سواء أكان الاشتغال على تحليل الثورة كمصطلح ميكانيكي أم اجتماع ـ سياسي، فإن القيمة الأساس لها في التصور المرتبك حول ما يشهده العالم العربي اليوم من ثورات لم تتأسس وفقاً لحتمية أيديولوجية، بل تأسست وفقا للحتمية الكليانية المغايرة التي وقفت على الدوام على النقيض من الأيديولوجيات، ومن هنا تخلَّقت لدى الشعوب العربية فكرة البراكسيس من حيث اعتباره نشاطا تجاوزيا ذاتيا، ولعل ـ على سبيل المثال ـ عربة البوعزيزي كانت مثالاً دالاً على هذا النشاط الذاتي التجاوزي العام الذي ضاق ذرعا بالممارسة الكليانية في الحكم والسلطة والسيطرة، هكذا تأسس الفعل الثوري العربي، بهذه الهشاشة رغم كل ما أريق في سبيله من دم، وقدم له من قرابين وضحايا وشهداء، وأنا هنا أحاول تقديم مشروع قراءة مضادة للثورات العربية من جهة استدعاء الأيديولوجيا، ومثولها أمام حركة الواقع الدموي المسلم به، وفقا لقراءة خاطئة لمفهوم الحتمية التاريخية، الفرضية الفلسفية التي تعتبر كل إدراك أو تصرف أو سلوك يخضع لمنطق الحوادث التسلسلية غير المنقطعة عن تاريخها، وبهذا تكون الإرادة الحرة خرافة اصطنعتها الأجيال، وقد كان لهذا الفهم أثر في تعديل سلوك الثورات العربية، وإدخالها في سيــاق الحتمية، بينما الأصل أن تدخل في سياق الجدلية، ولعل الفيلسوف كارل بوبر في كتابه ‘بؤس الإيديولوجيا’ كان من أوائل الذين اشتغلوا على الحتمية الجدلية، معتبرا أن التاريخ الإنساني في سيره يتأثر أساساً بنمو المعرفة الإنسانية. إن القراءة المضادة للثورات العربية وما وصلت إليه اليوم من بؤس، تنبني أساساً على القراءة المضادة لـ(موت الإيديولوجيا)، والذين اشتغلوا على هذا الموت الإيديولوجي عربيا من أوساط (الكليانية)، هم الذين يشتغلون اليوم على الموت الثوري، ويشتغلون على أن تبقى الثورات غير ناجزة، ويبقى كل هذا الدم غير مدفوع التكاليف، ويساعد هذه الكليانية (الحكم الشمولي)، موظفون ثقافيون هيأوا معياراً مسطحا للأفكار والمفاهيم، وبرروا للحتمية التاريخية على حساب الجدلية المعرفية والإيديولوجية، ومرروا إلى الشعوب أفكاراً ذات آثار سامة وخبيثة، ومن جملتها أن الإيديولوجيات حالات مرضية، مشوهة وذات أجندات متصارعة غير متصالحة مع بعضها، في حين أن الإيديولوجيا من أهم اعتباراتها أنها تعمل على بناء رؤية عامة وشمولية، انطلاقا من تمايزات تكاملية وذات تنزع إلى التواصل والفهم المشترك بغض النظر عن ذاتية المعرفة الموضوعية، لكن الذي حدث هو العكس، بناء تمايزات مختلفة على حساب الرؤية الكلية المشتركة، فأنجزت هذه المتمايزات هيمنتها وتعاضدت مع هيمنة السلطة الكليانية، فأقصت الفاعلية أو البراكسيس الإيديولوجي الحقيقي من واقع الحال، واستبقت فاعليات مزيفة، أو غير أساسية لا تستطيع أن تنجز مشروعاً ثوريا حقيقياً، فالفاعلية الثورية، تتحول إلى لافاعلية في ظل تحول الثورات إلى براكسيس من نوع (ممارسة الخطر) بحسب المفهوم النيتشوي، وممارسة الهيمنة على الثقافة والمعرفة بحسب المفهوم الجرامشي، وعليه تكون الثورات العربية قائمة على ممارسة الخطر أكثر منها ممارسة ثورية، بفعل ممارسة الهيمنة على الثقافة والمعرفة. كنا وما زلنا نحتاج عربياً إلى ثورة ثقافية، قبل الولوج في أتون الثورة السياسية، فبعد سنتين تقريبا على الثورات، يتساءل المجتمع الثقافي التونسي (هل يوجد لدينا ثورة ثقافية في تونس)، كما يعمد وزير الثقافة المصري إلى طرح مشروع الثورة الثقافية، بحماسة تنقصها الرؤية، وهي حماسة متأخرة كثيرا أيضا، لقد كرس طغيان السياسي على الثقافي، وطغيان الحتمية على الجدلية هذا الواقع الثوري المسطَّح، ولعله أيضا ينشئ حالة غير سوية من الثورة الثقافية حين تبدأ الإيديولوجيات المختلفة بمحاولة التأسيس لثورة ثقافية خاصة، فالإسلاميون يحاولون التأسيس لانطلاقة ثورية ثقافية موازية، ولكن بحمولات دينية، وفي الوقت نفسة ثمة نداءات وبيانات تحاول التأسيس لمشروع انطلاقة ثورية ثقافية بحمولات حداثوية، وما بين هذين الحدين ستضيع أيضا الثورة الثقافية، وفي مقالة سابقة عبر ‘القدس العربي’ كنت قد تساءلت عن مدى إمكانية التقاء الخصمين التاريخيين، الاسلاميين واليساريين في منتصف طريق الثورة للحفاظ عليها، والذي يتبين حالياً أن سؤالاً مثل هذا يعتبر خطأً إلا إذا تداخلت أداة السؤال (هل) مع أداتين أخريين (كيف ومتى يمكن لهذين الخصمين أن يلتقيا، وإذا كان حدثا بحجم ثورة لم يستطع أن يزيل الصخرة الفاصلة بينهما، فلعل ذلك يعود إما لضعف الثورة وخطأ التأسيس لها، وإما لكونها تحتاج أولاً إلى ثورة من جنسها ونوعها، ثورة ثقافية تعطي حيزا مهما ورئيسا لرأي المثقف وعالم الاجتماع بعيدا عن انطباعية الفردية، التي قد يرى من خلالها البعض في أن منجز الثورة يبين عن مستوى عال من الإدراك والرشد، وفي هذه الفكرة الانطباعية البسيطة إذا ما أخذت مداها مجازفة بالفكرة الثورية في محمولاتها الثقافية والسياسية أيضا، فوسط هذا التصارع ومستوى العنف لا يبدو الإدراك والرشد بمستوى يستطيع حماية الثورة وإنجاز مشروعها. بالتأكيد لا نريد ثورة (الحرس الحمر) في الصين، ولا ثورة الـ(لويا جيرغا) في باكستان، لكننا نريد ثورة ثقافية بمحمولات إيديولوجية تذاوتية لديها القدرة على خلق مجال تشاركي ليس على أساس توحيد المتعدد الإيديولوجي، بل على أساس توحيد حلم الثورة لدى كل الإيديولوجيات، وما هذه المقالة إلا مقدمة مختصرة ل.