وقعت في الاسبوع الماضي هنا عمليتان كبيرتان اخريان. الاولى، عملية دهس اخرى في محطة باص في القدس، مع عدد كبير جدا من المصابين؛ وعملية ثانية، تقرير الفقر للتأمين الوطني، الذي كشف من جديد هوان عاصمة إسرائيل، الافقر بين مدنها، مدينة تتدهور بسرعة عالية للغاية واجواؤها تنهار.
القدس هي مدينتي، أنا اعيش فيها كل حياتي، أبواي عاشا فيها، ابي كان من اعزائها، وانا يمكنني الان أن اقول بيقين: تعالوا إلى القدس، الان، تعالوا لتروا صورة مستقبل إسرائيل – كيف ستكون المدينة، حبيسة بين كل أزماتها، الاجتماعية، الوطنية، الاقتصادية. بتعابير الكيمياء، القدس هي ورقة الاختبار للنزاع اليهودي – العربي، وهي حمراء الان، حمراء أكثر من أي وقت مضى.
باديء ذي بدء المعطيات: قسم كبير من عمليات الانتفاضة الثالثة وقعت في القدس ومحيطها. غير مفاجيء. القدس هي الملتقى الفوري والقابل للوصول بين الفلسطينيين والإسرائيليين. في ارهاب السكاكين وعمليات الدهس، هذا شرط أولي، والقدس توفره بيد سخية. ولهذا السبب فانه بعيد ايضا عن العين الإسرائيلية، القدس بعيدة، وما هو بعيد عن العين بعيد عن القلب.
فضلا عن ذلك القدس نفسها، ولنقل الحقيقية، باتت منذ الان مدينة ثنائية القومية. فهي تمثل أقلية فلسطينية كبيرة، نحو 40 في المئة، في غضون عقد أو اثنين سيتساوى عددهم مع عدد اليهود في المدينة، وبعد ذلك سيصبحون الاغلبية. منذ 1967، ازداد عدد العرب في المدينة بـ 3.5 ضعف، وعدد اليهود بـ 1.7 ضعف فقط.
هذه ايضا صورة المستقبل للنزاع غير القابل للحل بيننا وبين عرب إسرائيل والفلسطينين. في المجال بين البحر والصحراء تكاد تكون النسبة منذ الان 50:50 مع أغلبية صغيرة لليهود، ستتقلص في المستقبل. هذه هو التوقع الديمغرافي المحتم للنزاع القومي بين الشعبين. وما الذي خلقه؟ فخ متعذر، فيه الاحباط الاقتصادي، الاجتماعي، القومي والديني، يقود اليهود والعرب إلى احتكاكات متعذرة، حتى انفجار كبير احد لا يمكن ان يتصوره.
في الجانب الاجتماعي نحن نغمض عينينا ونكتفي بلي شفاهنا. فحسب تقرير التأمين الوطني، فان الفقر في لواء القدس ارتفع في 2014 في كل جداول الفقر؛ 46.1 في المئة في اللواء، وفي مدينة القدس 48.6 في المئة، لدى عرب شرقي القدس الصورة ابشع بكثير – اضافة 5 في المئة للفقر في السنة الاخيرة، واليوم 79.5 في المئة هم فقراء. الفقر يرتفع عندما نصل إلى اطفال شرقي القدس، بينهم، 83.9 في المئة! هم فقراء. في المرة التالية، عندما يخرج طفل ابن 13 إلى حملة طعن، اسألوا ربما ما يحركه لان يأخذ سكينا أو مفكا ليبحث عن هدف يهودي.
إذن توجد لنا أزمة قومية وضائقة اقتصادية، وصدام ديني في هذه المدينة، المقدسة للاديان الثلاثة، التي تتصارع عليها ولا تعتزم التنازل حتى ولا على سنتمتر واحد. في العالم حولنا، حيث تحتدم الحرب الحضارية الجديدة، تمثل القدس نقطة احتكاك فورية، بين الاسلام واليهودية. وأنا لا ارى في الافق أي تسوية يمكنها أن ترضي الجميع، باستثناء ذات الوضع الراهن الهش، الذي يفعل المتطرفون من الطرفين كل شيء كي يدفعوه إلى الانهيار. بينما لا يسارع العرب إلى أي مكان، وفكرة الزمن لديهم هي، انه كل ما لا يفعله العقل، يفعله الزمن، نحن يفترض بنا أن نبحث عن حلول، وان نسأل أنفسنا كيف نخرج من هذا الفخ؟ والجواب واحد – تسوية سياسية، وبسرعة. تسوية تقطعنا عن هذا العبء الثقيل، الاقتصادي، الاجتماعي، الديني، القومي وكذا، نعم، العبء الاخلاقي. واضح أننا لن نتمكن من أن نواصل هكذا. أقوى وأعظم منا فشلوا، تعلموا من التاريخ، القريب والبعيد.
ولكن لما كانت الحكومة لا تستطيع – و/أو لا تريد وعلى ما يبدو ايضا هذا وذاك – أن تتصدى للمصيبة التي تنتظرنا على الابواب، من الافضل أن تسارع إلى أن تلقي فورا على الاقل بحبل نجاة للقدس. وهكذا لعلها تنجح في اطفاء هذا الحريق، لعلها تنجح في تهدئة الخواطر للحظة، لفتات من الزمن.
لعل الحكومة تنتظر، ولكن القدس لا تنتظرها.
غلوبس 23/12/2015
نحمان شاي