تكاليف الجيش في مصر تزداد وتتفاقم

حجم الخط
11

تكلفة نزول الجيش في مصر إلى الشارع تتفاقم، والاقتصاد يتهاوى، ولا أحد يُدرك أو يلتفت إلى حجم الكارثة، في الوقت الذي ينهار فيه الجنيه المصري تدريجياً، وترتفع نسبة التضخم في البلاد بصورة جنونية، وتزداد الأوضاع المعيشية للمصريين سوءاً، بسبب الارتفاع الحاد في تكاليف وأسعار السلع والمواد الأساسية.
في شهر ديسمبر 2010، أي قبل شهرين فقط من نزول الجيش إلى الشارع في مصر، كان احتياطي النقد الأجنبي في مصر يتجاوز 36 مليار دولار، أما اليوم فيصارع البنك المركزي المصري من أجل الحفاظ على مستويات الـ16 مليار دولار فقط، ويبدو واضحاً أن الرقم سيهبط سريعاً خلال الشهور القليلة المقبلة.. أما الكارثة فتظهر لنا بكل وضوح عندما نعلم بأن إجمالي الديون الخارجية لمصر بلغ 46.1 مليار دولار، كما هو في ديسمبر 2015، أي أن إجمالي الديون الخارجية تزيد بنحو ثلاثة أضعاف عن السيولة النقدية المتوفرة لدى الحكومة في مصر.
خلال الأيام القليلة الماضية حصلت مصر على ثلاثة قروض مختلفة، تمثل هذه القروض الثلاثة مؤشراً آخر على حجم وعمق وخطورة الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر، أما القرض الأول فقيمته ثلاثة مليارات دولار ومصدره البنك الدولي، والقرض الثاني قيمته 1.5 مليار ومصدره بنك التنمية الأفريقي، فيما يتمثل القرض الثالث في أذون خزانة بقيمة 7 مليارات جنيه أصدرتها وزارة المالية المصرية وبفائدة 12.5٪.
القروض المتراكمة على الحكومة المصرية، مع تهاوي حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي، مع تراجع حاد في إيرادات قناة السويس، إضافة إلى تدهور آخر في القطاع السياحي الذي تشكل إيراداته أكثر من 13٪ من تدفقات النقد الأجنبي على مصر، كل هذا يدفع إلى الاعتقاد بأن الاقتصاد في مصر يسير في طريق مجهول، وأن سعر صرف الجنيه المصري الذي هبط بأكثر من 15٪ منذ منتصف يوليو 2013 حتى الان سوف يواصل الهبوط خلال الفترة المقبلة.
البيانات المتوفرة عن الاقتصاد المصري تدفع إلى الاعتقاد بأن الجنيه سوف يشهد مزيداً من التدهور خلال الشهور المقبلة ليصل الدولار الأمريكي الواحد إلى عشرة جنيهات، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاعات حادة في أسعار السلع والمواد الأساسية، وبالتالي يتسبب بمزيد من التدهور في الحياة العامة والظروف المعيشية للسكان الغلابة.
يُمثل نزول الجيش إلى الشارع في مصر السبب الرئيس للأزمة الاقتصادية، فانتشار الجيش في أي دولة يمثل استنزافاً لاقتصادها، حيث أن ثمة تكلفة مباشرة للانتشار العسكري، إضافة إلى تكاليف غير مباشرة كثيرة تتمثل في عرقلة النشاط الاقتصادي، وتعطيل استقطاب الاستثمارات، وتدمير القطاع السياحي، والتأثير في الحياة العامة، بما يؤدي في النهاية إلى شل الحياة الاقتصادية ويتسبب بركود عميق يؤثر سلباً على كل شخص موجود في الدولة.
الحل للأزمة الاقتصادية في مصر يبدأ من سحب الجيش من الشوارع، وإنهاء دور الجيش في الحياة السياسية، وإعادته لدوره الطبيعي الذي يتمثل في حماية البلاد والعباد من أي عدوان خارجي، أو خطر كبير، أما الحصول على مزيد من القروض وإصدار المزيد من السندات وأذون الخزانة الحكومية، فهذا ليس سوى تأجيل للأزمة، ومحاولة لشراء مزيد من الوقت فقط، خاصة أن النظام الجديد في مصر بات يُدرك بأن صنبور المليارات التي كانت تتدفق من الخليج قد توقف بسبب انهيار أسعار النفط، وهو الانهيار الذي تسبب أصلاً بعجوزات في موازنات دول الخليج ذاتها، فضلاً عن أن هذه الدول لم يعد لديها من الفائض ما يكفي لتمويل العسكر في مصر.
لم يحصل في تاريخ العالم الحديث أن حدث انقلاب عسكري في أي دولة، إلا ويتبعه انهيار اقتصادي، التدهور الاقتصادي هو النتيجة الحتمية لأي انقلاب وأي انتشار عسكري في الشارع، والعكس أيضاً صحيح، فالنهضة الاقتصادية يستحيل أن تتحقق في دولة غير مستقرة سياسياً أو دولة يتحكم بها الجنرالات، ولنا في تركيا مثال على ذلك، حيث شهدت «معجزة اقتصادية» منذ نجاح الأحزاب السياسية في تحييد العسكر عن الحُكم قبل عدة سنوات، ونجاح الساسة في رفع أيدي العسكر عن الدولة وإنهاء عصر الانقلابات العسكرية التي كان يقوم بها الجيش ضد الأحزاب التي تفوز بالانتخابات.
وثمة الكثير من الأمثلة على تكلفة انتشار الجيش، أو تكلفة الانقلابات العسكرية، ومن بينها زيمبابوي أيضاً، التي أصبح دولارها ذا قيمة أقل بكثير من قيمة الورق المطبوع به، ما اضطر السلطات المحلية إلى وقف التعامل به أخيراً، حيث لم يعد مجدياً طباعة المزيد من هذه العملة المتهاوية. لا حل للمشكلة الاقتصادية في مصر اليوم إلا بإعادة الحياة السياسية إلى طبيعتها، وسحب الجيش من الشوارع، وكف أيدي الجنرالات عن الدولة وعن اقتصادها، وإلغاء القوانين التي تمثل غطاء للفساد وللعمولات التي يتقاضاها الجيش نظير منح العقود الحكومية، وعندها فقط يمكن لمصر أن تدير نفسها اقتصادياً بدون الحاجة لمزيد من مراكمة القروض، وبدون أن يواصل احتياطي النقد الأجنبي الهبوط.

٭ كاتب فلسطيني

محمد عايش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية