اسطنبّول ـ «القدس العربي»: تتزايد حركة السيارات العامة والخاصة على الطريق الدولي المعروف محلياً بـ اوتوستراد (رودكو) الواصل بين مدينتي حلب والحسكة شمال شرق سوريا، والّتي تقل أهالي منطقة الجزيرة السورية من مدن الحسكة والقامشلي وعامودا وغيرها إلى مدينة كوباني (عين العرب) على الحدود السورية التركية بصحبة حقائبهم الّتي تبدو ثقيلة، ليتمكنوا بذلك من العبور إلى الضفة الأخرى من الحدود، حيث تركيا الّتي ستُنهي المطاف بهؤلاء المهاجرين على الشواطئ اليونانية عبر البحر، بعدما فشلوا في العبور إلى تركيا من هناك نتيجة تشديد حرس الحدود التركي من مراقبته للمنافذ الحدودية غير الشرعية المتاخمة لمدن الجزيرة السورية، الأمر الّذي يرغمهم على السفر من تلك المناطق إلى مدينة كوباني، نتيجة إطلاق حرس الحدود التركي النار بشكلٍ مباشر على من يحاول العبور من تلك المنافذ إلى تركيا وفقاً لمصادر حقوقية كُرديّة تؤكد مقتل العشرات من المهاجرين الأكراد بهذه الطريقة خلال العام الماضي، فيما يبدو السفر غير سهلٍ أيضاً لحاملي جوازات السفر السورية نحو تركيا. فهم يغادرون من مطار القامشلي إلى العاصمة اللبنانية، بيروت الّتي يتطلب دخول السوريين إليها حجزاً فندقياً وغيرها من الإجراءات الأمنية وبذلك يصلون إلى إحدى المطارات التركية بتكلفة مالية كبيرة، لكن هؤلاء المهاجرين نسبتهم قليلة وتكاد تكون معدومة، إذ أن غالبية المهاجرين الأكراد لا يتمكنون من الحصول على جوازات السفر لأسباب أمنية وأخرى سياسية في أحيانٍ كثيرة، ليزيد هذا الأمر من إصرارهم على دخول تركيا بشكلٍ غير شرعي من مدينة كوباني، في الوقت الّذي باتَ فيه العبور من مدينة عفرين إلى تركيا أشبه بالمستحيل رغم طول مساحة حدود مدينة عفرين مع الدولة التركية نتيجة محاصرة المدينة من قبل كتائب إسلامية راديكالية، إضافة لتشديد غير مسبوق من قبل حرس الحدود التركي في الطرف الآخر .
السماسرة والعبور بأسعارٍ باهظة
ويشكو المهاجرون من ـ السماسرة ـ الّذين يعملون على دخولهم إلى تركيا عبر منافذ غير شرعية، إذ أنهم يتقاضون مبلغاً مالياً يتراوح من 100 إلى 200 دولارٍ أمريكي للشخص الواحد، كما إنهم يضطرون غالباً للركض على الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا لمسافة تتجاوز الخمسة كيلومترات دون وجود حافلة تقلهم إلى المدنٍ تركية بعدما يتعهد السماسرة لهم بذلك وسط ملاحقة حرس الحدود التركي لهم، فهم يتعرضون لضربٍ مبرح فيما لو تمكن حرس الحدود التركي من إلقاء القبض عليهم، ليتم تعذيبهم جسدياً وطردهم إلى سوريا من جديد كما حصل مع الإعلامي الكردي ولات بكر الّذي أكد هذا الأمر في اتصال هاتفي مع «القدس العربي»أشار فيه إلى أنه تعرض للضرب من قبل حرس الحدود التركي بعد فشله في العبور إلى تركيا أثناء تصويره لفيلمٍ وثائقي عن كيفية عبور المهاجرين إلى تركيا وتعامل السماسرة معهم، ناهيك عن الأطفال الصغار الّذين لا يتحتلون مشقّة العبور بهذه الطريقة.
وتختلف طرق الدخول غير الشرعية من سوريا إلى تركيا، حيث يتمكن البعض منهم من الدخول عبر المنافذ الحدودية الرسمية الّتي تربط المدن الكردية السورية بالتركية، لكن السماسرة يتقاضون مبالغ باهظة تتجاوز الـ 300 يورو مقابل مرور شخصٍ واحدٌ منهم، مبررين ذلك بالأمان الّذي يتمتع به المهاجر أثناء عبوره بشكلٍ سريع إلى الطرف الآخر دون مخاوف مثل تعرّضه للضرب المبرح أو التعذيب الجسدي وحتى إعادته إلى سوريا، في الوقت الّذي لا يتمكن فيه المهاجرون الأكراد من دخول تركيا عبر المنافذ غير الشرعية في مدن إدلب وإعزاز وغيرها من المدن والبلدات السورية الحدودية مع تركيا نتيجة سيطرة كتائب إسلامية راديكالية عليها، تتهم المهاجرين الأكراد بالتواطؤ مع الوحدات الشعبية الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي، الأمر الّذي يحرمهم من دخول تركيا من تلك المناطق، ويعرّضهم للإعتقال كما يحصل دائماً وفقاً لهذه التهم الجاهزة منها.
الشبان يشكلون النسبة الأكبر
ويشكل الشباب الّذين تتراوح أعمارهم من 15 إلى 30 عاماً، النسبة الأكبر من بين المهاجرين، فهم فارون من الخدمة الإلزامية التي يفرضها النظام السوري على من أتم الثامنة عشرة من عمره، إذ أنهم لم يتمكنوا من مغادرة مدن الجزيرة السورية نحو المدن السورية الداخلية نتيجة هذا الأمر، في الوقت الّذي تفرض فيه وحدات حماية الشعب الخدمة الإلزامية لمدّة ستة أشهر على هؤلاء الشباب والشابات أيضاً تحت بندِ واجب الدفاع الذاتي الّذي أعلنت عنه الإدارة الذاتية المدنيّة في سوريا والتي يشارك فيها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي منذ الإعلان عنها أواخر عام 2013 بمشاركة أحزاب وتيارات كردية سورية وأخرى عربية ومسيحية آشورية إلى جانب مشاركة بعض العشائر العربية من منطقة الجزيرة السورية، الأمر الّذي أدى أيضاً إلى إرتفاع نسبة هجرة الشبان الكُرد من تلك المناطق خاصة وإن نسبة كبيرة منهم، كانوا قد هاجروا قبل هذا القرار لأسبابٍ كثيرة منها البطالة وخشية تعرضهم للاعتقال أثناء دراستهم في الجامعات السورية الحكومية، بعدما كانت تعيق قوات النظام السوري وبعض الكتائب الإسلامية الراديكالية سفرهم إلى مدنٍ سورية أخرى بحجة انتسابهم لأحزاب كردية، إذ أنه هناك المئات من المعتقلين الأكراد لدى تنظيم الدولة الإسلامية وكذلك جبهة النصرة وبعض الكتائب الإسلامية الأخرى، تم إعتقالهم أثناء سفرهم من الجزيرة السورية إلى دمشق أو حلب لهذا السبب منذ أكثر من عامين، ناهيك عن المعتقلين منهم لدى النظام السوري.
وأدت هجرة الشبان الكُرد من تلك المناطق، إضافة للعائلات الكردية منها لأسبابٍ عديدة مثل إنعدام الأمن والأمان بعد هجمات تنظيم الدولة الإسلامية على أجزاء من مدينة الحسكة وريفها، وكذلك عدم توافر المقومات الأساسية للحياة اليومية كالماء والكهرباء وتدهوّر الأوضاع الاقتصادية، إلى ازدياد نسبة العرب من النازحين السوريين في مناطق الجزيرة السورية مثل مدينة القامشلي الّتي يعيش فيها عشرات الآلاف من السكان العرب السوريين بعد فرارهم من مختلف المدن السورية مثل ديرالزور وحلب والرقة وريف دمشق نتيجة العمليات العسكرية في تلك المناطق بشكلٍ أوسع مقارنة بمدن الجزيرة السورية الآمنة نسبّياً، وهذا ما يبدو واضحاً من أسواق مدينتي القامشلي والحسكة، إذ تُكثر فيهما النساء اللاتي يرتدين الزي العربي الّذي يختلف عن الزي الّذي ترتديه النسوّة الكُرديات، في حين يتخذ المجلس الوطني الكردي في سوريا من هذا الأمر مآخذ على سياسة حزب الاتحاد الديمقراطي وتفرّده بالسلطة عبر الإدارة الذاتية المدنية التي يشارك فيها الاتحاد الديمقراطي، فالمدن الكردية السورية هي الأكثر إستقراراً مقارنة ببقية المدن السورية لكنها تُعد في الوقت ذاته من الأكثر الّتي تشهد هجرة سكانها الأصليين، في ظل غيابٍ شبه تام للمجلس الوطني الكردي في سوريا على أرض الواقع، والّذي يطالب وفقاً لتصريحات أعضائه أن يكون شريكاً لحزب الاتحاد الديمقراطي في إدارة المدن الكردية السورية، إذ أنه دعا في عدّة بيانات صحافية صدرت عنه إلى وقف الهجرة الكردية من سوريا، الأمر الّذي قابله الكثير من المهاجرين الأكراد بالسخرية والإستهزاء واستغربوا من التظاهرات الّتي دعى إليها المجلس الوطني الكردي ضد الهجرة في عددٍ من المدن الأوروبية عبر صفحات موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» حيث طالب بعض المهاجرين عودة من يطالب بوقف الهجرة إلى المدن الكردية السورية والخروج بتظاهرات مناهضة لها من داخل المدن الكردية السورية وليس من الخارج.
أسباب الهجرة سياسية أيضاً
ولا تقتصر أسباب الهجرة الكردية هذه على العوامل الاقتصادية وحدها، وتعود بإذهاننا نحو هجرة بعض الكُتّاب والسياسيين والأكاديميين الأكراد برفقة الكثير من العائلات الكردية من سوريا إلى العديد من البلدان الأوروبية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لأسباب سياسية منها ممارسات حزب البعث الحاكم في سوريا بحقهم، بعد سحب الجنسية السورية من أكثر من 150 ألف مواطن كردي في خطة الحزام العربي في عام 1962 بهدف تفريغ منطقة الجزيرة السورية من المكوّن الكردي، في حين أن نسبة كثيرة من هؤلاء المجرّدين من الحقوق المدنية في سوريا، استقروا في مدنٍ داخلية مثل حلب وحماة والعاصمة دمشق، لكنهم يرون اليوم إن الهجرة هي الضمان الوحيد لوقف معاناتهم المستمرة منذ عقودٍ من الزمن بعد نزوحهم من جديد نحو مدنهم الكردية عقب إنطلاقة الثورة والصراع الدائر منذ أكثر من أربع سنوات.
الجهات المستفيدة
وحسب دراسة اكاديمية عن الهجرة الكردية من سوريا للكاتب والصحافي الكُردي السوري حسين أحمّد تحت عنوان «الكُرد وظاهرة الهجرة الممنهّجة سياسياً وأمنياً ودولياً»، فأنّ «الهجرة الجنونية التي انطلقت مؤخراً من بلدان الشرق الأوسط وخاصة من سوريا والعراق وتركيا، والتي اجتاحت كالموج المتلاطم عواصم الدول الأوروبية، تحوّي في ثناياها أسبابا مختلفة منها سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، وقد تتفاوت التحليلات حول أسباب هذه الهجرة وعمق خفاياها، وكما تختلف القراءات حول فهم وإدراك ماهيتها الجوهرية والّتي من الممكن أن نختزل أسبابها في عدة نقاط وهي: الوضع الاقتصادي السيء الّذي يمرّ فيه الشعب الكردي في سوريا وعدم إستقرار الحالة الأمنية في منطقة الشرق الأوسط عموماً وسوريا على وجه الخصوص إلى جانب الدور السلبي الّذي تلعبه المنظمات المافياوية الإقليمية والّتي تعمل على إفراغ المنطقة من الوحدة القومية للشعب الكردي في مسعى منها تهميش بنية الشعب الكردي سياسياً واجتماعياً واقتصاديا».
وتابع حسين أحمد في دراسته تلك أسباب أخرى للهجرة الكردية منها «وجود تنظيمات إرهابية في المنطقة وفي مقدمتها تنظيم الدولة الإسلامية الّذي يهدد الشرق الأوسط برمته وعدم وضوح مستقبل المنطقة على المدى القريب وكذلك أجندات الدولة الإيرانية والروسية والنظام السوري والّتي تعمل معاً على تغيّير ديمغرافية المنطقة من خلال تهجير السكان الأصليين وتوطين آخرين بدلاً منها إلى جانب الجهات المستفيدة إقتصادياً من مرور المهاجرين إلى أوروبا».
وتتضارب آراء المسؤولين الأكراد حول إيجاد حلولٍ جذرية لهذه الهجرة، فكلا الطرفين السياسيين في المناطق الكردية السورية والمتمثلة بحزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي يتبادلان التهم جزافاً حول هذا الأمر، لكنهما يتفّقان معاً بمطالبة الدول ذات التأثّير المباشر على المنطقة إعادة النظر في دعم ومساندة الجماعات الإرهابيّة الّتي تتخذ هي أيضاً من الحدود التركية السورية ممراً آمناً لتدفق مجاهّديها، إلى جانب مطالبة بعض المسؤولين منهم من المنظّمات الدولية المعنية بالمجتمع المدني دعم الجهات الحقوقية الكردية والمحلّية السورية وكذلك الجمعيات الشبابيّة التي تعمل بشكل ميداني داخل سوريا ومنها الهيئات المهتّمة بالتعليم والتنمية وفعاليات المجتمع المدني، ليتمكنوا بذلك من تخفيف الهجرة الكردية من سوريا، في الوقت الّذي تستمر فيه معاناتهم بين الحدود السورية التركية وكذلك بين حدود البلدان الأوروبية.
ويبقى الرهان الوحيد على الإدارة الذاتية المدنية الّتي تسيطر على المدن الكردية السورية وكذلك المجلس الوطني الّذي يطالب بالشراكة في هذه الإدارة، فيما لو يتمكن الطرفان من تأمين مقومات الحياة اليومية في المدن الكردية من خلال الإتفاق على إدارتهما معاً، لتتوقف هجرتهم غير الشرعية هذه نحو البلدان الأوروبية.
جوان سوز