عن الحرية

حجم الخط
2

 

أتصور أنه لا بد من أن نتفق على تعريف مبدئي لمعنى الحرية، حتى لا تتداخل حدود الأشياء، وتضطرب الرؤية، ويختلط اللون الأبيض باللون الأسود. وأول ما أتصوره، هو أن الحرية هي حركة فردية داخل دائرة الجماعة. وهذه الجماعة يمكن أن تكون أسرة، أو قبيلة، أو جمعية، أو مدرسة، أو وطناً. ومعنى هذا أن الحرية هي خط هندسي ضمن دائرة، وليست أبداً حركة في الفراغ أو في المطلق.
وكما أن البحر محدود بالشواطئ، والريح محدود بالجبال، والأنهار محدودة بضفافها، والطائرات محدودة بمدارج الصعود والهبوط، والعصافير محدودة بمساحة أجنحتها، فإن الإنسان هو الآخر محدود بمسؤوليته.
واستعمال الحرية، كاستعمال المستحضرات والعقاقير الطبية، لا يمكن أن يكون بغير مقاييس ومعايير وضوابط. وإلا كانت الحرية قاتلة.
وللحرية دائماً جانبان متعادلان. جانب يختص بنا، وجانب يختص بالآخرين. وكل محاولة منا لنسيان الجانب الآخر، يفقد الحرية معناها الأساسي، ويجعلها طغياناً.
لقد ولدتنا أمهاتنا أحراراً بغير شك. ولكنهن لم يلدننا في الغابة، وإنما ولدننا في إطار بيت، وأسرة، ونظام اجتماعي نشترك في تأسيسه مع الآخرين.
إن بريطانيا مثلاً، بلد حر، ولكن الفرد البريطاني، أثناء مزاولته لحريته، يبقى ملتزماً باحترام حرية الآخرين، ولا يقفز فوقها. وبمعنى آخر أن المواطن البريطاني ليس سوى نغمة في السمفونية الانكليزية.
وقد عرفت الأنظمة الإشتراكية كيف تصقل حرية الفرد، وكيف تمنع تجاوزاته، وكيف تسيطر على غريزة الطمع المركبة فيه، بحيث تأتي حرية المجموع أولاً، وحرية الفرد ثانياً.
أما في الأنظمة الليبرالية، فإن الفرد يتصرف كوحش لا يتورع عن أكل كل ما يصادفه من أرض ومصانع وبر.. وهو يعتقد أن الحرية التي يتيحها له النظام الليبرالي، تمنحه الحق في أن يمد ساقيه على رقبة البشرية، ويسحق برأسماله الخرافي واحتكاراته عظام المعذبين في الأرض.
إن الحرية بحر لا ساحل له، يركبه الرواد والمكتشفون، ويركبه القراصنة وسمك القرش..
ونحن بالطبع نرفض الحرية التي ينادي بها سمك القرش، لأنها تقوم أساساً على الجريمة، والنشل، والمتاجرة بلحوم الآخرين.
إن التاجر الذي خبأ في حرب تشرين أكياس السكر والرز والطحين، وباعها بضعف أسعارها هو سمكة قرش.
وصاحب مستودع الأدوية الذي ضاعف أسعار القطن، والشاش، والمصل التي احتاج إليها الجرحى خلال حرب تشرين، هو سمكة قرش.
وأصحاب مستودعات الخشب، والحديد، والورق، الذين جمعوا خلال الشهور الأخيرة ثروات خرافية لم يجمعها روكفلر، ولا أوناسيس، ولا آغاخان، ولا أي مهراجا هندي.. هم أسماك قرش لا زالت تتنزه على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
هذه أتفه أنواع الحريات وأحقرها.
إن الحرية عندنا، تفترض أنه لا يوجد على ظهر الأرض سوانا.
فنحن نقود سياراتنا على أساس أن البشر لم يُخلقوا بعد، وأن مصانع السيارات لم تُنتج سوى سيارة واحدة هي التي نركبها نحن.
والحرية عندنا، معناها أن نجعل العالم كله أملاكاً خصوصية لنا، وأن نشتري جميع تذاكر السينما، ونمدد أرجلنا على جميع المقاعد، ونشتري كل الأدوية الموجودة في الصيدليات، وكل الخبز الموجود في الأفران، وكل السمك الموجود في البحر، وكل النساء الجميلات في العالم، ونعلقهن كالفراشات المحنطة، على جدران أنانيتنا.
إن الحرية هي محصول حضاري لا يعرفه إلا المتحضرون.
فالثعبان لا يعطى الحرية لأنه لا يحسن التصرف بها.
والذئب لا يمكن أن يدعي الحرية لأن تكوينه الأساسي تكوين عدواني.
والقرصان لا يمكن أن يتكلم عن الحرية، لأن غايته الأساسية هي أن يغتال البحر والمسافرين.
والرجل الذي يذبح شقيقته، أو زوجته، أو ابنته، بتفويض من مجتمع الثأر والعقد الجنسية لا يمكنه أن يصرخ أمام المحكمة: «أنا حر». لأن الحرية لا تعطينا تفويضاً بالقتل.
وكذلك الكاتب، والشاعر، والروائي، والصحافي، لا يمكنهم أن يقامروا بالكلمة، ويبيعوها جارية في سوق النخاسة، بدعوى أنهم أحرار. لأن الكتابة ميثاق شرف ثلاثي بين الكاتب، وبين ضميره، وبين من يقرأونه. وكل خيانة لهذا الميثاق تسقط شرف الكاتب والكتابة معاً.
إننا مع الحرية بدون تردد.. ومع الأحرار إلى آخر الشوط.. شريطة أن يكون لهذه الحرية ضابط أخلاقي، وعقلاني، وثقافي، وقومي، يجعلها في خدمة الإنسان، وفي خدمة المُثُل العليا.
إنه لا يكفي أبداً أن نكون أحراراً، وإنما لا بد لنا من أن نستحق حريتنا.

فصل من «الكتابة عمل انقلابي»، 1973

الأمير الدمشقي

منذ عام 1944، حين صدرت مجموعته الشعرية الأولى «قالت لي السمراء»، انحاز (1923 ـ 1998) إلى طراز من الحرّية الشعرية، والشخصية، يستهدف استفزاز المألوف، ويسعى إلى إحداث الصدمة. تلك المجموعة كانت خالية تماماً من أية قصيدة وطنية، أياً كان المقصود بالمصطلح، في مرحلة كانت تغلي بالاشعار المناهضة للاستعمار؛ وكانت، في المقابل، حافلة بقصائد حب غنائية، وغزليات حسّية وأخرى إيروسية؛ واتصفت برشاقة مباغتة في تطويع المعجم، وأناقة جلية في اختيار المفردات، وشجاعة عالية في المجاورة بين الفصحى والعامية. أكثر من ذلك، ولكي يكون الاستفزاز أوضح، وزّع الشاعر مجموعته ملفوفة بورق السيلوفان، تماماً مثل زجاجة عطر أو ربطة عنق أو علبة شوكولا!
ومنذ الآن، وبعد هذه المجموعة، سوف يقع المشهد الشعري العربي تحت ضغط ظاهرة شعرية فريدة اسمها : عجيبة ومتناقضة في اعتبارات، بقدر ما هي أليفة ومتماسكة في اعتبارات أخرى؛ جديدة في الصوت والرنّة، ولكنّ الكثير من الأصداء العتيقة تتردد في جنباتها؛ تجاوزية وجسورة وطليعية، ولكنها ارستقراطية ومحافظة وشبه «رجعية»… ومتى؟ في مطلع الأربعينيات!
ثمة هنا ما يشبه الإنقلاب الأبيض الذي وقع في بلاط الشعر، دون سابق إنذار ـ ودون الكثير من المؤشرات في الواقع ـ فتقاعد أمراء متوّجون، وانسحب أمراء قبل أن يُتوّجوا، وبدا أن جمهور الشعر يعرف طريقه إلى أكثر من أمير واحد، وربما إلى كلّ هؤلاء الأمراء مجتمعين، لكنه ينتهي آخر المسير (أو في الهزيع الأخير من الليل ربما) إلى بلاط هذا الأمير الصغير وحده: الأنيق والجذل والعاشق، الملتفّ بورق من سيلوفان وفضّة، المسيّج بقارورة العطر وأحمر الشفاه وجورب الحرير، السابح في النهد كما في الغيمة، وفي العقيق كما في النجمة. محمد مهدي الجواهري كان هناك، وكذلك كان علي محمود طه، ومصطفى وهبي التل (عرار)، وسعيد عقل، والياس أبي شبكة، والمهجريون؛ وفي سوريا كان خير الدين الزركلي، وعبد الله يوركي حلاق، وخليل مردم، ومصطفى الغلاييني، وفخري البارودي، وبدوي الجيب، وعمر أبو ريشة، ونديم محمد؛ وكان كبار المهجريين، من أمثال.جبرتن خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، وأمين الريحاني، ونسيب عريضة، والياس فرحات… كلهم كانوا هناك حين قاد الأمير ذلك الانقلاب الأبيض في وجه ممالك الشعر العديدة.
ولقد حضرتْ في تنظير لمعنى الشعر جملةُ اعتبارات نظرية معمّقة حول المحتوى والوظيفة عموماً، وغابت جملة اعتبارات فنية حول الشكل والتشكيل عموماً إيضاً. وقباني كان أستاذاً في كتابة الشعر بوصفه ممارسة نظمية ذات سويّة فنية رفيعة أساساً، وبوصفه رسماً بالكلمات، ورقصاً بها، وعزفاً موسيقياً على آلاتها التي لا حدود لطاقاتها. وهو، في ذلك، كان معلّماً بارعاً، حاذق الصنعة، شديد الذكاء في عرض صناعته، بالغ الحساسية إزاء تقلباتها وسكونها وحركتها، عالي المراس في التنبّؤ بما يمكن أن يجعلها رائجة رابحة أو راكدة خاسرة.
صانع ماهر، ولا يعيبه أنه واصل اتقان الصنعة، وواصل تقديم بضاعة دون أن يغشّ في صناعتها ودون أن يتوقف عن تحسين مواصفاتها بقدر ما أسعفته الأدوات، حتى لقد تبيّن أن بضاعته لم تكن شديدة الرواج فحسب، بل كان الطلب عليها شديداً أيضاً، وكانت قِيَمها تلبّي احتياجات قطاعات عريضة متعددة من العباد، اختلفوا في العمر والانتماء الاجتماعي والذوق والذائقة والحساسية والأفكار، واجتمعوا على الحاجة الجمالية، وعلى نوعية البضاعة التي تشبع هذه الحاجة.

نزار قباني

اشترك في قائمتنا البريدية