العالم العربي منطقة تبحث عن الأمن في ظل سياسات استراتيجية دولية غير أمنية. فالعالم العربي مع عمقه الإسلامي يمثل حقيقة جغرافية تجعله قلب العالم ومركز النبض فيه وبؤرة التوترات في عالمنا الحديث والمعاصر.
وإذا كان تاريخ العالم العربي الحديث والمعاصر، هو حصرا تاريخ عدم استقرار وثورات وحروب لم تساعد على تكريس المؤسسات العمومية والإنجازات التاريخية لكافة الإنسانية، فهو ما يفسر لنا بقاء المنطقة العربية عصية على الأمن والاستقرار، ومرشحة إلى مزيد من التلاشي والضعف لكي تنتمي إلى الدول الفاشلة. يعاني العالم العربي من غياب المبادرة التاريخية التي تؤكد وجوده الذاتي وتمكنه من الوجود كطرف أصيل وكامل العضوية في هيئة كبار العالم، الذين يرسمون السياسة الدولية، بل كل ما تم، أن تحوّل العالم العربي إلى منطقة افتراضية لا تقابلها حقيقة قائمة في الواقع، بسبب الخلاف والإصرار على الاختلاف وتنفيذ أجندات واستراتيجيات خارجية، التي أُدرجت فعلا في الحقائق الوطنية الداخلية. إن الذي فرض غياب الأمن في المنطقة العربية في صلتها بالاستراتيجية الدولية خاصة منها الغربية، هو الفشل المتواصل لتهدئة وتسوية الأخطار التي تهدد السلم في العالم ومصيره.
فقد كانت اسرائيل ولا تزال السبب الرئيس لحالة اللا أمن العربي وعامل انهياره أيضا، ثم مع المشكلة الإسرائيلية زادت مشكلة أخرى، لها ايضا بعدها الواسع، ونقصد الإرهاب الدولي في تجلياته المؤسساتية وتنظيماته الجهادية. السؤال: هل قَدر المنطقة العربية خلق وتصدير العنف واللَّاأمن والإرهاب، أم هي المخبر الذي تلازمه القوى الكبرى لكي تحصر فيه الأخطار والتهديدات وتحفظ من خلاله أمنها وتؤمن سياستها الدولية؟
هذا السؤال وجيه وشرعي جدّا، لأن زمن اللَّاأمن في المنطقة العربية طال، وأصبح يلح على الأجوبة وإلا صارت الأوضاع إلى مزيد من التدهور والتلاشي، على ما نرى ونشاهد في غير بلد عربي. الأمر الذي يقتضي الوجاهة والجدية في تناول الموضوع في سياق الإشكالية التالية: لماذا منطقة حضارية وتاريخية مثل العالم العربي بعمقه الإسلامي وبأبعاده الجيو- سياسية ومكانته الاستراتيجية عَصِي بعناد عن امتلاك المبادرة التي تجعل منه جهة أصيلة وعضوا كاملا في هيئة كبار العالم، هل يعزى الأمر برمته إلى الحوافز والمقومات التي يتوفر عليها بالذات، أم يمكن أن نضيف اعتبارات أخرى مثل: إخفاق وخيبة الدول العربية في توحيد نمط تنمية يخرجها من منطـــــقة موضوعة للغير إلى منطقة فاعلة مع الغـــــير؟ إخفاق السياسة الدولية في فض معادلة مستحيلة ترمي إلى تكريس إسرائيل في منطقة غير منطقتها، تأباها الجغرافية كما يلفظها التاريخ؟ تجريب لعبة الدين في مرحلة متطورة من العالم، كأفضل سبيل لإبعاده عن السياسات الدولية في سياق مجتمع عالمي يتَشَكَّل؟ تأجيل الدور العربي في العالم بعد ارتياد تركيا ثم إيران إلى المكانة الدولية؟ وبإمكاننا إضافة أسباب أخرى، لكن الإجابة الحقيقية على غياب الأمن وعدم الاستقرار هي تلك التي لها صلها بنشأة الدولة العربية الحديثة، التي رادفت النظام السياسي العربي الحــــديث والمعاصر وتماهت معه، راوحت نفسها في مكان الواحد وعجزت عن السير وقطع المراحل، أي الانتقال من حال إلى حال كما هي طبيعة الدولة الحديثة في المجتمعات التي تبنت معادلة الدولة تساوي التنمية مع الأمن والاستقرار.
إن العالم العربي لا يزال عصيا على الاستقرار والأمن لأنه حالة تاريخية وجيو- استراتيجية مندرجة في سياق اكتمال دورها لحساب الدول الكبرى، ولم يستقل بعد بحقيقته التاريخية التي توفر له الوجود الشرعي على صعيد الدولة الوطنية وعلى صعيد العلاقات الدولية. العالم العربي كيان لما يزل يتلمس استقلاله الذاتي لكي يعبر عن نفسه، تدخل حساباته ومصالحه ضمن الشبكة الكلية للعالم في المنطقة، وليس مجرد حلقة تابعة للغير، ومن هنا مصدر قلاقله واضطراباته وعدم استقراره ولا أمنه. العالم العربي يعيش من خلال أنظمته السياسية التي تعبر عن دوله، حالة من المفارقة تعاند على البقاء في عصر مناف لها تماما: التأجيل الدائم للديمقراطية والاعتراض عليها بالآليات التي عفى عليها الزمن المعاصر، ولم تعد من منطقه السياسي، ونعني بذلك الانقلابات، على ما فعل الجيش المصري يوم 3 يوليو 2013، لأن من طبيعة الانقلاب أنه يؤجل العمل بالآليات الديمقراطية ولا بالمنطق السياسي الذي يحترم قواعد اللعبة، بل يعمد الى التستر المتواصل على فظائعه وتسخير كامل الترسانة العسكرية والقضائية من أجل إبعاد أي ملاحقات ومتابعات للطغمة الانقلابية الحاكمة، الأمر الذي يفضي إلى عقود أخرى من الأوتوقراطية والتزييف والتزوير والمخاتلة التي تبعث على استمراء جماهيري للفعل الانقلابي ومظاهره. الحالة المصرية هي آخر الحالات في قائمة الانقلابات المؤجلة للعصر الديمقراطي، الذي يجب أن يتنسمه الجميع ويحرص على عدم التخلي الجميع عنه أيضا. فقد سبقه انقلاب العسكر في الجزائر في أعقاب هزيمة حزب النظام في الانتخابات التشريعية ديسمبر 1991/يناير 1992، ومنذ ذلك التاريخ والجزائريون ينتظرون العصر الديمقراطي، أي ربيع عربي يزيل حزب النظام ويفسح المجال للمعارضة الحقيقية إمكانية الوصول إلى سدّة الحكم.
الحقيقة التي تشرح إصرار الأنظمة العربية على الاستماتة في الحكم متأتية من أن فكرة العالم العربي قامت منذ البداية، ونحن نصر في تحليلنا على فساد البدايات، على وهم قومي سارعت كل دولة إلى تنصيب نفسها دولة قومية رائدة نيابة عن كافة العرب، أو برسم أن تكون كذلك، كما فعل النظام الناصري، وحزب البعث بجناحيه السوري والعراقي والزعيم الليبي معمر القذافي… فقد كانت الرؤية القومية منطلقة من واقع محلي جدّا أراده الزعيم الجديد أن ينسحب على كافة الشعوب العربية وبلدانها.
٭ كاتب وباحث جزائري
د. نورالدين ثنيو