بُكائيّات السيادة التي قُدّت من دُبر ومن قُبل

قصائد اعر كثيرة ونثر، وخطب رنانة بلسان شيعي وسني وكردي وتركماني، سمعناها تبكي السيادة في أروقة السياسة، بعد الاختراق التركي للأراضي العراقية، لكننا لم نفهم ما الذي يقصدونه بالسيادة.
فلقد تعذر علينا الفهم في ظل قبول الاختراق من هذا الطرف، ورفض الاختراق الذي يقوم به طرف آخر، وحين استوضحنا قالوا إنما المواقف حسب المصالح. بمعنى أن هنالك سيادة شيعية وسيادة سنية، وسيادة كردية، وربما أكثر، نزولا إلى القبيلة والعشيرة والحزب والميليشيا. فكل شيء في عراق اليوم قائم على هذا الفهم اللعين للأمور، التي بسببها أصبحنا مكونات وليس شعبا واحدا كما عرفنا. من حقنا أن نسال عن حدود السيادة الشيعية، وعن محرمات السيادة السنية، وعن قدس أقداس السيادة الكردية؟ وهل هذه السيادات هي امتداد للسيادة الإيرانية والتركية؟ أم كلاهما معا كما هي عند الأكراد؟
سمعنا البعض كان قد أطلق على يوم الغزو والاحتلال بأنه يوم السيادة، والآخر وصف الانتخابات الأولى بأنها يوم السيادة، وثالث اعتبر مغادرة القوات الأمريكية هو يوم السيادة، وهو ما يؤكد ألا أحد لديه مفهوم واضح للسيادة. يرتفع مؤشرها لدى أحزاب الإسلام السياسي السني عندما تقد حدودنا إيران من دُبر، فتسيل التصريحات كزبد البحر، ويرتفع خطها البياني جنونيا من قبل أحزاب الإسلام السياسي الشيعي عندما تقد حدودنا تركيا من قُبل، فتسيل التهديدات بالقصف بالصواريخ والوعد والوعيد، حتى باتت شيئا هلاميا ينفخ الغضب لدى هذا الطرف أو ذاك. ينتخي رئيس الوزراء السابق للسيادة التي ثلمها الاختراق التركي، فينزل إلى ساحة التظاهرات مُحشّدا الجيش والشعب لطرد الغزاة، وهو من أجلسه الغزاة الأمريكان على كرسي الرئاسة ثمانية أعوام كدُمية، فنسي أنهم من اخترق السيادة العراقية واحتلوا الوطن بكذبة. كما نسي أن إيران في عهده صار لها رأي في تعيين الوزير والغفير في دوائر الدولة العراقية. إذن ما هي السيادة وكيف لنا أن نفهم معانيها في ظل هذا الهراء؟
لقد ارتبط مفهوم السيادة ارتباطا وثيقا بالاستقلال، لأن الأخير هو الذي يعطي الدولة المساحة القانونية لممارسة سيادتها، التي هي شرط أساس لكل دولة، صغيرة أم كبيرة، شرقية أو غربية. والسيادة أفعال على أرض الواقع، وليست مظاهر وشعارات وتظاهرات، مجالها الصعيدين الداخلي والخارجي الذي من حقها أن تطبق فيهما رؤيتها الخاصة، بدون إذن من أحد، أو اعتراض من قبل هذا الطرف أو ذاك، وبدونها يصبح أي حديث عن سلطات الدولة المطلقة داخل حدودها المعروفة والمعترف بها مجرد وهم، لأنها هي وحدها من يعطي الدولة مقبولية قانونية للظهور في العالم الخارجي، وإقامة علاقات واتصالات متكافئة معه، وفق مبدأ المساواة والندية مع كل الكيانات السياسية الأخرى المكونة للمجتمع الدولي. ويؤكد علم السياسة على أن الدولة تعتبر ناقصة السيادة إذا شاركتها دولة أخرى في ممارسة اختصاصاتها الأساسية، التي تمكنها من فرض إرادتها على الأفراد والهيئات، بما يجعلها غير خاضعة لغيرها في الداخل والخارج. ولو طبقنا هذه المقاييس على السيادة العراقية نكاد نصل إلى نتيجة واحدة وهي، أن العراق كيان منزوع تماما منها.
ففي الداخل لا وجود لهيبة الدولة وسلطانها، وأن إرادات أفراد وهيئات كثيرة سقوفها أعلى من إرادة الدولة بكل مؤسساتها، بل أن مؤسسات الدولة في غالب الاحيان ترسم سياساتها وتقرر حدود إراداتها، في ضوء إرادات الآخرين، وبما لا يتقاطع معهم، حتى وصل الحال إلى قيام بعض الهيئات بتهديد مؤسسات الدولة من تشريع قوانين لا يرغبون بها، كما حصل عندما حاول البرلمان مناقشة قانون الحرس الوطني، حيث حذرت بعض القوى الميليشياوية المسلحة أعضاء البرلمان من تمرير القانون المذكور. كما تهربت الدولة من موافقتها على الوجود التركي في شمال العراق، ومن مؤتمرات المصالحة مع المعارضين للعملية السياسية، بعد أن هددتها تلك القوى. أما على صعيد ابتزاز الدولة كي ترسم علاقاتها الخارجية وفق رؤية قوى متنفذة، فقد اتخذت أشكالا كثيرة أبرزها، عمليات الاختطاف لرعايا دول أخرى، والقصف الصاروخي لمصالح تلك الدول، والغريب أن بعض الجماعات المسلحة تصدر بيانات رسمية تهدد بها دول الجوار، وتعلن عما في حوزتها من صواريخ قريبة ومتوسطة المدى، بدون أن تخشى ردة فعل الدولة عليها، مما يؤكد مدى خضوع الدولة لأجنداتها السياسية والعسكرية. فقد تم اختطاف ثمانية عشر عاملا تركيا من مشروع ينفذونه لصالح الدولة، وطالب المختطفون بموقف سياسي من تركيا يتفق مع أجندتهم، كما اختطف مؤخرا عدد من الصيادين القطريين الذين دخلوا الاراضي العراقية بموافقات رسمية، من قبل مجاميع مسلحة يقودون رتلا من السيارات، تقول بعض المصادر إن عددها أكثر من أربعين سيارة، ثم تبع الحادث قيام مجموعة مسلحة بالدخول إلى حقل بدرة النفطي في محافظة واسط جنوب بغداد، بحجة تبعيتهم إلى جهة مسلحة ويرومون تفتيش الموقع، ثم قاموا بسرقة العديد من السيارات وأجهزة الحاسوب. أما على الصعيد الخارجي فلقد شاهد العالم كله اقتحام آلاف الايرانيين والافغان الحدود العراقية بالقوة، ودخلوا أراضينا بدون تأثيرات قانونية، بل حتى بدون جوازات سفر أو هويات شخصية، بعد أن سمحت لهم السلطات الإيرانية بالقيام بهذا الفعل وشجعتهم عليه. كما أغلقت الصواريخ الروسية المنطلقة من البحر إلى سوريا الأجواء العراقية، وأغلقت مطارات شمال العراق، بعد أن باتت تهدد الطيران المدني، بينما لم تكلف روسيا نفسها أخذ الإذن من السلطات العراقية للسماح لها بذلك، في حين تعذر عليها إطلاق تلك الصواريخ من أماكن أخرى، لأن بعض دول شرق أوروبا رفضت السماح للصواريخ الروسية بالمرور في أجواء بلدانها. إنه غيض من فيض من المؤشرات والدلائل المؤكدة التي تدل على أن لا سيادة عراقية على أرض الواقع.
لقد غابت الدولة تماما عن المشهد وغاب معها كل مظهر من مظاهرها، بعد أن باتت عبارة عن مسرح للخلافات والفساد، وتوزعت سلطاتها في أكثر من مكان، جميعها ليست موجودة في الدولة نفسها، حتى بات العراقيون اليوم خاضعين تماما إلى سلطة وسيادة الزعيم القبلي، ورجل الدين، والأحزاب السياسية الإسلامية الطائفية والإثنية، وميليشيات السنة والشيعة والاكراد، وبالوقت نفسه يخضع العراق كله أرضا وشعبا ومياها وسماء، إلى سلطة وسيادة الايرانيين والاتراك والامريكان والروس والانكليز والالمان، الذين ملأوا العراق جنودا مرئيين وغير مرئيين، عسكريين واستخباراتيين.
حتى الطليان أرسلوا لنا مؤخرا قوات لحماية سد الموصل، بينما يعلم الجميع أن أي جزمة عسكرية أجنبية أو عجلة عسكرية تطأ أي أرض في الكون، تترتب عليها استحقاقات سياسية وأمنية جميعها تأكل من سيادة الدولة وسلطتها على كيانها. فليصمت سنة السلطة وشيعتها عن البكاء على سيادة غير موجودة أصلا.

٭ باحث سياسي عراقي

د. مثنى عبدالله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية