مقاربة نصية محايثة… قراءة في ديوان «مروا علي» لعيسى الشيخ حسن

إن مقاربة التجربة الشعرية للشاعر السوري عيسى الشيخ حسن تستدعي إعمال العين البصيرة التي تقتحم المغالق النصية، وتتأمل في مكنونات الذات المترعة بالأسئلة الحارقة، والقلق المتواري في الأقاصي البعيدة عن الإدراك، ذلك أنها تجربة عبارة عن بوح باطني غارق في لجج الاغتراب القسري الذي تحياه الذات في علاقتها بالكينونة والوجود، بالتاريخ والأمكنة الطافحة بأطياف الطفولة الممتدة في الذاكرة الفردية والجماعية. كما تتطلب الغوص في الجواهر الشعرية النفيسة في غناها الجمالي والفني، ولعل سياحة قراءاتية في المتن الشعري لدى الشاعر تؤكد هذه الملامح، التي تميز تجربة تتخلق من رحم الحياة في بعديها المعيشي الوجودي والإبداعي، إنها كتاب مفتوح على احتمالات تأويلية تفضي إلى معانقة ما هو جوهري في الكائن، وملامسة حرائق الكون بأسئلته؛ وعليه فمن هذا المنطلق سنحاول مقاربة هذه التجربة، من خلال، ديوان «مروا عليّ».
إن الذات تشكل بؤرة للعملية الإبداعية، والمرتع الذي ترتع فيه التجارب الإنسانية وتحيا حياة عبر اللغة والخيال كمقومين من مقومات جمالية النص الشعري، وتعتبر أيضا المرآة التي تعكس حقيقة الموجود في الوجود، والكائن في ملكوت مفتوح على التيه والضياع، ومواجهة المصير في ظل عالم لا يزيد الإنسان إلا إحساسا باللاجدوى، هذه اللاجدوى تحفزها إلى ارتياد مناطق في عمق الذات لاستنطاق المخبوء والمتوارى فيها؛ ولعل الشاعر عيسى الشيخ حسن تمكن من كتابة تجربة شعرية هاجسها الأول والأخير القبض على الذات في كينونة معطوبة بالندوب والانعطافات الرهيبة التي تتسيد عليها، هذه الذات التي تشعر بنوع من الاغتراب في كتابة تروم التعبير عما يؤجج البواطن انفعالا وتفاعلا، مع حرارة التجربة المتقدة بسؤال الكينونة. فالإبداع في جوهره، بحث مستمر عن أصالة التجربة في اللغة، هذه اللغة التي تعكس التاريخ والذاكرة، وتستنطق الوجود والموجود، وهي الأخرى التي بإمكانها أن تعبر الذات عبر متخيل ضارب في غناه الثقافي والفلسفي، ومتأصل في المخيال البشري عن وجودها وعمقها؛ هكذا فالذات الشاعرة تؤسس للحضور عبر اللغة والموروث الحضاري والفكري يقول الشاعر:
(حين آخينا البنفسج يا صديقي
كان ثمة إخوة نادوا علينا:
أن أقيموا أول الموت/ ولا تنتظروا
شفقا يبكي ولا ليلا يستتاب
وكان ثمة أصدقاء تناثروا مثل الأهلة
واستباحوا كل حزني/ حين مروا
وارتقوا درج الغياب)
تخلق التجربة الشعرية مسالك تعبيرية حمالة لأبعاد دلالية ثرية في عراقة شعرية تجنح نحو التجديد في البنى القولية، من خلال لغة مشحونة بقلق ذاتي مشحون باغتراب قسري تتكبده الذات جراء الغياب الذي يطوق العالم والذاكرة، ولعل قسمات الحزن المبطن في لغة شعرية بليغة الدلالة تعبر عن عمق الجرح الوجودي لذات متشظية بسبب الشتات واللاإقامة، كل هذا وسَّع من معنى التجربة الشعرية وجعلها خليقة بالاحتفاء بهذه الاستباحة القاسية على كينونة هي في الأصل معطوبة، كذلك الفعل «كان» فهو يحيل إلى فعل الكينونة الناقصة التي لا تحقق وجودها إلا في اللغة عبر ما يمكن أن نسميه بالتداعي الاسترجاعي الذي يمنح الذات القدرة على قول الكينونة سيرة شعرية. إن الذات توسِّع دلالة التوتر وتحدث الفجوات داخل المعنى وتخرج وجودها من الأحادية والانغلاقية الفجة إلى وجود مشترك عبر سردية شعرية تبتغي الإفصاح عن شراسة الاغتراب الذي يكبد الذات خسارات تتمثل في الشعور بالضياع والتيه والمعاناة القاصمة ظهر الإرادة الذاتية في اقتحام المجهول، ومراودة أفق منذور لاحتمالات الأسئلة الملتبسة التباس الذات والكون. هكذا تكون اللغة خائنة لكينونة تتلبس بمفارقات الوجود، ومباغتات الحياة لتجسد نصية شعرية تحتفي بالعبور والكتابة والرحيل والأسئلة التائهة، الشيء الذي يحفز التجربة الشعرية على خلق نصية شعرية تعتمد الحلم والجنون كملمحين من الملامح الجمالية والفنية، التي تسم تجربة الشاعر عيسى الشيخ حسن، فعن طريق الحلم تحاول الذات تشكيل الكينونة، وفق تصور إبداعي، يعتبر العملية الإبداعية برمتها تعبيرا عن الذات؛ مكمنها رؤية شعرية تنحت فرادتها من الحلم الباطني، والجنون المعقلن، بتعبير الشاعر المغربي عبد الله راجع، فيعقلن الشاعر عيسى الشيخ حسن الدفقات الشعورية المنسابة انسياب نزيف الباطن.
ففعل الكينونة لم يزل في مرحلة الكمون، ومن ثم تسعى الذات جاهدة إلى رعاية هذه الكينونة بلغة الخيال والحلم والجنون والحنين والهشاشة للتعبير عنها ومحاولة التخفيف من حدة الاغتراب الذي تكابده ذات ترتضي البحث عن وجودها عبر لغة البوح الباطني.
إن ثنائية الحضور والغياب من الثنائيات التي حفلت بها التجارب الشعرية، منذ بدايات الوجود الإنساني في الكون، وشكلت الشغل الشاغل للشعراء والأدباء والفلاسفة وللإنسان العادي، باعتبارها مقوما من مقومات الكينونة، لذلك نجد الشاعر متماهيا مع الذات تماهيا يفصح عن هذا الصراع المحتدم بين الوجود واللاوجود، بين الحياة والموت، بين الضوء والعتمة يقول:
(للبنفسج أن (يدثرني) ويرحل
للبنفسج أن يغني
تاركا شجري على قوس البكاء
تاركا موتي قليل الأغنيات
وللبنفسج أن يمر بباب حزني
صاعدا على الشجى
ناثرا في أول السفر اعترافا دافئا
لم يكن ظل صديقي عاليا
كي أستريح)
بين الغناء والحزن تجسد الذات الشاعرة مكابداتها الوجودية، حيث بنية الصراع حاضرة داخل المتن الشعري للشاعر بين الحضور والغياب، فهي في ديمومة حزينة؛ شجية باحثة عن وجودها داخل القصيدة المنفلتة المحملة بأطياف العواطف والمشاعر الفياضة جرحا ووحدة ومعاناة.
تغدو القصيدة، في ظل هذا الصراع، حمالة لأوجه المفارقة التي تسود الخطاب الشعري، وبالتالي لابد من حفر عميق فيه لاستكشاف جماليات نصية زاخرة بالهاجس الأول والأخير للشاعر يكمن في شعرية لعبية تجعل النص كتابة الذات حضورها من خلال الغياب يقول الشاعر:
(كنا كبرنا
فلاذت بنا الذكريات (…..)
وكان الطريق يتلعثم
صار غريبا ..)
ولعل ما يمكن قوله؛ كون هذه التجربة؛ تؤسس لخطاب شعري يروم رؤية شعرية تحتفي بالحضور في الغياب؛ والغياب في الحضور كثنائية وجودية، وتجعل الذات تعانق الحلم كوسيلة تعبيرية للإفصاح عن عبورها وكينونتها المعطوبة، فالحرية والترحال، الحرقة والاغتراب، الكتابة والعزلة ثيمات نصية تحفل بها هذه التجربة لشاعر أدرك مضايق الإبداع المنبعث من عمق المكابدة يقول:
(سأعثر يوما علي
فلا تتقصيْ خطوط المتاهة
وحدي ..كما كنت..وحدي
أزف اخضراري إليك
وأنشج حينا
فقط كي يقول العابرون:
عرفنا ضياعك)
لغة شعرية مترعة بمكابدة كتابة منبعها الذات في تماه مع العالم، لغة خارقة للحجب المتوارية خلف الصمت المطبق على كينونة آيلة للزوال والامحاق، لذلك تلوذ إلى النسيان كترياق لجرح الغياب يقول:
(وأنا نسيت
نسيت ما تركوه في شجري
من الظل الحنون
نسيت ما تركوه في جمل الإعراب
واللغة الطويلة)
لكن تبقى الذاكرة مقاومة لهذا النسيان الذي يهدد كينونة الذات، فالتذكر وسيلة تعبيرية عن الحنين المتقد في ذات منذورة للضياع يقول الشاعر:
(أقلب في الأمر
أستعين على الفقد بذاكرتي
أستعين بصورة جدي (…..)
أستعين بشيخ المعرة رغم تجهمه في القصيدة)
إن التجربة الشعرية، عند الشاعر عيسى الشيخ حسن، تجترح فرادتها عبر شعرية مفعمة بالمكابدة الوجودية، والأسئلة الحارقة النابضة بحرقة الباطن، والمترعة بمتخيل شعري ضارب في العمق والأصالة.

*عيسى الشيخ حسن: ديوان «مروا علي» دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، سورية، ط 1، س2015

شاعر مغربي

صالح لبريني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية