قالت لي صديقتي ربى، التي يتمنى كثيرون أن يحظوا بلفتة كريمة أو ابتسامة أو كلمة طيبة منها: «رغم روعة النرجس وعصا الراعي والقندول، إلا أنني أعشق شقائق النعمان أكثر، الزهرة التي أطلق عليها أجدادنا الكنعانيون تسمية (جروح الحبيب)، لو كان بيدي، لملأت الدنيا منها، أنت لا تعرف ما الذي يفعله هذا الأحمر القاني بمشاعري، إنها الزهرة الوحيدة التي تعيد لي طفولتي بأبهى لحظاتها».
سمعتُ هذا منها في كثير من المرات وبحماسة غريبة، كلما تناول أحدهم سيرة الأزهار أو الفصول على مسامعها. حتى صرت أتوقع ما ستقوله قبل أن تفتح فمها.
في يوم دافئ وكنا على سفح تلة جفت أعشابها قالت: في الربيع يكون هذا المكان قانيا كالدم!
قلت لها: «أعدك بلوحة لرسام محترف للزهور التي تعشقينها، لتكون معك كل أيام السنة».
لمعت عيناها فرحا:أحقًا…هل تعدني حقا!
– طبعا ولم لا!
– ولكنها قد تكون باهظة الثمن! اللوحات الأصلية ثمينة!
– حتى ولو! أنت تستحقين أكثر من هذا.
رأيت السعادة تشع من عينيها، أردت ببساطة أن أسعدها، فهي تسعدني لمجرد حماسها للحديث معي، وطيبتها وثقتها بي.
بدأت البحث عن رسام محترف ليقوم بالمهمة، وسرعان ما عثرت على رسامة، علقتْ شهاداتها الفنية على جدار مرسمها.
بعد أسبوعين كانت اللوحة جاهزة، ودعتني لاستلامها، ولكن عندما رأيتها لم ترُق لي، فهي ليس ما رسمته في خيالي، الزهور تبدو متفرقة، بينها فراغات كبيرة، والأحمر القاني ليس قويًا مهيمنا، تخيّلت بقعة واسعة من الأرض، مكسوةً حتى الإشباع بهذه الزهرة، هذه لا تليق بصديقتي قلت لنفسي.
التقينا أكثر من مرة بعد وعدي لها، وكانت عيناها كأنما تسألانني ..ماذا مع الوعد!
لم أتحدث في الموضوع، قررت أن تكون مفاجأة جميلة في يوم ما، ذهبت إلى رسام آخر وأوصيته على اللوحة، شرحت له ما الذي أريده، فقال لي:» لا أعدك في الوقت القريب، أنا لا أرسم إلا حين يكون مزاجي مقبلا على الفكرة، ولا أعرف متى سيكون رائقا ومواتيا لرسم حقل من شقائق النعمان».
لم أنتظر مزاجَه، وانتقلت إلى رسام ثالث! عرض عليّ لوحات جاهزة لمختلف أنواع الزهور ولكنني أصررت، لا أريد سوى شقائق النعمان، فوعدني بها!
بعد أسبوعين دعاني لاستلامها. كانت بضع زهرات في حوض على شرفة منزل فخم كأنه القصر، ليس هذا مكانها، هذا أيضا ما لم أرده! أريدها من منبتها، في سهل أو سفح، شقائق النعمان بمشهدها وكثافتها المثيرة للدهشة، التي تشبه صرخة وأوجاع الأرض، أو كما وصفها غسان كنفاني مرة في روايته التي لم تكتمل» برقوق نيسان»، مثل جسد شهيد ثقب جسده بالكثير من الرصاص».
سافرت صديقتي ربى إلى الجنوب لتعمل مُدرّسة، لم نعد نلتقي، وخفّت بيننا الاتصالات.
مرّت ثلاث سنوات ولم أرها، انقطعت بيننا حتى المهاتفات والمراسلات إلا نادرا، وعندما نتحدث فهذا يكون بسرعة وبدون الحرارة التي كنت أعهدها بها، بضع كلمات عن العمل والصحة، ولكن كلما تذكّرتها، شعرت بغصّة، لأنني لم أف بوعدي لها باللوحة.
في يوم ربيعي ما هاتفني أحدهم وعرّف على نفسه قائلا: هل نسيتني!؟..أنا الرسام الذي طلبت منه لوحة شقائق النعمان، يا صاحبي لقد أعددت لك لوحة رائعة!
– آه أذكر، ولكن ما حاجتي بها الآن! بعد ثلاث سنوات ؟! تذكرت وجه صديقتي وابتسامتها ولمعان عينيها يوم وعدتها باللوحة.
– ليس مهمًا أن تقتنيها…تعال فقط انظر إليها.
عندما رأيتها لم أتمالك نفسي…يا إلهي! ما هذه الروعة والفخامة! إنها بالضبط اللوحة كما عاشت في خيالي، الأحمر كثيف، الأخضر الحشيشي والأرض القشيبة والغيمة الوحيدة في الأفق، أعداد الأزهار كثيرة جدا ومتداخلة لا يمكن إحصاؤها، وفي الوقت ذاته تبدو وكأن لكل زهرة خصوصيتها، في إطار برونزي أنيق، بمقاييس المستطيل الذهبي ولكن بشكل أفقي! إنها لوحة مطابقة للحلم وربما تفوقه، ولكن خسارة، خسارة أن صلتي بصديقة ربى شبه مقطوعة، على كل حال سآخذ اللوحة، إنها رائعة.
أخذت اللوحة وأنا أفكر بالصديقة التي استقرت في الجنوب، أرسلت لها رسالة إلكترونية وأعلمتها بأنني أعددت لها اللوحة التي وعدتها بها يوما. مر يوم وأسبوع وأسبوعان ولم ترد على رسالتي، يبدو أن الأمر لم يعد يعني لصديقتي شيئا.
كانت قريبة للعائلة قد انتقلت إلى بيتها الجديد، وكنت محتارا ماذا أهديها، ترددت هل أهديها اللوحة الجميلة ذاتها! قريبتي طيبة جدا، ولكن لا أعرف إذا ما كانت تحب شقائق النعمان مثل صديقتي (ربى)، ولكنني لا أريد الاحتفاظ بها، أريدها أن تكون هدية لشخص عزيز! أريد أن يصبح إهداء اللوحات عادة، بدلا من هدايا الطناجر والأطباق أو المزهريات التي تتحول إلى مخزن للمفاتيح وفواتير الكهرباء والهاتف والضرائب والمحولات الكهربائية لمختلف أجهزة الهاتف.
أخيرا حزمت أمري وأهديتها لقريبتي، سُرّت، بها كثيرا، وعلّقتها على جدار صالون بيتها الجديد، وهي في غاية السعادة!
لم يمض أسبوع حتى فوجئت بسيارة تقف أمام بيتي، ترجّلت منها سيدة أنيقة، رفعت يدها محيية، يا إلهي…إنها صديقتي ربى، تقدمت بخطى وئيدة مني، كان فرح طفولي يشع من وجهها وتقول: ها قد أتيت! أين لوحة شقائق النعمان يا صديقي…!
كاتب فلسطيني
سهيل كيوان