لندن ـ «القدس العربي»: ماذا يحدث في بر ليبيا؟ لا أحد يعرف تحديداً، حتى الخبراء، تقول صحيفة «أوبزيرفر» البريطانية في افتتاحيتها يستعصي عليهم فهم ما يجري هناك. فقبل أربعة أعوام كان يسهل علينا فهم المعادلة الليبية: انتفض الليبيون الذين هبت عليهم رياح الربيع العربي ضد ديكتاتورهم البغيض معمر القذافي.
وعندما هدد الديكتاتور بأنه سيدمر مدينة بنغازي تدخلت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة عسكريا بناء على قرار من الأمم المتحدة منحها تفويضا لتوجيه ضربات من الجو والبحر.
وكان التدخل وراء استسلام قوات النظام والإطاحة بالديكتاتور وقتله فيما بعد وأصبحت ليبيا حرة. بالنظرة هذه تبدو القصة الليبية بسيطة وسهلة الفهم إلا أن الحرية تحولت إلى حرية في كل شيء.
وتوجهت الفصائل التي توحدت ضد النظام والمنقسمة عرقيا وآيديولوجيا وجغرافيا لقتال بعضها البعض. ولم تنجح محاولات الحكومات الغربية على ما تقول الصحيفة للإشراف على عملية انتقال سلمي للسلطة.
وجاء مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز عام 2012 في بنغازي وعلى يد جماعة سلفية ليذكر الليبيين والعالم بحالة الفوضى التي انزلقت إليها البلاد.
ونتج عن حالة النزاع في البلاد سلطتان متنافستان أو بمعنى آخر حكومتان، واحدة يدعمها تحالف فجر ليبيا الإسلامي في طرابلس وثانية اعترف بها المجتمع الدولي في طبرق.
ولا تسيطر الحكومتان على كامل البلاد فهناك مناطق واسعة في الجنوب والغرب خارجة عن سيطرة أي منهما.
وهو ما يقودنا للحديث عن تهديد «تنظيم الدولة» في العراق وسوريا الذي بنى قاعدة قوية له في ليبيا. وأكد التنظيم حضورا واضحا له في مدينة سرت الواقعة على شاطئ البحر المتوسط وهي مسقط رأس القذافي.
وهو تطور يزيد من تعقيدات المسألة الليبية حيث أضافت بعدا ثالثا للنزاع الدائر في البلاد. وتقول الصحيفة إن الإتفاق الذي رعته الأمم المتحدة بين طرفي النزاع في الأسبوع الماضي لن يسهم في حل المشاكل بل سيفاقمها نظراً لرفض زعامات مهمة في المعسكرين له. فالاتفاقية التي دعمتها أيضا روسيا التي زاد اهتمامها بقتال الجهاديين بعد إسقاط طائرتها التجارية فوق سيناء طموحة وتدعو إلى بناء حكومة وحدة وطنية وبرلمان واحد وتعاون دولي لإعادة بناء الجيش والشرطة في ليبيا وبناء مؤسسات الدولة وإنعاش الاقتصاد المتداعي. والأهم من كل هذا يمنح الاتفاق كما يرى البعض شرعية للدعوة المتوقعة من هذه الحكومة للغرب كي يتدخل عسكرياً في البلاد.
التفكير ملياً
وتدعو الصحيفة عند هذه النقطة الدول الغربية للتوقف وأخذ نفس عميق والتفكير مليا في ما يجري في ليبيا. وترى أن هذا البلد عاد إلى الأجندات الغربية ليس لأن شعبه يعاني وأمته تنهار ولكن لأسباب خارجية.
واحد منها وصول «تنظيم الدولة» إليها أما الثاني فمتعلق بتحول ليبيا إلى مركز تهريب المهاجرين إلى أوروبا أما السبب الأخير فمرتبط بما تملكه البلاد من احتياطات نفطية هائلة والتحكم بصندوقها السيادي الذي قدرت قيمته مرة بحوالي 100 مليار دولار.
ومن هنا تحذر الصحيفة رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وتطالبه بالإجابة على عدد من الأسئلة قبل القفز مرة ثانية على رمال ليبيا المتحركة وكما فعل في عام 2011 بدون تفكير بعواقب تدخله العسكري.
واحد من هذه الأسئلة متعلق بحكومة الوحدة الوطنية المقترحة وإن كانت حقيقة أم سرابا، أما السؤال الثاني فيتعلق بطبيعة التفويض الديمقراطي الذي تستند عليه هذه الحكومة المقترحة خاصة أن خطة الأمم المتحدة تم وضعها والتوافق عليها بدون استشارة الليبيين أنفسهم. وعليه فلن يكون هناك دافع لهم للنظر إليها والتعامل معها كحكومة شرعية. وإن كان الجواب بلا فلن يكون طلب الدول الغربية التدخل العسكري شرعيا؟
وكان وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون قال إنه سيرسل 1.000 عسكري بريطاني لتدريب القوات الأمنية الليبية حالة طلب منه الليبيون ذلك. وتعلق الصحيفة أن قوات بهذا المعنى غير موجودة وهو ما يذكرنا بتصريحات كاميرون عندما تحدث أمام البرلمان عن قوة معارضة سورية ومعتدلة حجمها 70.000 مقاتل، وكان هذا بالطبع مدعاة لسخرية الكثيرين من سوء فهم أو تقدير رئيس الوزراء لأن هذه القوات ليست موجودة.
ومع ذلك يتوقع دبلوماسيون إصدار أوامر هذا الأسبوع لبدء غارات ضد «تنظيم الدولة» في ليبيا وهو ما يعني توسيع المشاركة العسكرية البريطانية إلى جبهة ثالثة بعد العراق وسوريا. وحتى لو كان هذا الفعل قانونيا إلا أن من الحكمة الحصول على دعم من الأمم المتحدة له. وترى الصحيفة أن تحويل ليبيا إلى ساحة معركة مرة ثانية يتناقض مع فكرة بناء الدولة. وتقترح على كاميرون أن يحبس بنادقه ويطلب من البرلمان نقاش الموضوع كما فعل في موضوع توسيع الغارات الجوية إلى سوريا الشهر الماضي.
وتقدم الصحيفة لرئيس الوزراء سؤالاً: في حالة سيطرة الحكومة الليبية على مصادر النفط فمن سيحل محل الجماعات المسلحة والتحالفات القبلية والعصابات التي تعتمد على موارد النفط وتسيطر على عدد من آباره وخطوط نقله.
وفي الوقت الذي تدعو فيه الصحيفة لمواجهة أي محاولة من «تنظيم الدولة» توسيع تأثيره في ليبيا وتشاد ومالي وحتى شمال نيجيريا وكذا في سيناء المصرية التي يتزايد فيها حضور «تنظيم الدولة» وفي أفغانستان أيضا إلا أن هذا لا يدعو للقيام بأفعال متعجلة.
فهل يدعو كاميرون لملاحقة «تنظيم الدولة» في أي مكان ظهر له فيه رأس، فهذه ليست سياسة وإلى أين ستنتهي. والحقيقة ان ما نراه حسب الصحيفة هو حالة من الذعر.
الحصول على تفويض
وفي تقرير أعده كريس ستيفن حول التحضيرات الغربية للتدخل في ليبيا نشرت الصحيفة نفسها تقريراً حول دعوة الغرب الفصائل المتناحرة من أجل الوحدة تـمهيداً للتـدخل العسـكري. جاء فيـه أن المسؤولين الغربيين يحثون الخطى للحصول على تفويض لتوجيه ضربات جوية في الأيام المقبلة قبل أن يتقدم مقاتلو «تنظيم الدولة» نحو المدينة الاستراتيجية أجدابيا التي تعتبر الممر الرئيسي نحو الثروة النفطية في البلاد. وتدور مواجهات حول المدينة الواقعة على هضبة صخرية تطل على موانئ النفط في شرق البلاد. وتعني السيطرة عليها التحكم بحوض سرت النفطي.
ويقول ستيفن إن الطائرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية تقف على أهبة الاستعداد للانطلاق وتوجيه ضربات من قواعدها في البحر المتوسط فيما تقوم طائرات استطلاع وطائرات بدون طيار بالتحليق وبشكل متكرر في الأجواء الليبية ورصد تحركات المقاتلين وقوافلهم. وتم رصد تحركات للقوات الأمريكية الخاصة في الصحراء الليبية حيث التقطت صورا لوحدة منها في قاعدة «الوطية الجوية».
ومع كل هذه التحركات إلا أن العملية العسكرية الجوية لن تبدأ قبل أن تتقدم الأطراف الليبية المتنازعة بطلب رسمي يأمل المخططون العسكريون الغربيون حصوله في وقت سريع.
وذلك بعد الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة الأسبوع الماضي والذي يعد بتشكيل حكومة وحدة وطنية تدير البلاد التي تعاني من حالة فوضى مستمرة. وتقول «أوبزيرفر» إن المسؤولين الغربيين ينظرون بعين الأهمية للغارات الجوية على ليبيا ويعتبرونها ضرورية للحفاظ على المكتسبات التي تم تحقيقها في سوريا والعراق حيث يقوم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة بجملة جوية منذ العام الماضي. وفي حالة نجاح التنظيم في بناء قاعدة قوية له في شمال أفريقيا فستضيع كل النجاحات التي تحققت. وتقول الصحيفة إن «تنظيم الدولة» يعيد تنظيم نفسه عالميا وقام بتحريك مقاتلين تابعين له من السودان وسوريا وتونس والعراق نحو ليبيا، سواء بالبحر أو عبر شبكات تهريب الأسلحة والبشر الموجودة على طول الحدود الليبية مع جيرانها والتي لا تتوفر لها حراسة قوية.
خطة أمريكية
وتشير الصحيفة إلى أن الإستراتيجية لضرب «تنظيم الدولة» في ثلاث مناطق: سوريا والعراق وليبيا توضحت في كلمة للرئيس الأمريكي باراك أوباما حيث قال إن التحالف الدولي الذي تقوده بلاده سيهزم «تنظيم الدولة»، «بشكل منظم ويضيق عليهم» أي قادتهم.
ويرى ستيفن أن التركيز الآن في ليبيا هو على أجدابيا. وشهدت المدينة تحولاً كبيراً منذ سبعينات القرن الماضي وذلك بسبب الثروة النفطية.
وستعطي سيطرة مقاتلي التنظيم عليها فرصة للسيطرة على الموانئ النفطية والهلال النفطي الذي يمتد على مساحة 150 ميلاً على طول ساحل البحر المتوسط إلى معقلهم في سيرت وجنوباً إلى حقول النفط.
وبحسب المحلل الليبي محمد الجارح «في حال سيطر «تنظيم الدولة» على أجدابيا فسيؤثرون على كل المنطقة» وأضاف أن «تنظيم الدولة»، «يوجه اهتمامه نحو النقاط الضعيفة في ليبيا كي يتمدد».
حرب شوارع
وتتواصل العمليات القتالية في داخل المدينة حيث يتبادل المقاتلون النار وتشهد شوارعها مواجهات شديدة. وقال رئيس بلدية المدينة إن القصف المدفعي عشوائي وأن الإمدادات الطبية داخل المستشفيات تنفذ بشكل سريع.
وتحتل المدينة موقعا استراتيجيا هاما وتاريخها شاهد على هذا حيث كانت مسرحا للمعارك ودمرت أكثر من مرة منذ العصر الروماني وحتى اليوم.
وعندما سيطر المقاتلون الليبيون عليها في أثناء ثورة عام 2011 سيطروا على المنشآت النفطية وهو ما عجل بنهاية نظام القذافي.
ويعلق كاتب التقرير أن الناتو قام 4 أعوام بحرف ميزان الحرب لصالح المقاتلين المعادين للقذافي، ويعتقد المخططون العسكريون في الغرب أن بإمكانهم تكرار نفس الأمر.
وجهزت الدولة الغربية أساطيل جوية وبحرية للهجوم على «تنظيم الدولة».
وقامت مقاتلات أمريكية من نوع إف-16 بتوجيه ضربات لتجمع نظمه تنظيم «القاعدة» في تموز/يوليو حيث انطلقت من قواعدها الجوية في إيطاليا. أما المقاتلات البريطانية: تايفون وتورنيدو فتنتظر الأوامر في القاعدة العسكرية البريطانية في جزيرة قبرص وتقوم في الوقت نفسه بالمشاركة في الهجمات على سوريا والعراق. وفي الوقت نفسه تقوم طائرات الاستطلاع الفرنسية والأمريكية برصد تحركات «تنظيم الدولة». وكشف عن الوجود الأمريكي في الأسبوع الماضي عندما نشرت صورة بدون قصد تظهر 20 جنديا من القوات الخاصة على عربات دفع رباعي وأدوات مراقبة قرب قاعدة الوطية الجوية التي تبعد 30 ميلاً عن قاعدة «تنظيم الدولة» في العجيلات قرب سبراطة.
وتقول مصادر ليبية إن الأمريكيين يعملون في ليبيا منذ أسابيع حيث استخدموا عددا من طائرات النقل العسكرية والتي التقطت لها صور في القاعدة، مثل طائرة بدون طيار مطلية بالازرق والأبيض «وولفاوند- سي-146» وقامت بعدة رحلات إلى داخل وخارج ليبيا حيث تعمل من الجزيرة الصغيرة في بانتلريا الواقعة بين صقلية وتونس.
ويظهر سجل الطائرة أنها سافرت إلى شوتغارت حيث القاعدة العسكرية للقيادة المركزية الأمريكية في أفريقيا، ومنها يتم تنسيق المهام الجوية في ليبيا خاصة أن الحكومتين في طبرق وطرابلس ترفضان توجيه دعوه للتدخل العسكري الخارجي. وعليه تأمل الولايات المتحدة من خلال دعمها للمبادرة التي رعتها الأمم المتحدة أن تقوم حكومة الوحدة الوطنية بتركيز جهودها على قتال «تنظيم الدولة».
ويتوقع الدبلوماسيون أن تقوم الحكومة هذه بتوجيه دعوة رسمية للتدخل الجوي في نهاية هذا الأسبوع. ويعلق ستفين أن هذه الدعوة مهمة بالنسبة لكاميرون الذي يريد تجنب تصويتا جديدا في مجلس العموم بعد التصويت على ضرب سوريا الشهر الماضي. فدعوة رسمية كتلك التي وجهها العراق ستحلل حكومة كاميرون من أية التزامات تجاه البرلمان وتعطيه القدرة على المشاركة في الغارات الجوية.
وبحسب الخبير جون هاميلتون، مدير منظمة «كروس بوردر إنفورميشين» في لندن «يقوم «تنظيم الدولة» بتقوية حضوره وهو يهدد الآن حوض سرت النفطي». وأضاف «لو كان الغرب مصمماً فسيستخدم (الدعوة الرسمية) للتدخل». ويتوقع أن يبدأ الغرب غاراته هذا الأسبوع وسيركز على مدينة أجدابيا حيث سيتم ضرب قوافل التنظيم خارجها. كما وستقوم طائرات التنظيم بالتركيز على قيادة التنظيم في قاعدة العجيلات لأنها تعتبر مركزا لتدريب الإرهابيين الذين يتم إرسالهم إلى الخارج.
وتقول الحكومة التونسية أن المسلح الذي قتل 38 سائحا منهم 30 بريطانيا على شاطئ سوسة في حزيران/يونيو تلقى تدريبه في ليبيا. وكذا تلقى مهاجما متحف باردو واللذان قتلا 23 شخصا في آذار/مارس الماضي.
وقالت الحكومة إن الهجوم على الحرس الرئاسي الشهر الماضي تم التخطيط له من ليبيا. وستكون سيرت هدفا صعبا لكسره خاصة أن التنظيم يعيد نسخ الممارسات التي يقوم بها في الرقة السورية ويستخدم السكان كدروع بشرية. ولن تتم هزيمته فيها إلا عبر قوات برية. وفي الوقت الذي سترسل فيه إيطاليا وبريطانيا مئات الجنود لتدريب قوات الأمن والجيش الليبية فلن يشارك إلا عدد قليل من القوات الخاصة البريطانية «أس إي أس» في المعارك ضد الجهاديين في سيرت.
ويرى ستيفن أن هزيمة الجماعة الإرهابية يعتمد في النهاية على الفصائل المسلحة، وهذا يعتمد بدوره على تلك التي ستدعم حكومة الوحدة الوطنية.
وترى نادية رمضان، المعلقة الليبية أن «القصف بالتنسيق مع جيش ليبي قوي على الأرض قد يعمل». و»في الوقت الحالي ليس من الواضح أن كل طرف يدعم حكومة الوحدة الوطنية».
إبراهيم درويش