«سرير الرمان»… رواية عن سيريالية الجنون والحب والحرية

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: للكتابة الروائية انساق ومذاقات وأنماط كلها تمثل اتجاهات وتشي بتباينات ما بين الحداثي والكلاسيكي، وتحمل كل مرحلة سمات وجينات كتابها، وفي متن كل رواية نلاحظ ذلك الاختلاف أو ذاك التميز وأيضا نرصد العوار في كل بنيان.
في رواية «سرير الرمان» للكاتب أسامة حبشي، الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة، تتجلى صور الحداثة بوضوح، وأول ما يتجلى فيها الإهداء الذي يصلح أن يكون قصة قصيرة جدا، كتلك النصوص التي تجاوزت المذهب التجريبي إلى ما وراء التجريب وباتت بطلا في مسابقات القصة القصيرة جدا العالمية ذات الدلالات العميقة جدا أيضا. فالنص هنا مكتوب على النحو التالي»إلى التي تروي المساء بجنونها وتخبئ النهار في كفها وتحمل رائحة فرساي وتونس في نظرتها، تلك السابحة في حريتها إلى ما لا نهاية وكأنها هي نهاية النهايات وبداية البدايات».
ينتهي الإهداء تاركا في ذهن القارئ ليس انطباعا بما هو معهود ومفروض، وإنما يترك صدى وجرسا يمثلان إيقاعا تناغميا وحالة من الشجن تأتي من رائحة السطور التي ربما لا تحمل إفادة ما تتصل بالنص غير أنها تمثل مفاتيح شخصية الكاتب المنتمي لتيار الحداثة في الأدب الروائي والمتمرد على قوالب اللغة التقليدية ومفردات السرد هو يكتب بطريقة أقرب إلى التشكيلية منها إلى البناء الأدبي، كأنه يستخدم الفرشاة بديلا عن القلم.
يفرض النص بعنوانه المدهش سؤالا مهما لماذا سريرالرمان؟ وما هو السرير وما طبيعته، وأي الدلالات يحملها المسمى؟ قد يرى البعض أن الإبداع يكمن في ما يحدثه من دهشة لدى القارئ وأنا معه، ولكن شريطة أن تأتي الدهشة مقرونة بفعل وليس الظن بوجود فعل بمعنى، أن أندهش من غرابة شيء ما حدث بالفعل وليس من شيء أتصور أنه سيحدث فهذه الافتراضية في القصيدة، ولا تجوز في الرواية، فالبلاغة محلها التعبير الذي تدل عليه اللغة.
في تصدير الكاتب لروايته يقول: تلوم عليّ عشق الرمان وتناست أنها إله الرمان ترمي بحجر في حجري وتمضي وتعود لتسألني هل أنبت الحجر؟ أقول الحجر ينتظر فقط ما الحياة لكي يثمر، تضحك وتقول بعتاب وهل كان رمانك نضب منه الماء؟ أعذرها ولا أهمس تنحني وتقبل باطن كفي اليسرى وتلك عادتها عندما تعلن مسامحتها لي عما فعلته أمس مع غيرها وتعقب دائما بكلمتها المفضلة «حريتي يا رمان». وهذه الكلمة البسيطة التي تعبرني مثل النسيم لا أعتقد أنها تحمل شرا وإنما تحمل قدرا هائلا من براج يضطرب بداخلها وبداخلي من أجل الخلاص من تفاصيل الحياة المتربة، هذه الكلمة البسيطة هي سر حياة سأعيشها أو عشتها لا يهم ما قبل أو ما بعد بقدر ما تهمني هذه الكلمة ذاتها بكينونتها العبقرية «حريتي يا رمان».
ينتهي اقتباس التصدير إلى هنا ويبقى أثره الشعري التشكيلي هو الأوضح بين غموض الفكرة والحالة والشخصيات ورمزية الرمان الفاكهة أو الشخص، حيث كل الاحتمالات وارده في السطور الملتبسة والصور الشعرية المحشوة ببعض النثر الممثلة في مكونها الرئيسي بنيانا روائيا، حسبما يعتقد الكاتب أسامة حبشي، الذي أورد الشعر ضمنا في ما صاغ وكتب فصار ما أبدعه كولاجا من أجناس أدبية مختلفة اختلطت في أجواء الرواية بالصور الشعرية بدلالات القصة القصيرة وألوان الفن التشكيلي وأبعاده وإيحاءاته، فكأنه جمع بين كل أطياف الإبداع في إصدار واحد سماه «سرير الرمان»، في محاولة لبناء الأحداث الدرامية بما يدل عليها من المعاني وليس بطريقة الانفعال والتفاعل بالشخصيات وللشخصيات، فرغم من وجود أحداث جوهرية وأحداث ثانوية كما هناك مساحات للبطل الرئيسي والشخصيات الهامشية، إلا أن الغالب على الرواية وماهيتها هو الطابع الشعري بإيقاعه الموزون والصور التشكيلية الدالة على الإنساني والمادي في التركيبة البشرية.
«سرير الرمان» رواية فيها من المتعة البصرية والوجدانية والنفسية ما يميزها ويجعلها واحدة من الأعمال الإبداعية المبهرة والمدهشة بأجوائها وأعماقها وحدية كاتبها في اختيار ما يناسبه من أدوات التعبير والسرد.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية