المفاجأة من انكشاف التزمت اليهودي المتطرف ليست مفهومة. أولم يقتل باروخ غولدشتاين في 1994 عشرات المصلين المسلمين في هجوم كراهية أعمى؟ خطأ رئيس الوزراء في حينه، اسحق رابين، الذي لم يخلِ العناصر المتطرفة من الحاضرة اليهودية في الخليل نقل رسالة تسيب بلا عقاب ـ وهي رسالة استوعبت جيدا.
لقد وقع رابين نفسه بعد نحو سنة ونصف ضحية لذات التزمت السائب. فقد غرس كارهوه السكاكين في صوره كرئيس للوزراء في بزة الـ اس.اس قبل ان يقتلوه عمليا. والمحتفلون في «عرس الكراهية» الان غرسوا السكاكين في صور الضحايا الفلسطينيين بعد أن قتلوهم عمليا.
اذا لم يقدم في أعقاب باروخ غولدشتاين ويغئال عمير إلى المحاكمة المحرضون الايديولوجيون الذين وجهوا ايدي القتلة، فما بالك أن مواصلي طريقهم سيخرجون بلا اتهام الان ايضا. فالمخابرات ستكتفي بالكشف عن التنظيم السري المتزمت، والنيابة العامة ستكتفي بالتقديم إلى المحاكمة بضعة شبان، والصهيونية الدينية ستكتفي بحساب عقيم آخر للنفس، والرأي العام سيكتفي بتنديد صاخب فارغ. ما كان هو ما سيكون. قوة المتطرفين ستتعاظم.
لهذا السلوك الواهن ثمة تفسير: هذا هو الخوف السياسي من المستوطنين ـ رغم أنهم أنفسهم في اغلبيتهم الساحقة ينددون بالتطرف. هكذا نشأت في إسرائيل الظاهرة المعروفة من العلوم السياسية للاقلية العنيدة والمصممة التي تنجح في أن تحقق اهدافها من خلال الاسكات، بداية لمحيطها القريب، وبعد ذلك لذاك البعيد، وأخيرا لكل الساحة السياسية. إلى أن تخضع لها ولجنونها.
ان عدم الاستعداد للصدام مع تزمتـ»نا» كان أمرا مشتركا بين رؤساء الوزراء في إسرائيل على اجيالهم. رئيس وزراء واحد فقط تجرأ على الخروج إلى معركة علنية ضد الايديولوجيا والفعل الاستيطاني، وهذا يسمى ارئيل شارون. على الحائط المركزي في غرفة عملي في «يديعوت احرونوت» معلق خطاب شارون كرئيس للوزراء أمام الجمعية العمومية للامم المتحدة في ايلول 2005. صورت، كبرت وأطرت الخطاب كبادرة طيبة متواضعة لسياسي انتصر ليس فقط على الانتفاضة الثانية وليس فقط على فكره هو نفسه، الذي رضعه مع حليب امه ووعد بان يحققه، بل وايضا على مجموعة الاقلية اليهودية التي اعتبرت حتى ذلك الحين لا تقهر: النواة الصلبة من المستوطنين.
عندما خرج شارون للخطابة في الامم المتحدة، بل وبصفته رئيس حكومة الليكود، كتب محللون بان في نيته أن يلقي خطابا يروق لاذان اعضاء مركز حزبه. اما شارون ففعل العكس. في خطابه طلق الليكود نهائيا، مد يدا للفلسطينيين وأكثر من تلميح عن نيته لتنفيذ انسحابات احادية الجانب اخرى، مثلما فعل في غزة. وذلك لان الانفصال عن الفلسطينيين، «فك الارتباك»، على حد قوله، هو مصيريا لنا كأمة، كشعب وكدولة يهودية ـ صهيونية. حزب كديما تشكل بعد وقت قصير من ذاك الخطاب اياه. ولكن شارون مرض ولم يتمكن من أن يقوده في انتخابات اذار 2006 وبعد ذلك في شباط 2009. ومع ذلك فان «كديما» برئاسة ايهود اولمرت وتسيبي لفني حصل على 28 ـ 29 مقعدا في كنيستين متتاليتين، وكان الحزب الاكبر فيهما. هكذا ثبت بان اليمين السياسي المعتدل الذي لا يخاف الصدام ـ حتى بالقوة ـ مع متطرفي المستوطنين، وفرض رأي الاغلبية عنهم واخلاءهم، يمكنه أن يحدث تغييرا كبيرا في إسرائيل. تغييرا هائلا.
لن يقم لشارون حتى الان خلفاء سياسيون حزبيون: ارثه ضاع. ولكن لعلني متشائم أكثر مما ينبغي. لعل الوسط واليمين المعتدل يفهمان هذه المرة بانهما اخطآ فكريا وعمليا ويعودا إلى إرث شارون. لعلهما يكفا عن النظر بخوف إلى الصارخين والمهددين من على يمينهم ويبدآ في الصدام معهم، كما هو واجب من حركة وطنية ـ ليبرالية تريد أن تنقذ الوطن.
واليسار؟ هو لن يتحرر من سحر التزلف للشعب وسيواصل التلعثم والتلوي في مسائل سياسية ـ قومية حرجة لحياتنا. قريبا سنراه ينظم مرة اخرى مظاهرة صاخبة مضادة ما… مضادة لماذا؟ مضادة لكل شيء، فقط ليست مضادة لايديولوجيا الاستيطان المتطرف. يحتمل أن يكون ممثل للاخيرة سيدعى لان يلقي كلمة في المظاهرة (مثلما سبق ان حصل). على اساس برنامج سياسي مشترك، بالطبع.
يديعوت 27/12/2015
سيفر بلوتسكر