«نحن والقمر جيران» رائعة فيروز ترن في أذني منذ أيام، وأنا أفكر؛ كيف تغيرت صورة القمر في مخيلتنا؟
لقد أنزل من عليائه بعد أن كان إلها يعبد، ليتلقفه الشعراء كلما ارادوا وصف وجوه حبيباتهم، رغم أنه لم يزل النديم الذي يستمع لنجوى المحبين في نظر بعض الرومانسيين، الا أنه في نظر آخرين تحول إلى صورة صادمة لصحراء قاحلة يتقافز عليها رواد فضاء بطريقة كاريكاتيرية، منذ أن دوى صوت نيل ارمسترونج (خطوة صغيرة لرجل، خطوة عملاقة في تاريخ الإنسانية) واصفا خطوته الأولى على سطح القمر.
وأنا اتابع آخر أخبار أكبر نظرية مؤامرة في التاريخ الإنساني الحديث (قضية الهبوط على سطح القمر) بسبب فيديو المخرج ستانلي كوبريك الاخير، تذكرت مسلسل التنافس على الفضاء بين السوفييت والامريكان في حقبة الستينيات، حينما كان خبراء الاستراتيجية والعلوم والهندسة الامريكان يفكرون بأن تقدم السوفييت في مجال الفضاء سيقود حتما إلى تقدمهم في الحرب الباردة، التي تلقي بشرارتها في حروب اقليمية هنا وهناك، من الحرب الكورية إلى كمبوديا وفيتنام وصولا إلى أزمة الصواريخ الكوبية، التي اوصلت العالم إلى حافة حرب نووية، فبعد أن قطع الاتحاد السوفييتي خطوات كبيرة حققت له السبق الواضح في الفضاء، بات الامر كابوسا يسيطر على دوائر الأبحاث الامريكية.
ماذا إذا سيطر السوفييت على الفضاء الخارجي، وألقوا علينا صواريخهم النووية من هناك؟ هذا هو السؤال المحرك للهاجس الامريكي الذي ابتدأ مع إطلاق المركبة السوفييتية «سبوتنك»، والتطورات اللاحقة في البرنامج مثل اصطحاب كائنات حية على المركبة في رحلة إلى الفضاء مثل الكلبة (لايكا) وصولا إلى أول رحلة للانسان إلى الفضاء الخارجي، قام بها رائد الفضاء يوري غاغارين في 12 أبريل1961، حيث مثل هذا اليوم تاريخا اسود للامريكان، وابتدأ السعي الحثيث للحاق بالسوفييت بدون تحقيق نتائج مبشرة، فتجارب الصواريخ منيت بفشل ذريع، لكن في عام 1963 اطلق الرئيس كنيدي تحديه التاريخي قائلا أمام العالم، إن الامريكان سيحققون الخطوة الاهم في علوم الفضاء عبر القيام برحلة ينفذها رواد فضاء إلى القمر والعودة سالمين، قبل أن ينتهي عقد الستينيات، وهو بهذا التصريح وضع وكالة الفضاء الامريكية (ناسا)امام تحد تاريخي محرج، إذ لم تكن (ناسا) تمتلك بعد مقوماته التكنولوجية.
وتمر سنوات السباق المحموم لتصل إلى الخطوة الأكبر في تاريخ الإنسانية، كما وصفت، ففي يوليو 1969، قامت مركبة الفضاء الامريكية ابولو 11 برحلة إلى القمر وعليها ثلاثة رواد فضاء (ارمسترونج، الدرن، كولينز)، وشاهد العالم الخطوة الأولى للإنسان على سطح القمر يقوم بها رائد الفضاء نيل ارمسترونج، وتعود المركبة سالمة، وهي تحمل نماذج من صخور القمر، لتنجز بعدها (ناسا) ست رحلات مأهولة كان اخرها عام 1972.
وقد تناول العديد من العلماء والمهندسين وصانعي الأفلام ما شاهدوه من أفلام لرواد فضاء امريكان على القمر بالتحليل والتدقيق، وأطلقوا العديد من الملاحظات التي شككت بمصداقية الحدث، وقد أشاروا إلى العديد من الملاحظات التي ربما بات أشهرها رفرفة العلم الامريكي المثبت على سطح القمر، رغم عدم وجود هواء لتحريكه، أو انعكاس الظلال بارتفاعات واتجاهات مختلفة، ما يعني وجود أكثر من مصدر ضوئي، وتصوير السماء وهي تخلو من أي نجم، بالإضافة إلى عدم وجود آثار نزول المركبة القمرية في مكان الهبوط، كل تلك الملاحظات كانت ملاحظات عابرة، أو بسيطة، إن جاز التعبير، مقارنة بملاحظات علمية مبكرة أطلقها أحد علماء الصواريخ الامريكان الذي كان يعمل في (ناسا) وترك العمل مبكرا وهو بيل كيسنج، الذي ألف كتابا عام 1975بعنوان «لم نذهب أبدا إلى القمر». ومن التحديات العلمية التي طرحها المراقبون من المختصين، أن درجة الحرارة على سطح القمر 120 درجة مئوية، وعدم وجود الاوكسجين سوى المحمول على ظهر رواد الفضاء باسطوانات، بينما تقارير ناسا تذكر، على سبيل المثال، أن في الرحلة الاخيرة لمكوك الفضاء ابولو 17 في عام 1972 بقي رواد الفضاء على سطح القمر لمدة 22 ساعة متواصلة، فكيف كانوا يتنفسون، وما هو مصدر الاوكسجين الكافي لكل تلك الساعات، علما بأن اسطوانة الأوكسجين لا تكفي الإنسان العادي في أحسن الأحوال سوى ساعة واحدة، كما أن كمية الإشعاعات التي تضرب سطح القمر شديدة جدا، بسبب عدم وجود غلاف جوي يحمي القمر مثل الأرض، ما يعني أن رواد الفضاء يحتاجون إلى بدلات مصفحة بسماكات عالية من الرصاص لتحميهم من أخطار الأشعة القاتلة، علما بأن سجلات (ناسا) تذكر أن الشمبانزي الذي ارسل للقمر قبل الرحلات المأهولة لم يعش بعد الرحلة سوى أسبوع واحد، مات بعدها بتأثير الإشعاعات.
ويبقى السؤال الأهم حول تصميم المركبة القمرية التي ستحمل رواد الفضاء لتعود بهم من سطح القمر إلى المركبة الام، فبالنسبة لعامة الناس صور الامر وكأنه فيلم من افلام الخيال العلمي، الذي تنطلق فيه المركبة القمرية بكل بساطة بعد أن تشغل محركاتها النفاثة لتعود بهم إلى المركبة الام، وهذا الكلام غير علمي بالمرة، لأننا كلنا شاهدنا على التلفاز اطلاق الصواريخ العملاقة التي تحمل مكوك الفضاء من الارض، وكميات الوقود الهائلة التي يحتاجها للتغلب على الجاذبية الارضية، ونحن نعلم أن جاذبية القمر هي سدس جاذبية الأرض، معنى ذلك أننا نحتاج إلى صاروخ بقوة تعادل سدس قوة الصاروخ الأرضي تقريبا ينطلق من منصة مشابهة للمنصة التي تبنى على الأرض، وكل هذه الأمور لم تتوفر في رحلات أبولو إلى القمر، لأنها ببساطة مستحيلات تكنولوجية حينذاك، حتى شبه أحد علماء الفضاء أمر الهبوط على القمر والعودة منه قائلا، إنه أشبه بإلقاء حصاة في بئر عميق، فإنها بالتأكيد ستصل إلى قاع البئر بسبب الجاذبية، لكن العودة من القمر اشبه بمن يطلب من هذه الحصاة أن ترتفع لوحدها وتعود لنا خارج البئر بقدرتها الذاتية، إنها اشبه بفيلم خيال علمي! إذن لماذا لا يكون ما شاهده العالم من هبوط أول إنسان على سطح القمر والعودة من هناك ما هو إلا فيلم خيال علمي؟
لقد كان هذا أهم جزء من نظرية المؤامرة التي تناولت موضوع الهبوط على القمر، حيث أشار العديدون إلى المخرج العالمي ستانلي كوبريك، على أنه هو من صور خطوات ارمسترونج المزعومة بتوجيه من الإدارة الأمريكية وتحديدا من الاستخبارات الأمريكية، ولم يستطع أحد أن يثبت ذلك بالأدلة، إنما كان الاعتماد على بعض القرائن، خصوصا إذا علمنا أن كوبريك كان قد انتهى من تصوير فيلم خيال علمي شهير هو «اوديسا الفضاء» في 15 مايو عام 1968، لذلك كان هو المرشح الاكثر احتمالا للعب هذا الدور، مات ستانلي كوبريك في مارس 1999 ولم يكشف عن هذا السر، او هكذا تخيل العالم، حتى تم نشر مقابلة أجراها معه صديقه المخرج باتريك ميوريي، قبل ثلاث ايام من وفاته، يعترف فيها كوبريك بوضوح بانه هو من صور فيلم «خطوات ارمسترونج على القمر» وأن الفيلم كله مفبرك! إذن لماذا يفرج عن المقابلة الآن؟ لأن ستانلي كوبريك طلب من باتريك ميوريي التوقيع على تعهد، أو وثيقة قانونية تلزمه بعدم الاعلان عن المقابلة إلا بعد مرور 15 عاما على وفاته، وهذا ما تم في ديسمبر الجاري، وهنا انشغل العالم من جديد باكبر كذبة في تاريخ الانسانية. اذن، ما هو السبب الذي دفع الامريكيين ليقوموا بذلك؟ ببساطة يشير كوبريك إلى أن عام 1969 كان اخر سنة من تعهد الحكومة الامريكية بتحقيق إنجازها التاريخي الذي أطلقه الرئيس كنيدي، كما أن الغضب والهياج والإحباط كانت الصفات التي تسم الرأي العام الامريكي، بسبب الهزائم التي يعاني منها الجيش الامريكي في فيتنام، كما أن التخصيصات المالية لوكالة الفضاء (ناسا) في سلسلة تجاربها جاوزت 30 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب بدون تحقيق نتائج ملموسة، كل تلك الاسباب وغيرها من ضغوط الحرب الباردة، حدت بادارة الرئيس نيكسون للتصرف وفق المثل الانكليزي القائل (if you can’t make it fake it ) اي اذا لم تستطع القيام بالامر، فبركه، وهذا ما كان بالاستعانة بستانلي كوبريك، الذي كان صاحب خبرة ممتازة بعد فيلمه «اوديسا الفضاء» الذي صوره في استوديوهات مترو جولدن ماير في ضواحي لندن في منتصف 1968، كما أننا يجب أن نشير إلى أن تقنيات التصوير لم تكن قد تقدمت إلى الحد الذي يمكن أن يتم فيه التصوير بدرجة حرارة 120 درجة مئوية على سطح القمر.
لكن هل وضع ستانلي كوبريك باعترافه الاخير نقطة في نهاية سطر نظرية المؤامرة حول الهبوط على القمر؟ أم أن نظريات وتحليلات جديدة ستنطلق؟ وماذا عن بقية المشاركين في تنفيذ هذه الخدعة التاريخية، هل سيستمرون على صمتهم؟ أم ستظهر اعترافاتهم هم أيضا؟ ولماذا لم يكشف عن موقف المخابرات السوفييتية من الامر حتى الان، وهي الأعلم باستحالة الامر تكنولوجيا؟ كل تلك الأسئلة ما تزال بدون أجابة، وربما ستستمر البشرية، وقد اخذتها العزة بالاثم وصدقت اكبر كذبة في تاريخها، ولا تريد التنازل عنها حتى لو واجهت كل الأدلة التي تكشف لها الخدعة التي فرحت بها.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي