الحصاد الفني: انطلاقاً من أن الحياة يجب أن تستمر مهرجانات الصيف في مختلف الدول العربية تزدهر بموازاة النكبات والحروب المتعددة الأشكال والألوان

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: أقفل الحصاد الفني اللبناني والعربي في العام 2015 على قنبلة مدوية ارتدت شظاياها على مطلقها بقوة عندما تناول قامة بحجم «زهرة المدائن» فيروز في عيدها الثمانين. فقد تفاجأ اللبنانيون ومحبو فيروز في كل العالم بغلاف مجلة «الشراع» اللبنانية وعنوانها: ما لا تعرفونه عن فيروز عاشقة المال والويسكي ومتآمرة مع الأسد. والموضوع في داخل العدد يحمل توقيع رئيس التحرير حسن صبرا. موضوع أثار عاصفة استنكار، ودفاعاً عن فيروز الرمز الفني والوطني، نشأت جبهة دفاع من محامين لا حصر لهم ولا حدود. المتابعون الفيسبوكيون هبوا عن بكرتهم وأطلقوا صفحة خاصة حملت عنوان «مع فيروز ضد مجلة الشراع».
وفي حكاية هذا المقال الذي أريد له أن يحكي «عن فيروز الإنسانة بعد تمجيدها من قبل الكثيرين» بحسب ما قال صاحبه صبرا، أنه كُتب بطلب من رئيسة تحرير مجلة «الكواكب» المصرية التي تعد لعدد تذكاري عن فيروز بمناسبة بلوغها الثمانين. ورداً على كلام صبرا للصحافة أوضح المسؤول عن العدد الخاص الصحافي محمد دياب أن «الكواكب» رفضت نشر مقال الأخير في عددها التذكاري بعد أن فاجأها مضمونه. وقال: «في الأصل نريد تكريم فيروز، لا أن نسبها». لكن رئيسة تحرير «الكواكب» فاطمة الشريف قالت لجريدة «الاخبار» اللبنانية أن العدد الاحتفائي بفيروز «مؤجل لأسباب متباينة منذ زمن. المعلومات الواردة في مقال صبرا صدمتني، ولم اتخذ قرار النشر من عدمه.» في الحصاد الفني على غير صعيد يمكن القول أن نصف الشعوب العربية مشغولة بنكباتها وحروبها المتعددة الأشكال والألوان وبخاصة التفجيرات الإرهابية المتنقلة في غير مكان، وفيها الحفلات معطلة وكذلك الإنتاج الفني. أما النصف الآخر فله حفلاته واحتفالاته انطلاقاً من أن الحياة يجب أن تستمر. أن ينشد الناس الفرح والبهجة والثقافة في هذا العالم العربي الذي تُنسج بدماء شعوبه حكايات الموت الذي لا يعرف حدوداً، فهذا بحد ذاته فعل ايمان بالحياة.
يمكن القول أن الانتاج الغنائي التجاري للعام 2015 كان مزدهراً بخاصة في دول الخليج العربي. وكان للبنان حصته الوافية رغم «النق» من سؤ الحال والاحوال. فنوال الزغبي وبعد انقطاع لحوالى اربع سنوات عن تقديم أي جديد غنائي كان لها سي دي حمل عنوان «مش مسامحة» ولقي رواجاً جيداً نظراً لسخائها واهتمامها الكبير بتسويق اغنياته المصورة. كما صدر جديد لكل من وائل كفوري وأليسا وآخرين غيرهم. عربياً لقي سي دي الديفا سميرة سعيد ترحيباً كما عادة أكثر أعمالها، فهي من المغنيات المقلات، واللواتي تدرسن خطواتهن بتأني. جديد سعيد حمل عنوان «عايزة أعيش». ويمكن الملاحظة أنه ورغم الشكاوى المتكررة لمنتجي الاعمال الغنائية من القرصنة الفنية والخسائر التي تصيبهم بنتيجتها، إلاّ أن الإنتاج الجديد كان لا بأس به في لبنان، مصر ودول الخليج العربي.
المفاجأة التي افرحت عشّاق جورج وسوف تمثلت بعودته إلى المسارح. فهو أحيا العديد من الحفلات بعد شفائه من العارض الصحي الكبير الذي اصابه بالشلل النصفي. حفل الوسوف في مهرجان أعياد بيروت كان الاهم والاكبر. عودته وحدها لم تكن شغل عشاقه الشاغل، بل كذلك جديده الشخصي، والذي تمثل بزواجه من بطلة الرالي القطرية ندى زيدان، وانجابهما مؤخراً لطفلة.
رغم مكانة المسرح والسينما في الحياة الثقافية والفنية، تبقى لمهرجانات الصيف في مختلف الدول العربية وبخاصة لبنان نكهتها المميزة. فلبنان خلال الصيف تحول إلى خلايا عمل متنقلة للفن الراقي الذي تطمح إليه الشعوب المتطورة وربما المرفهة. فحتى في الصيف الذي ازدهرت فيه ازمة النفايات ولا تزال متصدرة للمشهد العام، كانت المهرجانات مزدهرة ايضاً، منها بعلبك، بيت الدين، جبيل، الزوق، البترون، جونية، بيروت وحديثاً مهرجانات الارز التي عادت بعد توقف لعقود. حرصت كافة تلك المهرجانات على اختيار أجمل البرامج الموسيقية من روك، جاز، بوب، كلاسيك وطرب وكذلك العروض المسرحية والاستعراضية الكبيرة. وقد سجلت مهرجانات لبنان مواقف سياسية قومية ووطنية فاعلة. اذا اعتادت تلك المهرجانات دعوة كبار الفنانين في العالم للغناء على مسارحها. لكن لجنة مقاطعة العدو الصهيوني تقف بالمرصاد لكل فنان غربي سولت له نفسه حديثاً أم في وقت مضى اعلان موقف مؤيد للكيان الغاصب، أو غنى على ارض فلسطين المحتلّة. ألغيت حفلات البعض من هؤلاء بضغط من لجنة المقاطعة. وقد بات العديد من فناني الغرب يحسبون ألف حساب لحفلاتهم وتصريحاتهم المتعلقة بالكيان الصهيوني.
وفي حفلات الصيف اللبنانية كان لأم كلثوم حضور في كل من الزوق وبيت الدين. في بيت الدين أطلت المطربة المصرية ريهام عبد الحكيم وحصدت شعبية كبيرة جداً. ويذكر أن ريهام ظهرت في مسلسل «أم كلثوم» من تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج انعام محمد علي، حيث ادت دور البطلة في سن المراهقة. وكان كذلك حضور لافت للمصرية ياسمينا في مهرجانات الزوق، وهي التي تألقت في برنامج «للعرب مواهب» على قناة «أم بي سي».
لبنانياً برز اصرار لجنة مهرجانات بعلبك الدولية لأن تكون الفعاليات الفنية محتضنة من هياكل القلعة الرومانية وعلى أرضها رغم التوجسات الامنية نظراً لقرب المكان من جبهة عرسال. وقد لبى الجمهور الدعوة وكانت المهرجانات ناجحة بامتياز.
المشهد المسرحي اللبناني ناشط وبتميز. العديد من الاعمال المسرحية لاقت اقبالاً وتمّ تمديد عروضها، إنما بقي العرض المسرحي الاكثر اقبالاً «الاقي زيك فين يا علي» للمخرجة لينا أبيض، تمثيل ونص رائدة طه. فبعد تمديد عرضه في مسرح بابل، لعب على مسرح الجامعة اللبنانية الاميركية، كما جال في المناطق اللبنانية. وتمّ اختياره كعرض مهم من ضمن النشاط الثقافي الموازي الذي ينظمه معرض بيروت العربي والدولي للكتاب الـ59. في هذا العرض تستعيد رائدة طه حياة والدها الشهيد علي طه، ومسار الحياة من بعده لعائلة مؤلفة من اربع فتيات أكبرهن في السابعة، وزوجة في عمر ال27 سنة. كان عرضاً ناجحاً للغاية، ومؤثراً في المتلقين سواء من عايشوا زمن خطف الطائرات من قبل المقاومة الفلسطينية، أو من سمعوا عنها.
لا يزال المسرح اللبناني وغيره من المصنفات الفنية عُرضة للتشهير والتشويه وعلى الشبهة ودون مشاهدة فيما يتعلق بالأمور الدينية. آخر فصول هذا التشهير كانت بحق مسرحية المخرجة لينا خوري التي عُرضت بين 20 و28 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي على مسرح غولبنكيان في الجامعة اللبنانية الامريكية، وهي عن نص للراحل عصام محفوظ. حملت المسرحية عنوان «لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو71؟» بعد انتهاء العروض أصدر مدير المركز الكاثوليكي للإعلام الاب عبدو أبو كسم، وكذلك الاب فادي تابت وبناء على نص صحافي، بيانين منفصلين يدعوان المعنيين لمنع عرض المسرحية مجدداً بحجة طريقة تناولها «للطقوس المسيحية». وبعد البحث والتدقيق اقرا الأبوان معاً بأنهما لم يشاهدا العرض. الأمن العام اللبناني المعني بالاجازة أو المنع قال «اشتغلوا». رد تمّ تبليغه للينا خوري مباشرة. فهي تحضر لعروض جماهيرية لعملها الناجح في الموسم المقبل.
وفي خريطة المهرجانات العربية الاساسية يقع مهرجان جرش، وفيه حضور دائم لعدد كبير من الفنانين اللبنانيين المميزين صوتاً وجمهوراً طوال مسيرته الطويلة، وهؤلاء يعتزون باختيار المهرجان لهم. والمهرجان يختار من بينهم سنوياً الاسماء اللامعة. الاختيار لهذا العام وقع على يارا، رامي عيّاش، وائل كفوري ونانسي عجرم. ودخلته مايا دياب، مما ترك تساؤلاً في الساحة الاردنية.
إلى شمال افريقيا والمغرب تحديداً الذي يشهد سنوياً العديد من المهرجانات بين موسيقى، سينما وشعر، فمهرجان موازين يحافظ على مرتبته الثابتة منذ انطلاقته قبل سنوات. وهو تحول إلى قبلة يفتخر بها الفنانون العرب لدى دعوتهم للوقوف على احدى خشباته. إليه يضاف مهرجان تطوان لسينما البحر المتوسط، الذي يحظى بمشاركة واسعة جداً من السينمائيين. كما في غيره من الدول المغاربية صار في المغرب مهرجان لكل مدينة، بحيث تحول الصيف إلى فضاء للفرح والسهر والموسيقى.
للجزائر سجلها الحافل والمتنامي في احياء المهرجانات الفنية في الربيع والصيف. منها مهرجانات عنابة، وهران والعشرات غيرهما. وهي لا تقتصر على النجوم العرب من لبنان ومصر وسواهما، بل ثمة اقبال كبير على حفلات كبار النجوم في العالم، الذين يرغبون بالتواصل مع شعب المليون شهيد.
مهرجان قرطاج شكل تحدياً حقيقياً. عقد رغماً عن الارهاب الذي طال مدينة سوسة قبل أيام من موعده. غنى على ركحه كبار النجوم العرب. وكانت وقفة وترحيب كبير بمحمد عساف حيث رفرفت الكوفية الفلسطينية في كل زوايا موقع قرطاج الاثري ولاقت الاغنيات الفلسطينية الثورية والوطنية والتراثية بصوت عسّاف الشجي كل ترحيب وتصفيق. مهرجانات قرطاج التي امتدت لـ39 يوماً قدمت كافة انماط الموسيقى في العالم، وكان ختامها مع لطفي بوشناق.
وكان لمهرجان قرطاج السينمائي وقعه الكبير على النفوس، فهو تزامن من التفجير الانتحاري الذي استهدف حافلة لنقل الجنود في شارع الحبيب بورقيبة في وسط العاصمة التونسية. وفي هذا الشارع بالتحديد كان يعقد مهرجان قرطاج السينمائي، حيث غالبية الصالات المقرر عرض الافلام المشاركة في المهرجان على شاشاتها. وفي فنادق هذا الشارع كان ينزل العشرات من ضيوف المهرجان. لقد كانوا ضيوفاً نبلاء في تضامنهم مع تونس وبخاصة العرب منهم. لم يغادر أي منهم عائداً إلى بلاده. ادارة المهرجان وبعد ساعات من وقوع التفجير اذاعت بيانها الذي اعلن الاستمرار في البرنامج المعد سلفاً لعروض الافلام، وأنه لن يُعدّل إلا بطلب من وزارة الداخلية. وفي هذا المهرجان عُرض 300 فيلم من 56 دولة عربية وأجنبية.
مصر التي ضربها الارهاب أكثر من مرّة خاصة في مناطقها السياحية قاومت وتحدت. ففي حين كانت العديد من الاعتداءات تستهدف الجيش والشرطة المصريين برز الاصرار على احياء المهرجانات الفنية في المناطق السياحية وبخاصة في شرم الشيخ. مهرجانات شارك فيها العديد من الفنانين العرب اعراباً عن تضامنهم مع شعب مصر. مصريون وعرب اصرّ الفنانون على الاغنيات الوطنية حيث استعاد الكثيرون تراث الراحل عبد الحليم حافظ، كما وقدموا الكثير من اغنيات الفرح. وكان لمهرجان القاهرة السينمائي أيضاً أن ينعقد ويحقق نجاحاً. وهو مهرجان شكل ما يشبه الرسالة للعالم تقول بإصرار مصر على دورها الفني، ووقوفها بوجه الارهاب والتطرف معاً. وأكدت مشاركة الفنانين في هذه التظاهرة الكبيرة أن الفن هو الرسالة الحضارية في الرد على من يهوون هدر الدم وإحداث الدمار وتهديد حياة البشر.

غابوا وبقيت أعمالهم

في سنة 2015 غادرنا عدد من الفنانين الذين تركوا بصمة ابدية في تاريخ الفن في طليعتهم سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة. أزمة صحية مفاجئة ألمت بها ورحلت عن عمر يناهز ال84 سنة. رحلت وفي تاريخها بحدود المئة فيلم وعدد من المسلسلات. كان لفاتن حمامة دورها المؤثر في السينما، وابرز ادوارها في السينما كان في «افواه وارانب»، وفي الدراما التلفزيونية في مسلسل «ضمير ابلى حكمت». لفاتن حمامة صوت له رقته وخامته الخاصة جداً ويمكن تميزه من بين عشرات الاصوات. تزوجت في بداية حياتها الفنية من عمر الشريف، وانجبا ابنهما طارق. وحزناً عليها قال عمر الشريف: «وفاة فاتن حمامة قضت عليَ، أنا اعتبر نفسي الان في المحطة الاخيرة من حياتي». وعبّر عن حزنه لأن آخر لقاء بينهما كان منذ خمس سنوات في منزل ابنهما طارق. لم يطل الزمن كثيراً حتى دخل عمر الشريف إلى محطته الاخيرة نتيجة تنامي مرض الزهايمر الذي حوله في ايامه الاخيرة لعصبي جداً فتوفي في 10 تموز 2015. عمر الشريف من مواليد سنة 1932، تعرّف إلى فاتن حمامة خلال تصوير فيلم «صراع في الوادي» مع المخرج يوسف شاهين. تزوجا في سنة 1955، وتم الطلاق في 1966 لأن الشريف انشغل بأفلام وشهرة هوليوود عنها. هناك قدّم ما يقارب ال50 فيلماً منها دكتور زيفاكو. الفنان الذي نال لقب لورنس العرب ترك ثروة فنية من عشرات الافلام.
داهم المرض نور الشريف، وكانت طليقته بوسي ملازمة له وراعية لشؤونه الصحية. لاحقته العديد من شائعات الرحيل، لكنه رحل فعلاً في 12 أب اغسطس من العام 2015. تميزت حياته الفنية بحس سياسي واضح، من افلامه ناجي العلي، سواق الاتوبيس وغيرها العشرات. ترك اثراً واسعاً في الكثير من المسلسلات بخاصة في مسلسلي «لن اعيش في جلباب ابي» و «عائلة الحاج متولي».
عن عمر يناهز ال75 سنة رحل مخرج «سمك لبن تمر هندي» و»ست الستات» رأفت المهيمي في 24 تموز يوليو من العام 2015. اصيب المهيمي بجلطات دموية ادت لعجزه عن النطق. وزاد في قهره اهمال الدولة المصرية له، وعندما قررت علاجه اختارت له مؤسسة طبيبة مذرية، فزادت ألامه. من وقّع فيلم «على من نطلق الرصاص» اطلق عليه رصاص الاهمال فعاجل في رحيله.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية