العدالة الانتقالية صنو الانتقال السياسي

حجم الخط
0

ما من قضية تضاربت حولها آراء القوى الإقليمية والدولية مثلما يحدث في مسألة التغيير السياسي في العالم العربي، وفي القضية السورية عموما، وفي مصير الطغاة وعلى رأسهم فتى دمشق بشار الأسد في مستقبل سوريا السياسي على وجه الخصوص.
فلقد تحول مصير وريث العرش الجمهوري، مع مرور الوقت وتفاقم الأزمات، إلى قضية تقنية قابلة للنقاش والعلاج، في ظل عاصفة خلط الأوراق وإحلال محاربة ما يسمى بالإرهاب محل ضرورات التغير السياسي في أحد أبرز النظم السياسية الشمولية وأعتاها وأكثرها دموية في المنطقة والعالم. في حين يرجع محللون إستراتيجون هذا الانقلاب الكبير في سلم أولويات العملية السياسية في سوريا، الخاضعة، أسوة بغيرها من الصراعات، إلى موازين قوى صارمة تسـتمد نبضها من مآلات العمليات العسكرية في ميدان القتال، فإن قراءة متأنية لمواقـــف المعارضة السورية لضـــرورة رحيل الطاغــــية من عدمه ربما تفسر، في جانــــب منها، ذلك التقهـــقر في التعاطي مع مسألة مصــــير النظام ورأســـه، والمقصود هنا ليس ذلك التناقض الصارخ بين ما يسمى معارضة الداخل ومعارضة الخارج حيال هذه القضـــية المفصـــلية في مستقبل الصراع الســـياسي على السلطة في سوريا، وإنما المقصود هو تواضع خطاب حتى أشد القوى السورية وطنية في تحديد موقفها منها، بعد أن تنازلت، طواعية كما يبدو، عن إحدى أهم المهام الاستراتيجية المنوطة بالثورة السورية، متمثلة في جلب مجرمي الحرب السورية إلى ســـاحة العــدالة والقصاص وعدم تمكينهم من الافلات من العقاب ليس من باب الانتقام الأعمى، بل بوصف ذلك إحدى الركائز البناءة الرئيسية التي لا يمكن إدارة الظهر لها إذا أرادت تلك القوى أن تضمن نجاح ما بات يعرف بمرحلة الحكم الانتقالي أو المرحلة الانتقالية والعبور بسوريا من خلالها إلى بر الأمان.
لا مرحلة انتقالية من دون عدالة انتقالية، بينما تعتبر محاكمة مجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الانسان، في الحالة السورية وشقيقاتها في الربيع العربي، بوابة الخلاص الوطني إن لم نقل إن من شأنها أن تجب مجمل الاخفاقات أو حالات الاهمال المتعمدة وغير المتعمدة في تجارب عربية مماثلة سبقتها، وتدحرجت فصولها هبوطا في مخرجات الربيع العربي، حيث فوتت قوى التغيير فرصة ذهبية مزدوجة عندما لم تمارس حقها في العدالة الثورية في أوج المعركة ضد الطغاة من جهة، وحين تساهلت في محاكمتهم أو تحديد مصيرهم بعد المعركة مباشرة من الجهة الأخرى، متخلية بذلك عن هذه المهمة الوطنية الحساسة للغاية لصالح قوى اقليمية ودولية حرصت كل الحرص على تأمين مخارج آمنة لهم ولعائلاتهم وحاشياتهم، ما أفضى، بالضرورة، إلى استمرار الصراع واحتدامه وإلى فتح الباب واسعا أمامهم جميعا للعودة إلى لعب أدوار رئيسية فتـــاكة وقذرة في المعادلات السياسية الوطنية، ولو بطرق وأشكال مغايرة وغير تقليدية.
حدث ذلك في سائر محاولات التغيير السياسي، التي شكلت ظاهرة الربيع العربي. لا استثناءات على هذا الصعيد، فحتى عملية تصفية القذافي تندرج في السياق المحموم المعادي لمحاولات ترسيخ قواعد دولة القانون في أي بلد عربي على الاطلاق، ذلك أن قتل الطاغية بهذه الطريقة الوحشية غير القانونية يرمي، في المقام الأول، إلى الحيلولة دون ظهور سابقة عربية في ميدان جلب مجرمي الحرب ومنتهكي حقوق الانسان إلى ساحة العدالة، بطريقة حضارية تسهم في هدم التقاليد القضائية الجائرة السائدة في الأنظمة الشمولية، والشروع في تشييد منظومة قضائية عادلة وشفافة تحت مظلة دولة القانون.
حدث ذلك في مصر، التي «تحول أحرارها إلى سجناء وأيقوناتها إلى خونة»، كما يقول أيمن نور زعيم حزب غد الثورة المصري، وعلقت المشانق، وتعاقبت أحكام الاعدام بالجملة، وتلقت الحياة السياسية في البــــلاد طعنة قاتلة في الظهر، وغابت الحريات فيها في ظل الانقـــلاب على المخرجات الديمقراطية لربيـــعها، وما كان لحركة الارتداد هذه أن تتغول في الشأن المصري العام لولا تمكن رموز نظام الطاغية محمد حسني مبارك من الافلات من العقاب، كما حدث ذلك في ربيع اليمن بعد أن ضمنت المبادرة الخليجية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح حصانة لا يستحقها وأنقذته من المثــــول أمام العــــدالة هو ورموز نظامه، ما وفر له مساحة مريحة للانقضـــاض على منجزات الشعب اليمني والشـــروع في ثورة مضادة بالتحالف مع أنصار الله أدخلت البلاد في حرب أهلية طاحنة، مثلما مكنت قوى اقليمية أيضا رئيسا مخلوعا آخر هـــو زين العابدين بن علي من النجاة بنفسه وبعائلته مما كان ينتــظرهم من عقاب، في سياق منظومة عدالة انتقالية كان من شأنها لو وضعت على جدول أعمال الحراك الثوري التونسي لحالت دون عودة فلول النظام السابق إلى الحياة السياسية في البلاد، من بوابة ديمقراطية مرهفة الاحساس تجاه تيارات سياسية بعينها.
في العودة إلى الربيع العربي على الجبهة السورية، حيث تشتد حمى الاجتماعات والمؤتمرات والمقترحات والحلول السياسية، التي تدور بشكل لولبي في دائرة حلزونية مبتدأها ومنتهاها ومحورها مصير فتى دمشق، وبينما يطلب إلى قوى المعارضة السورية تنظيم نفسها وفرز صفوفها ما بين «معتدل» مقبول و»متشدد» مرفوض وإعداد هياكلها التفاوضية استعدادا للولوج إلى مرحلة الجلوس والتفاوض المباشر مع ممثلي النظام حول طاولة واحدة، وفي حين تحاول قوى إقليمية ودولية عديدة إعادة تأهيل النظام السوري وترقيته إلى مرتبة الشريك في الحرب على ما يسمى بالارهاب، فإن الارتقاء بموقف القوى السورية المعارضة من مصير رأس النظام ورموزه ورده إلى أصوله يتطلب أولا، وضع متطلبات العدالة الانتقالية على رأس سلم أولويات الثورة السورية، بغية قطع الطريق على الأصوات النشاز المطالبة ببقاء بشار الأسد في الحكم، وعلى إمكانية اعادة بناء منظومة الاستبداد في التجربة السورية الجنينية، في إطار حراك وطني سوري يتمتع باستقلالية معتبرة وبمصداقية تؤهل ممثليه للتحدث باسم الشعب السوري في مختلف المحافل الاقليمية والدولية وتعيد قضيته إلى مربعها الأول المتمثل في الصراع السياسي على السلطة بعد اخراجه من متاهة الصراعات الاقليمية والدولية، ومن مستنقع الحروب المصنعة بالمنطقة، التي أراد مشعلوها حرف الأنظار والاهتمامات عن وجهتها الحقيقية، حيث توجه أصابع الاتهام والإدانة إلى أشخاص بعينهم، أسماؤهم معلومة ووجوههم مكشوفة وعناوينهم معروفة لمن أراد تحقيق عدالة إن كانت مغيبة، وهي كذلك فعلا، فلا بد من إعداد العدة لقيامتها وتزويدها بكل ما يلزم من سبل البقاء والحياة.
غير ذلك لن يقود إلا إلى حقن دماء جديدة في أوردة أنظمة الاستبداد وإعادة بناء منظوماتها الجائرة، وإلى إفلات المجرمين من العقاب وتفاقم المظلوميات ومشاعر الغبن والرغبة في الثأر والانتقام والانتقام المضاد، فضلا عن استمرار حالات الصراع بأشكال متنوعة واشتعال وإشعال حروب جديدة من شتى الصنوف يصعب تعريفها، كحال الحـــــروب الدائرة في سوريا واليمن وليبيا، حروب بالوكالة بين الدول، حروب عالمية، حروب أهلية، حروب حضارات، حروب مصالح، حروب هيمنة إمبريالية، حروب دينية ومذهبية وجهوية.

٭ كاتب فلسطيني

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية