تونس ـ «القدس العربي»: كثر الحديث في الآونة الأخيرة في وسائل إعلام عربية وأجنبية وفي تقارير منظمات حقوقية تونسية وأجنبية عن انتهاكات لحقوق الإنسان تحصل في تونس ما بعد ثورة 17 كانون الثاني/يناير 2011، خاصة وقد تزامن ذلك مع حملة تقوم بها الحكومة لملاحقة عدد من الجمعيات المشبوهة المتورطة في تمويل الإرهاب. كما تم إغلاق أماكن يدعي البعض أنها دور للعبادة، فيما تصر الجهات الرسمية على أنها أوكار غير مرخص لها للتآمر على أمن الدولة من قبل الجماعات التكفيرية ولا تصنف ضمن المساجد، أو هي مساجد تمت السيطرة عليها عنوة وباتت تبث خطابات للكراهية والقتل فكان لزاما أن تعيد الدولة النظر فيها.
والحقيقة أن تونس هي البلد الوحيد في المغرب العربي الذي لا يخضع فيه تأسيس الجمعيات إلى ترخيص من قبل الجهات الرسمية، ويكفي إعلام الوزير العام للحكومة بتأسيس الجمعية وإعلانها في الرائد الرسمي (الجريدة الرسمية) حتى تصبح قادرة على ممارسة نشاطها والحصول على التمويل اللازم. وقد أدى هذا الوضع إلى استغلال أطراف عدة لحرية تأسيس الجمعيات لتكوين منظمات مشبوهة أفلتت من رقابة الدولة وتورطت فعلا في تمويل الإرهاب وأدان بعضها القضاء التونسي.
ممارسات غير ممنهجة
ولاستجلاء حقيقة الوضع الحقوقي في تونس اتصلت «القدس العربي» بالعضو السابق في الرابطة التونسية لحقوق الإنسان والقيادي البارز في حزب التحالف الديمقراطي المعارض سفيان المخلوفي الذي أكد على أنه، قبل ثورة كانون الثاني/يناير وتاريخ انهيار نظام بن علي، كانت انتهاكات الحقوق السياسية والمدنية في تونس منهجية، أي ان اليد الطولى كانت فيها لأجهزة الأمن وبغطاء سياسي من النظام. وكان القضاء يعمل حسب تعليمات القصر، والحريات تنتهك بشكل يومي والتعذيب أحد الأدوات المتأصلة فعلا وقولا في تونس.
أما بعد قيام الثورة وعزل بن علي منذ بدايات، فقد تطورت العقليات والممارسات وأصبحت الحريات السياسية والمدنية، مكسبا وممارسة عامة وبات تأسيس الأحزاب والجمعيات أمرا طبيعيا والاجتماع والتجمع والتظاهر صار حقا سياساي واجتماعيا… غير ان بعض التجاوزات والممارسات المنافية لجوهر الحقوق المدنية والسياسية ما زالت موجودة ولكن لا يمكن اعتبارها حقيقة ممارسة دولة. فهي، تحدث من فترة إلى أخرى داخل مقرات الأمن من خلال بعض الممارسات المخلة بكرامة الإنسان بشتى أنواعها، ولكنها ليست منهجية وتلقى تصديا لها من قبل المجتمع المدني.
صراع الجديد والقديم
ويضيف: «الحقيقة ان مثل هذه الممارسات ليست معممة ويمكن فهمها في إطار ترسب عقلية لدى المجتمع وأعوان الدولة منذ عقود تتمثل في تجاوز السلطة والافلات من العقاب. ولا يعني ذلك ان المسؤول السياسي في الدولة بريء من هذه الممارسات لأنه في أغلب الأحيان يغض الطرف عنها.. وهناك حقيقة، صراع كبير داخل المجتمع التونسي وأجهزة الدولة بين الجديد والقديم على مستوى العقلية والممارسة فيما يخص احترام أبجديات حقوق الإنسان ومهما كانت التجاوزات المسجلة فان المنحى العام يسير لصالح مبدأ ترسيخها…».
ويرى المخلوفي أن التونسيين ورثوا اجهزة أمنية وقضائية وإدارية متكلسة، تعمل حسب التعليمات وتنخرها لوبيات الفساد وهي قابلة لحد الآن لأن تخضع لأوامر المسؤول الأعلى الإداري أو السياسي أو صاحب المال الفاسد حتى ولو كانت لا تحترم القانون أو تتجاوز على حقوق الإنسان. والمعركة مع هذه العقلية، في رأي محدثنا، محتدمة وتتطلب أدوات ووقتا كي نتخلص منها، فليست السلطة السياسية فقط، في رأيه، من تتحمل المسؤولية في التجاوزات المسجلة بل هي عقلية موروثة منذ قرون ومتفشية في المجتمع جوهرها ان الحقوق يحددها من بيده القوة والهيمنة.
الحقوق الإقتصادية والبيئية
ويعتبر سفيان المخلوفي أنه كلما تحدثنا عن حقوق الإنسان نركز دائماً على الجيل الأول منها أي الحقوق المدنية والسياسية وننسى الجيل الثاني والثالث، أي الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وكذلك البيئية… فنحن في تونس، وبالرغم من التطور الجوهري الحاصل في الجيل الأول من الحقوق، إلا ان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لا تلقى تطورا عندنا بل تدهورا. فالوضع الاقتصادي الصعب الذي عصف ببن علي والذي زادته الحكومات المتعاقبة من كانون الثاني/يناير 2011 تعكيرا، أدى إلى عدم القدرة على إعادة هيكلة الاقتصاد بشكل تكون فيه التنمية بين الجهات متوازنة والثروة الوطنية مصانة والتوزيع عادلا…فكثرة البطالة وتدهور القدرة الشرائية لدى المواطن زادت من تدهور حقوقه الاجتماعية وأصبحت كرامته الإنسانية أكثر انتهاكا في هذا الجانب».
ويضيف: «كذلك فان الحقوق البيئية لا تجد اهتماما البتة. فعلى سبيل المثال تعاني جهة قفصة وقابس من تلوث صناعي كبير تترتب عنه أمراض مزمنة وخطيرة ولا أحد يهتم بوضع برنامج فعال لإيجاد حلول باستثناء صراخ ناشطي المجتمع المدني والذي لا يصغي له أحد… وقضية التلوث في تونس قضية أساسية تمس حقيقة من حق الإنسان في بيئة سليمة لا تهدد صحته. باختصار، في تونس هناك تطور لا يستهان به في مستوى الحقوق السياسية والمدنية لابد من دعمه وتطويره وهناك حقوق اجتماعية وبيئية لابد من العـمـــل عليـــها وجعلها مركزية كذلك لأن مبـــادئ حقوق الإنسان متكاملة وواحدة».
تتبع صحافيين
من جهته أعتبر المحامي والحقوقي التونسي محمد درغام في حديثه لـ «القدس العربي» أن وضع الحريات في تونس ليس مثاليا ولكنه أيضا ليس بالسوء الذي يصوره البعض وخصوصا بعض وسائل الإعلام العربية القريبة من جهات سياسية تونسية خارج الحكم. ما زلنا نشهد عنفا يمارس على المحتفظ بهم (الموقوفون) في جرائم الحق العام من قبل أعوان الضابطة العدلية، وما زلنا نشهد عدم احترام لإجراءات الإحتفاظ التي نص عليها قانون الإجرائية الجزائية التونسي، لكن ذلك يمثل استثناء ولا يرقى إلى مستوى القاعدة.
لكن ما يلاحظ في تونس، بحسب درغام، هو استمرار تتبع الصحافيين على أساس المدونة الجزائية التي تتضمن عقوبات بدنية بحق الصحافيين. لقد كان هذا الوضع سائدا قبل ما تسمى «الثورة» وفي زمن حكم الترويكا والآن أيضا. فلا يعقل أن يحكم على صحافي بالسجن من أجل مقال كتبه أو رأي عبر عنه في إحدى القنوات التلفزيونية أو الإذاعات؟ لكن ذلك لا يمنع من القول أن في تونس اليوم حرية تعبير حقيقية غير متوفرة في كثير من البلاد العربية، بل أنها زادت عن الحد حتى بات من الضروري ضبطها حتى لا يحصل الإنفلات وتعم الفوضى.
بث الكراهية
ويقول:«وفيما يتعلق بما يسميه البعض انتهاكا لحرية العبادة فإنني أعتقد أن في تونس بالفعل مقرات يلتقي فيها التكفيريون للتآمر على الدولة ويدعون لاحقا أنها مساجد، ويوهمون الرأي العام التونسي والإقليمي بأن هناك غلقا للمساجد في تونس ومنعا للمصلين من أداء فرائضهم. كما أن هناك أئمة ثبت تورطهم في تسفير الشباب التونسي للقتال خارج البلاد وحرض بعضهم على المنظمات الوطنية على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل. ويرى البعض أن من الضروري تغييرهم بحملة أفكار تنويرية تقدمية يعلمون الشباب التونسي الذي يرتاد دور العبادة أهمية فعل الخير والإقبال على العلم والمعرفة وغيرها من القيم النبيلة التي يحث عليها الدين الإسلامي الحنيف والتي تغيب عن خطابات هؤلاء».
ويضيف:«أرى أن محاربة الإرهاب واحترام الحقوق والحريات أمران متلازمان لا يمكن الفصل بينهما وهذا ما يجب أن يفهمه التونسيون. فبإمكاننا محاربة الإرهاب دون انتهاك حقوق الإنسان ودون الإعتداء على الحريات العامة والخاصة، ولا يجب في هذا المجال أن نقتدي بالأمثلة السيئة في عالمنا، فإذا انتهك بلد غربي الحقوق والحريات في محاربته للإرهاب فلا يجب أن يكون هذا البلد قدوة لنا مهما كان ماضيه في المجال الحقوقي».
مرحلة جديدة
ويعتبر الحقوقي محمد درغام أن ما حصل مؤخرا من اعتداءات لأمنيين على صحافيين مباشرة بعد العملية الإرهابية الأخيرة في تونس التي استهدفت حافلة للأمن الرئاسي تستوجب أن تتضافر جهودنا لتدريب كلا الطرفين على كيفية التعامل في الحالات المماثلة لا قدر الله مستقبلا. فالأمني مطالب، باحترام الصحافي الذي ينقل للمشاهدين من قلب الحدث، والصحافي مطالب بتحمل عصبية الأمنيـين الذين يعملون لساعات طويلة دون راحة وفي ظروف صعبة وتحت الضغط.
لابد، من التأسيس لمرحلة جديدة في التعامل بين الأمنيين والإعلاميين قوامها الإحترام المتبادل وذلك من خلال إعادة تأهيل من التحق بسلك الأمن الوطني في السنوات الأخيرة بطريقة فيها الكثير من الإرتجال والعشوائية. فقد تم انتقاء كثير من هؤلاء دون احترام المعايير المضبوطة كما لم يخضع أغلبهم لدورات تدريبية كافية لمباشرة العمل ولا علم لعدد معتبر منهم بمنظومة حقوق الإنسان ولا يعلمون شيئا عن الحريات.
حالة الطوارئ
وعن رأيه في حالة الطوارئ التي فرضت في تونس ومدى تأثيرها على الحريات، اعتبر أن التونسيين منقسمون بشأنها، بين مؤيد يرى فيها إجراء ناجعا لمحاربة الإرهاب وملاحقة الإرهابيين في أوكارهم، ورافض يعتبرها إجراء غير ذي جدوى يطلق يد الأمنيين للقيام بتجاوزات دون أن يجدوا رادعا. وبين هذا وذاك احتار التونسيون في أمرهم ومل كثير منهم هذه الأوضاع الإستثنائية التي تمر بها البلاد.
وفي هذا الإطار يعتقد محدثنا أنه كان من المفروض إقرار حالة الطوارئ في هذا الظرف الإستثنائي لكن دون أن يقع دعمها بحظر التجوال من منتصف الليل إلى الخامسة صباحا. حيث أعاق هذا الحظر حرية تنقل المواطنين وعطل الدورة الاقتصادية وقضى على جميع أشكال الحياة.
روعة قاسم