حصار تعز ومحادثات بال

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: بينما يقف المتحاورون في بال خلف شروطهم تقف مدينة تعز وحيدة معزولة عن القرى المحيطة بها، لم يعد من سبيل لفك الحصار عن المدينة بعد أن أطبق الحوثي عليها من المنفذين، منفذ الحوبان (شرقا) ومنفذ بيرباشا (غربا).
وباءت جهود السكان بالفشل وهم يحاولون الوصول إلى أطراف المدينة للحصول على المواد الغذائية، التي تعد الحمير والسير على الأقدام وسيلتهم الوحيدة للتنقل.
وقد أصدرت منظمة ائتلاف بيانا بتاريخ 17/12/2015 ردا على بيان أصدره منسق الشؤون الانسانية في مكتب الأمم المتحدة السيد جيمي ماكغولدريك الذي تحدث فيه عن وصول المساعدات إلى سكان تعز، نفت فيه وصول أية مواد إغاثية إلى المدينة.
وأكدت المنظمة عدم وصول أي معونات أو مساعدات إنسانية حتى اللحظة الى الأماكن المحاصرة وما وصل من مساعدات الى تعز تظل في مناطق خارج المدينة ولا تدخل إلى المناطق المحاصرة أو يتم تخزينها في أماكن غير محددة من قبل برنامج الغذاء العالمي.
ومازالت المستشفيات تعاني من نقص حاد في مادة الأوكسجين وهناك عشرات الوفيات التي قضت بسبب عدم القدرة على التعامل معهم في غرف الطوارئ والعمليات نتيجة انعدام الأوكسجين. ومازالت المدينة تعاني من الحصار الخانق ولم تدخل اليها أي مواد ومساعدات طبية ضرورية. ولايزال القصف مستمرا على المدينة وهناك العشرات من المدنيين قضوا جراء هذا القصف العشوائي خلال فترة ما يسمى بالهدنة.
وطالبت منظمات حقوقية وإنسانية بالتحري والمصداقية في التعامل مع إدعاءات وصول مواد إغاثية الى المدينة؛ كما ناشدت المنظمات الدولية بإرسال مراقبين على الأرض للتأكد من ذلك وزيارة المستشفيات والأسواق التي تعاني من نقص حاد في المتطلبات الضرورية. والدعوة الى فك الحصار عن المدينة وإيجاد ممر آمن لمرور المساعدات والمواد الإغاثية والطبية الهامة، وتوزيع المساعدات المقدمة من برنامج الغذاء العالمي حسب الخطة المعتمدة من قبل البرنامج.
يأتي هذا البيان كاشفاً تردي الأوضاع الانسانية في شتى الجوانب المعيشية للسكان، في ظل هدنة لم يستفد منها المواطنون سوى استمرار المعاناة وتفاقم الأوضاع.
وإذا كان السكان قد تحملوا لسنوات طويلة انقطاع الماء عن المدينة وانعدام مياه الآبار الصالحة للشرب فإنهم في ظل الحصار اعتمدوا على بعض مياه الآبار المالحة الموجودة في المناطق التي تحت سيطرة المقاومة، أو شرائه بأسعار باهظة في ظل سوق سوداء تتاجر بكل شيء .
وقد شهدت المدينة محاولات لفك الحصار عنها بنداء للناشط الحقوقي والصحافي محمود ياسين ومجموعة من رفقائه الذين تم اختطافهم قبيل تحرك الحملة، وإيداعهم السجن، ولا يزال بعضهم في سجون الحوثيين حتى الآن.
كما تم شق طريق ترابي لنقل الماء من جبل صبر، لكن هذا الطريق تم استهدافه من قبل الحوثيين في فترة الهدنة ليتم إطباق الحصار على تعز.
أما الجانب الأكثر مأساوية فيتمثل في الجانب الصحي حيث أعلنت المستشفيات عدم قدرتها على مواصلة إجراء العمليات واستقبال حالات الجرحى، بعد أن فُقدت مواد أساسية في مخازنها.
وقد أطلق الأطباء في المستشفيات نداءات استغاثة بسبب تزايد أعداد الجرحى الذين امتلأت بهم أسرة المستشفى إضافة إلى مرضى السرطان، ومرضى الفشل الكلوي الذين انتهت معاناة عدد منهم بالموت لتوقف قسم غسيل الكلى عن العمل في مستشفى الثورة العام وهو أكبر مستشفيات المدينة بعد تعرضه لقصف الميليشات إضافة إلى انعدام الأدوية.
وفي آخر تحديث لمظاهر الحصار – كما ذكر الناشط فؤاد البنا- فقد تم الاستيلاء على اسطوانات الأوكسجين في منطقة الدمنة من قبل الحوثيين وتفريغها في الهواء كي لا تصل إلى أيدي «الدواعش»، على حسب تعبير الحوثيين المسيطرين على المنطقة.
ولعل هذا الوجه هو الأكثر قتامة في معاناة سكان المدينة، أما الوجه الآخر فيتمثل في انتهاء المواد الأساسية من الأسواق، فبعد انتهاء مادتي الغاز والبترول، يأتي النقص الحاد في المواد التموينية كالدقيق والسكر والخضروات، حيث شهدت محلات المدينة إغلاقا تاما بعد قصف السوق المركزي الكائن بشارع التحرير، وإغلاق سوق السمك، واللحم، وغيرها من المحال التي كانت توفر بعض السلع التموينية، ويسجل أعلى نسبة ارتفاع لسعر الدجاجة (ثلاثة آلاف ريال) في سابقة لا مثيل لها.
ويغامر بعض السكان بالتوجه إلى سوق الجملة القريب من منطقة التماس، في سبيل الحصول على مواد غذائية، ولا يخلو الأمر من مخاطرة، فالقناصة الذين يشرفون على مدخل المدينة لا يتركون لهم فرصة للبحث عن حاجتهم.
وتظهر صورة أخرى من صور المعاناة الأشد تأثيراً على معيشة السكان تتمثل في انعدام السيولة من المصارف ومكاتب الحوالات المالية، حيث يعتمد كثير من السكان على الحوالات المالية التي تصلهم من أقاربهم في شتى دول الاغتراب لاسيما دول الخليج العربي وامريكا وبريطانيا، حيث امتنعت المصارف عن استقبال اي مبلغ يزيد عن 100 الف ريال، ليتم التلاعب بسعر الصرف واستغلالها في السوق السوداء.
وفي حين تنعدم السلع الأساسية وينعدم الغاز يظهر تهريب لألواح الطاقة الشمسية التي صار يعتمد عليها السكان في توفير الكهرباء، وبأسعار باهظة، مما يدل على استغلال الحوثي لكل مظاهر الحياة وظهور تجار السوق السوداء بمختلف التوجهات، ابتداء من تجار البترول والغاز وليس انتهاء بتجار ألواح الطاقة الشمسية.
وأمام هذه المعاناة كان لشباب تعز ونسائها مبادرات تسعى لتخفيف حدة المعاناة عن بعض النازحين الذين فقدوا منازلهم، فنجد عددا من الناشطين المدنيين الذين لم يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرون حجم الكارثة، فصارت قنوات التواصل الاجتماعي تضج بالإعلان عن الحالات البائسة التي يمكن للصحافيين والمصورين الوصول إليها ولفت الانتباه لها ليأتي دور مؤسسة ائتلاف التي تضم عددا من الناشطين والناشطات بجهود ذاتية لتخفيف حدة الحصار.
وتأتي مبادرة الناشط عبد الحميد البترا ورفاقه في إيواء السكان في مدارس في منطقة الحوبان، وتوفير أهم المواد الأساسية لهم عبر إطلاق نداءات في صفحاتهم في الفيس بوك وغيرها من قنوات التواصل الاجتماعي مما دفع بالحوثيين لاختطاف والد الناشط وأخيه رغم مكانتهما الاجتماعية والمهنية في تعز لتخويف الشباب واحجامهم عن دعم المتضررين، كما تأتي مبادرات نسائية تتمثل في حياة الذبحاني وأميرة الصغير وعدد من بنات المدينة اللواتي يجمعن الكعك ويقمن بإيصالها للمقاومين وللجرحى، إضافة إلى تبني مشروع السلة الغذائية التي تعتمد على جمع تبرعات عبر قنوات التواصل ومحاولة إيصال تبرعات لأبناء الشهداء وأسرهم ودعم بعض حالات الاصابات الحرجة التي تحتاج إلى نقل إلى العاصمة صنعاء. ولعل الجهد الأكبر في تخفيف هذه المعاناة يتمثل في دور الصحافيين الشباب الذين يغامرون بحياتهم لإيصال صور المعاناة ليرى العالم ما لم تصل إليه قنوات ومؤسسات الاغاثة التي لها عدد من المكاتب في عدة مدن يمنية ولا سيما في العاصمة صنعاء، ولا يسلم الصحافيون من الملاحقة والإصابات، حيث نقل عدد منهم للعلاج في المستشفيات داخل المدينة أو خارجها، كما في حـــالة الصحافي طه صالح وغيره ممن عــادوا إلى الميدان لنقل الحقيقة للعالم.
ونظراً للوضع الملح للمدنيين في تعز، فإن إيصال المعونات الإنسانية إلى المدينة، يعد البند الرئيس في إجراءات بناء الثقة التي دعا المبعوث الدولي إسماعيل ولد الشيخ وفد الحوثيين وصالح الى الالتزام به، دون ان يبدو في الأفق ان مواد الإغاثة سيصل ملايين المحاصرين في مناطق مختلفة من مدينة تعز وريفها.

سعاد الحدابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية