الاردن: معضلة الاصلاح السياسي

حجم الخط
0

مع مرورأكثر من عامين على الحراك السياسي المطالبي في الاردن، تظهر مشكلة تعريف حقيقة الاصلاح السياسي وكأنها المعضلة الأكبر اليوم في الأردن حيث تظهر محاولات توظيف واضحة من قبل قوى متعددة لهذا المفهوم. فعلى سبيل المثال، لا يمكن ايجاد اي نوع من انواع الالتقاء الفكري بين القوى القديمة المحافظة والقوى الناشئة في كيفية المضي قدماً نحو الاصلاح. فالفريق التقليدي المحافظ، يرى في الاصلاح تهديداً للمكتسبات التي حققها عبر آلية الحكم السابق.
من هنا، عملت هذه الفئة على تسويق فكرة الاصلاح بصورة مشوهة، بحيث تعمل على اظهار هذه الفئة وكأنها الاكثر قلقاً على مصير الدولة والعرش، فجاءت مناكفاتها المستمرة تحت اطار ضرورة المحافظة على الملك، وفي بعض الأحيان تجاوزت ذلك لتصل الى حد انتقاد الملك نفسه. ليتبين لاحقاً ان بعض هذه الحالات ارتبط بشعور ذاتي ناجم عن عمليات تهميش وإقصاء تعرضت لها هذه الشخوص، وفي بعض الاحيان كانت المناكفات نتاجاً لأمور أبسط من هذا بكثير، كالاستبعاد عن موائد الملك مثلاً.
على الصعيد الآخر، اتخذ ظهور القوى الناشئة في بداياته صورة المطالبية المرتبطة حصرياً بموضوع الفساد ومكافحته ومحاسبة شخوصه.
هذه الانطلاقة تستدعي التوقف ملياً عند ابعاد هذه الجزئية، حيث من الطبيعي ان تعمل هذه الانطلاقة على اختزال عملية النمو الفكري للحراك السياسي بالإطاحة بشخوص لا بنهج، ويحولها في بعض الأحيان الى أداة يتم استثمارها من قبل أعضاء نادي الدولة المتخاصمين ضمن سعيهم الشخص لتصفية الحسابات أو تسجيل حالات شعبوية.
هذا ما قد يفسر أيضاً سرعة تحول بعض المسؤولين المعروفين باستعلائهم على العامة والانغلاق على انفسهم الى شخصيات عامة تسعى للتواصل مع الجمهور عبر وسائل التواصل المجتمعي ضمن محاولات واضحة لرسم صورة ‘مسؤول ما بعد الربيع العربي’ القادر على مواكبة التغيير والصالح لكل المراحل. لكن، من الواضح أيضاً ان هذا التحول الذي فرضه الحراك السياسي في الأردن قد أثار حفيظة قطاع واسع من الشخوص الذين تم فرضهم على الدولة الأردنية خلال العقد الماضي ليتولوا ادارة وزارات مؤثرة ضمن عمليات التنمية والتطوير والتواصل مع المانحين الاجانب. بعض هذه الشخوص وخصوصاً تلك التي اضطرت مرغمة للخروج من المشهد، تشعر ـ بلا شك- بحالة من الحنق تجاه الحراك السياسي الأردني، حيث تعمل -في أغلب المناسبات- على تقزيم هذا الحراك ومهاجمته في الدوائر المغلقة الرسمية والاجنبية، في محاولة لإعادة تصوير الاردنيين على انهم اناس بعيدون عن السياسة وباحثون عن الحاجات الاساسية أو ‘الطعام’ فقط وفقاً للترجمة الحرفية للمصطلح المستخدم من قبل هذه النماذج.
ويصر نموذج ‘الزيف الليبرالي’ على ربط أسباب التعثر الاقتصادي اليوم بالحراك السياسي بينما يتم التغاضي عن الحديث عن الاسباب الحقيقية للانهيار الحالي والذي هو نتيجة طبيعية لطريقة ادارة الدولة طوال السنين الماضية والتخبط في ادارة المشاريع والتخطيط غير الواقعي والاغتصاب الفعلي للقرار السياسي من قبل هذه الفئة التي نجحت في سنوات قليلة بصناعة الواقع المؤسف الذي نعيشه اليوم من أزمة اقتصادية معمقة وفجوة بين النظام السياسي الحاكم وشعبه. الملفت للنظر’ان هذه الفئات المفروضة على الاردنيين مازالت تنكر أي جانب ايجابي للتطور الحاصل على الأرض.
ان الوقوف على نمطية هذا الفكر من جوانبه المتعددة قد يوضح الكثير من أسباب تعثر المشروع الاصلاحي الأردني. فالقضية في الأردن ليست صراعا بين حرس قديم وجديد، او محافظين تقليديين وليبراليين تقدميين، او حالة انتهازية لتيارات دينية. القضية في الأردن قد تكون أبسط من هذا بكثير، فهي اولا وأخيراً صراع على السلطة وصراع على الصلاحيات. والأهم ان دائرة صنع القرار السياسي مازالت مليئة بعقليات رجعية ‘اقطاعية’ تختبئ خلف رداء ليبرالي اصلاحي، فهي في غالبيتها مرتهنة بمشاريع اصلاحية فوقية، قادمة من الخارج ولا تمت الى الواقع الأردني بصلة، وتعتقد ان قمة الليبرالية تتمثل بامتلاك شهادة جامعية غربية وامتلاك لكنة اميركية كعامل أساسي للتسويق السياسي.
فعلى سبيل المثال، تغيب مفاهيم الكرامة والعزة تماماً عن قواميس هذه الفئات الرافضة لتفسير دوافع الحراك الأردني على أنها حالة من رفض استمرارية اغتصاب القرار السياسي أو انهــا شعـور فائـض من العـزة والكـرامة التي لا يمكن انتهاكها.
اما الأدهى فهو انكار هذه العقليات ‘لاستشراقية الزائفة’ لحق الاردنيين في صياغة واقعهم السياسي، والاصرار على توظيف ذريعة غياب الوقت الكافي لخوض التجارب السياسية، وهي بذلك تنكر أبسط حقوق الشعوب المرتبطة بخوض تجاربها السياسية والتفاعل مع عملية النمو الطبيعي للفكر الايديولوجي وصياغاته المستقبلية. على كل الأحوال، لا يمكن انكار ان حالة النزول الى الشارع وانتهاء حالة العزوف عن العمل السياسي أدت الى انتاج واقع مجتمعي جديد، لا يمكن الانتقاص منه او مهاجمته، فهو حراك يبحث عن بوصلته السياسية التي تم تغييبها عبر السياسات السابقة من اقصاء وتهميش وقمع تم ممارستها مطولاً بحق العمل السياسي وناشطيه.
اليوم، يبقى التحدي الاساسي يتمحور حول تعريف الاصلاح السياسي وحيثياته ضمن اطر تحديثية جديدة، ورصد حالات التطور الفكري الاردني عبر معايير جديدة بعيدة عن تقليدية الايديولوجيات الصلبة. فالمناخات المجتمعية الجديدة تشير ان الايديولوجيات السياسية تمر بحالة من اعادة الصياغة ضمن أطر مناسبة للواقع الجيوسياسي والتاريخي.
ولا يمكن انكار الاشارات التي تشير الى وقائع مجتمعية جديدة توضح حجم الأزمة السياسية في المجتمع الأردني وسرعة اتساع الهوة بين مكونات النظام السياسي والشعبي. ضمن هذا المخاض الشائك، تبقى أكثر النقاط خطورة تتمحور حول تولد قناعة راسخة لدى الأغلبية باستحالة تجسير الرؤية بين ذهنية النظام السياسي ونظيره الشعبي الذي يمر بحالة من التباعد في الرؤى المتعلقة بمفاهيم الاصلاح السياسي.
التجرية الاردنية الجديدة لابد ان تؤتي أكلها في نهاية المطاف ولا بد ان ترسم عناوين وشخوصا جديدة في المستقبل القريب. فالحراك الأردني الزخم في الغرف المغلقة لابد ان يترجم الى حالات سياسية تعبيرية على الساحة قريباً، خصوصاُ ان محاولات التجاذب السياسي الفعال واختلاف وجهات النظر في مجمل القضايا الداخلية او الاقليمية يؤكد ان حالات الفرز السياسي ستؤدي الى بناء تحالفات سياسية صلبة كونها مبنية على الالتقاء الفكري والمصالحي، وفي هذه الحالة قد تظهر تحالفات سياسية مستقبلية بين تيارات ناشئة وأطراف بيروقراطية او مؤسسات رسمية ناجزة تجد في برامج هذه التيارات الحداثية عوامل توافقية كبيرة وضرورة تشاركيه للعبور بالبلاد من مأزق حالة التجاذبات السياسية الى حالة استقرار ضرورية ، لضمان مواجهة اي سيناريو قد تجلبه حالات الاضطراب الاقليمية ونتائجها المتوقعة على الداخل الأردني.

‘ كاتب من الاردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية