث اليدوي بأشكاله المتنوعة هدفاً للجمعيات الإنسانية والثقافية، لكنه لم يصل لحدود التنمية المدروسة، أو المشروع الذي يحمل معالم وأهدافا مستقبلية، ففي لبنان كمثال يقوم هذا المشروع كجزء من دعم للأسر المحتاجة. تعمل النساء بالتطريز كي تسد حاجة الأسرة اليومية. كذلك هو الحال في مخيمات الأردن حيث ينتظم وينشط هذا الإنتاج اليدوي بنسبة أكبر. وفي غزة تدير الاونروا العديد من المشاغل حيث مئات النساء تقوم على رعاية الأسرة مادياً بعد استشهاد المعيل.
في معرض التراث الفلسطيني الذي كان له جناح خاص في معرض الكتاب العربي والدولي في بيروت الـ59 تكونت المحتويات من علاّقة المفاتيح المطرّزة بالهوية الفلسطينية، وصولاً إلى الثوب النسائي الأسود المطرز بالأحمر الغامق. هو معرض دائم التواجد في مقره في مخيم عين الحلوة قريباً من مدينة صيدا. تقول وفاء احمد أن مشغل الشهيدة هدى خريبي الذي يضم حوالي عشرين سيدة فلسطينية يمد المعرض بالمنتجات. معرض التراث ليس قديم العهد، تأسس في العام 1985 بعد أن دمرّ العدو الصهيوني في اجتياحه للبنان سنة 1982 مؤسسة صامد التي كانت تشرف على الكثير من المهام الرعائية، الإنسانية والاجتماعية. وتضيف وفاء أحمد: كانت ضرورة لأن يستمر مشروع إنتاج التراث وإبقائه حياً بين أجيال الشعب الفلسطيني في الشتات. فهو يشكل جزءاً من ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. وعملنا على ابقائه حياً كجزء من مقاومتنا. الإبرة والخيط بيد السيدة الفلسطينية هما عبارة عن بندقية تقاوم الاحتلال الذي لم يعف ثقافتنا وتراثنا من السرقة بعد سيطرته على أرضنا. فهو على سبيل المثال صمم من تراثنا اليدوي هذا والذي يعود لآلاف السنوات ملابس لمضيفات طيرانه، مدعياً أنها ملكه. مع العلم أن الصهاينة يجهلون كلياً هذا التراث وكيفية تطريزه.
لكل من مناطق فلسطين خصوصيتها في اللون وتصميم التطريز الخاص بهذا التراث. تقول وفاء أحمد، مضيفة: والحالات الاجتماعية التي يعيشها الناس لها الأثواب الخاصة بها كذلك. ثمة ثوب ولون للعروس، للسيدة المتقدمة في العمر، وكذلك ثوب للأرملة. وتؤكد: اللون المعروف للتراث اليدوي الفلسطيني هو النبيذي أو الأحمر الغامق، لكن تطوراً دخله عبر زركشة خفيفة بألوان فاتحة. نحاول في إنتاجنا مراعاة متطلبات كافة فئات الناس لجهة عرض قطع صغيرة بأسعار مقبولة من بيت للنظارات، وآخر للهاتف المحمول، وحقائب صغيرة لحمل القليل من المال والأوراق الخاصة. وفي مشغلنا فريق يعمل على ابتكار كل جديد يمكن تقديمه في المعرض، وبخاصة القطع الصغيرة التي يزدهر طلبها بسبب الأوضاع الاقتصادية في لبنان. كما سعينا لحمل هذا الإنتاج إلى العالم. فقد شاركنا بمعارض متكررة في تركيا، البحرين والنرويج. حركة البيع في معرضنا تراجعت نتيجة الأوضاع الامنية التي تسود مخيم عين الحلوة منذ زمن. فنحن نفتقد الوفود الأجنبية التي كانت تزورنا وتشتري بسخاء من تراثنا الذي يذهل كل من يشاهده. النساء والرجال من الوفود الغربية يقفون بإعجاب وتقدير أمام الثوب النسائي الفلسطيني بشكل خاص. أذكر أن رئيس بلدية باريس زار مخيم عين الحلوة وجال في معرضنا، وكان سعيداً بشراء ثوب لوالدته. أما القطع الصغيرة وبخاصة تلك التي تعبر عن القضية الفلسطينية فهي مطلوبة بكثرة كهدايا وفي كافة المناسبات في لبنان والخارج.
في السؤال عن خصوصيات التطريز الفلسطيني تبعاً للمدن والمناطق المختلفة ترى وفاء أحمد أنه كان منتشراً في الداخل الفلسطيني والمدن الكبرى منها بير السبع، نابلس، رام الله، غزة، بينما لم يكن منتشراً بشكل ملحوظ لدى سكان شمال فلسطين. هذا الثوب على سبيل المثال ينتمي لرام الله ومحيطها، وميزته أنه يشبه الدوالي، فيما ترمز رسمة الشجرة لمنطقة غزة. لكن التزاوج بين المناطق الفلسطينية المختلفة ومنذ عشرات السنوات ادى إلى تداخل ومزج في رسوم ذاك التراث.
معروف أن الكوفية الفلسطينية والعربية عامة صارت تُصنّع في الصين حتى وصلت إلى ألوان هجينة ليس لها صلة بكوفيتنا الحمراء أو السوداء التي تزين الارضية البيضاء. كذلك هو حال هذا التراث اليدوي، صارت مصانع الصين تنتجه بكميات محدودة حتى الآن، لكنها افقدته روحه ورونقه. فهو كما يقال شعبياً شغل ماكينات. تقول وفاء أحمد: من لديه ذوق رفيع وقدرة مقارنة يكتشف الفرق بين جهد الأنامل وإنتاج الماكينات.
هل سيستمر هذا التراث؟ هل تتعلمه صبايا جدد؟ ليس في جواب وفاء أحمد تفاؤل. الجيل في رأيها «خلقه ضيق وشغل الأبرة يلزمه صبر، كذلك الفتيات مشغولات بالواتساب وأخواته على الهاتف المحمول». وتضيف: لا شك سيبقى هناك من يحفظ التراث وينقله للأجيال التالية حتى وإن تراجع عدد النساء اللواتي تطرزنه.
وفي البحث عن تاريخ لهذا التراث طالعنا في كتاب مشترك للمؤلفين علي حسين خلف وتوفيق عبد العال وحمل عنوان «فلسطين ألوان وخطوط» أن عمر هذا الفن يعود لأيام الكنعانيين أي ما يزيد على الثلاثة آلاف سنة. وكذلك أفضت الأبحاث أن آلاف النساء في فلسطين المحتلة وبخاصة في المخيمات، وكذلك في مخيمات الشتات تنشطن في اشغالهن التي وصلت إلى كافة دول العالم. حتى أن الاونروا حيث تتواجد في مخيمات فلسطين المحتلة وكذلك في غزة تعمل لتشغيل مئات النساء في هذا الإنتاج بهدف مساعدتهن مادياً، عبر تسويق هذا الإنتاج في مختلف أرجاء العالم.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية