الرياض ـ «القدس العربي»:مع بداية عام 2015 اعتلى الملك سلمان بن عبد العزيز عرش المملكة العربية السعودية بعد وفاة أخيه الملك عبد الله.
ومع تسلم الملك سلمان لمقاليد الحكم لا شك ان السعودية بدأت حقبة جديدة في تاريخها المعاصر اوجدت عهدا جديدا في المملكة يتميز بديناميكية ادارية و»براغماتية «سياسية. وهذه الحقبة تمهد لقيام الدولة السعودية الرابعة بعد مرور اكثر من مائة عام على قيام الدولة الثالثة التي أسسها واقامها موحد المملكة ورمزها التاريخي الملك عبد العزيز.
ومنذ ان استلم مقاليد الحكم بدأ الملك سلمان برنامجا – يبدو انه كان معداً سلفاً – لتجديد دماء الدولة السعودية التي ترهلت في السنوات الاخيرة.
واول ما قام به الملك الجديد ترتيب امور الاسرة الحاكمة، فاحدث المفاجأة المدوية بتمهيد الطريق للجيل الثاني من ابناء الاسرة لاستلام مقاليد الحكم، فعين الامير محمد بن نايف وزير الداخلية وليا للعهد، وابنه الامير محمد بن سلمان وليا لولي العهد، وشكل حكومة جديدة من جيل جديد من الاداريين المعروفين بنجاحاتهم بينهم الوزراء المهمون من اصحاب الخبرة في الحكومة السعودية السابقة، وغير طاقم المستشارين والمساعدين في الديوان الملكي. والغى 14 مجلسا من المجالس الحكومية ودمجها بمجلسين فقط هما مجلس الشؤون الامنية ومجلس الشؤون الاقتصادية والتنموية.
وبعد ذلك قام الملك سلمان بلم شمل البيت الخليجي، فأصبحت الرياض مرجعاً لدول مجلس الخليج العربية الخمس الاخرى واعترف لها الجميع – بدون اعلان – بقيادة مسيرة مجلس التعاون الخليجي.
وبعد ان قوى اسس البيت الداخلي والبيت الخليجي عمد العهد الجديد الى اعادة الديناميكية للسياسة السعودية واستقبل الملك سلمان خلال شهري شباط فبراير وآذار مارس الماضيين اكثر من 30 زعيم وقائد دولة عربية واسلامية وغربية بداية من الرئيس الامريكي باراك اوباما، وفتح الابواب لسياسة سعودية جديدة براغماتية جعلت من السعودية دولة اقليمية لها حضورها ورأيها في كل قضايا المنطقة العربية.
واهم ما عالجه العهد الجديد في السعودية الخلل السياسي في اليمن الذي ابعد المملكة عن دورها الطبيعي في هذا البلد الذي تعتبر السعودية ان اي تدخل خارجي فيه خط احمر. هذا الخلل ترك اليمن لقمة سائغة للنفوذ الايراني عبر الحوثيين الذين دعمتهم ايران من اجل السيطرة على مقاليد الدولة، ولكي يصبح الوجود الايراني يدق ابواب السعودية، بعد ان افشل التدخل السعودي في البحرين محاولة تمدد النفوذ الايراني الى شرق المملكة.
لذا اعلنت السعودية عن حرب «عاصفة الحزم» لطرد الحوثيين وحليفهم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح ولاعادة السلطة الشرعية برئاسة عبدربه منصور هادي يوم 26 مارس الماضي، بعد ان اعلنت عن تشكيل تحالف عربي – خليجي يخوض معها هذه الحرب التي هدفها الرئيسي طرد ايران من اليمن.
ووجدت المملكة ان اوضاع المنطقة المضطربة والتي تشتعل الحروب في بعض بلدانها (سوريا، العراق) تفرض عليها ان تقود العالم العربي لمواجهة المشروع الايراني الذي يهدف للهيمنة على المنطقة، وكانت تود المملكة ان يكون هناك مشروع عربي جماعي تقوده هي ومصر يواجه المشروع الايراني، ولكنها وجدت نفسها هي القوة الرئيسية ان لم نقل الوحيدة التي تقود معركة التصدي للمشروع الايراني ومعها نوعا ما شقيقاتها الخليجيات، دول مجلس التعاون الخليجي، فمصر لا تسمح اوضاعها الداخلية الامنية والاقتصادية الصعبة من ممارسة دورها القيادي التاريخي في العالم العربي وثقلها السياسي في العالم العربي وهذا ما جعل مصر تغيب عن المشاركة مع السعودية في مواجهة المخاطر التي تتهدد العالم العربي سواء بلعب دور في سوريا او في اليمن، حتى ان مصر فشلت في ان تقوم بدور لمحاربة الارهاب الذي يتمدد عند حدودها الغربية في ليبيا، والاردن يبدي تحفظات على المشاركة في حرب اليمن ويراها «حرب استنزاف «، وبقية الدول العربية نائية بنفسها. وهكذا لم يعد امام السعودية إلا ان تقود المنطقة لمواجهة المشروع الايراني ليس في اليمن فقط بل ايضـــا في ســــوريا التي تصاعدت الحرب فيها بعد التدخل العسكري الروسي فيها والذي اصبح تدخلاً لصالح بقاء نظام بشار الاسد.
ودخلت السعودية لاعبا اقليميا قويا في الازمة السورية فزادت من دعمها العسكري والمالي لفصائل المعارضة السورية الاسلامية المعتدلة وغير الاسلامية واخذت تنسق ميدانيا في ذلك مع تركيا وقطر، الامر الذي عجل في المساعي الدولية لايجاد خطة طريق لحل سياسي للازمة السورية فعقد مؤتمر فيينا وكانت السعودية طرفا رئيسيا فيه لتؤكد على مطلب الشعب السوري في اقصاء الرئيس الاسد عن السلطة سياسيا او عسكريا، ومن اجل تقوية الموقف السياسي للمعارضة السورية في اي حل سياسي قادم جمعت الرياض اطراف المعارضة السورية العسكرية عندها واستطاع تدخلها بان يجعل المعارضة تتفق على برنامج للحل السياسي وعلى هيئة موحدة للاشراف على المفاوضات المحتملة مع النظام السوري لتشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات تبعد الرئيس الاسد.
وفي الوقت نفسه وجدت السعودية انها يجب ان تتدخل عمليا في قيادة المعركة ضد الارهاب ولا يكفيها ابعاد الارهاب عن اراضيها ومكافحة خلاياه النائمة – التي استطاعت ان تقوم بعدة تفجيرات انتحارية في الاحساء والدمام ونجران – بل يجب عليها محاربة اماكن تواجده في سوريا والعراق واي منطقة اخرى فشكلت ما سمي بـ»التحالف العسكري الاسلامي لمحاربة الارهاب « الذي ستقوده لتؤكد للعالم انها معنية بالارهاب ومحـــاربتـــه قــــــبل غيرها لانها عانــت منه اكثر من غيرها من الدول.
هذه الظروف الصعبة التي يواجهها العالم العربي من الممكن ان تتطور الى اصعب واخطر العواقب اذا لم يجد من يحاولون فرض هيمنتهم على العالم العربي – والمقصود هنا ايران بالدرجة الاولى – من يواجههم، فجاء العهد السعودي الجديد ليتحمل مسؤولية التصدي لايران فاصبحت المنطقة تعيش مرحلة صراع سعودي – ايراني لن ينتهي الا اذا اقتنعت طهران بانها ليست القوة الاقليمية الاكبر والاوحد في المنطقة.
وتستخدم السعودية لمواجهة ايران، سياسة براغماتية تعمل على عدم مقاطعة الاخرين والابتعاد عنهم اذا ما كان هناك خلافات سياسية معهم فنلاحظ ان الرياض – التي استعادت علاقات التحالف مع واشنطن – تعمل على استمرار علاقاتها مع موسكو رغم الاختلاف معها حول الازمة السورية، ورغم «الحنق» السعودي على التدخل العسكري الروسي ضد المعارضة لصالح النظام، وعززت من علاقات التحالف مع فرنسا رغم ان البعض يرى ان ذلك لن يحظى برضى واشنطن، ولكن السعودية التي لا تنفي علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة اخذت مع العهد الجديد تعمل على اتباع سياسة اكثر استقلالية عن السياسة الامريكية.
لذا فإن التغيرات التي شهدتها المملكة خلال عام 2015 بعد تولي الملك سلمان لمقاليد الحكم تعتبر «دراماتيكية» وتركت تأثيراتها ليس في المملكة فحسب ولكن في المنطقة بشكل عام.
had