قبل نصف سنة كان البروفيسور عميرام غولدبلوم يستمتع بمشاهدة التلفزيون وفجأة رآني هناك. وكانت الصدمة على ما يبدو صعبة الاحتمال. فقد توجه على الفور إلى الحاسوب وكتب على الفيس بوك مقالا عنوانه هل يقوم احد ما شجاع ويقترح قانونا يحظر تربية الاطفال في المستوطنات، وكان يقصدني رغم اني لم أسكن في مستوطنة في العشرين سنة الاخيرة. وبعد ذلك شرح لماذا أنا هزيل العقل وانهى قوله بعقبى فلسفية في أن الدين اليهودي يصفينا جميعا مثلما ساعد هتلر على تصفية اليهود في اوروبا.
في نظرة أولى يمكن للمرء أن يغتاظ من أقوال بروفيسور محترم جدا مثل بروفيسور «الظل»، أما في نظرة سامية فانه يبعث على الشفقة. فقد استيقظ أمس البروفيسور مرة أخرى والى جانبه رفيق من الجامعة وسميا وزيرة العدل نازية جديدة بسبب قانون الجمعيات. هذه المرة أثار ما قاله عن وزيرة في اسرائيل الغضب بدلا من الشفقة. الشتائم والمبالغات هي بشكل عام سلاح الضعفاء، اولئك الذين هم محدودون في لغتهم وفي قدرتهم. ولعل غولدبلوم يشعر هكذا، ولكنه ليس القصة المشوقة، بل بالذات أعضاء المعارضة البعيدين عنه ممن أصابتهم نوبة مبالغة مع القرار بقانون الجمعيات. ومع ألف فرق، فان من استمع أمس لمعارضي القانون كان يمكنه أن يعتقد بانه حلت نهاية الحكم. فقد أطلقت اعلانات عن وسم البشر واسمعت تهديدات عن نهاية الديمقراطية. وشيء واحد فقط كان ينقص أمس: جدال جوهري عن القانون وعن التبرعات الأجنبية التي تصل إلى اسرائيل.
كنت في السنوات الماضية جزءاً من الجدال. فأنا نشيط في التطوع في ثلاث جمعيات تأخذ المال من التبرعات. ومعظم هذه تأتي من الخارج. وأنا أفعل هذا لاني أؤمن بان هذه الجمعيات تسهم لاسرائيل، على ما يبدو مثلما يعتقد قسم من خصومي من جمعيات اليسار (القسم الآخر ما بعد الصهيوني يسعى إلى تغيير اسرائيل). السؤال هو ما هو المسموح وما هو الممنوع. ما تحتاجه الدولة لان تشجع من خلال الضريبة وما ينبغي منعه هي مسألة هامة وجوهرية. فهل ثمة شك بان منظمة تشجع أعمال ارهاب يهودي محظور أن تتلقى اعترافا من الضريبة؟ هل يتعين على دولة اسرائيل أن تسهل على من يشجع التحريض في المساجد؟ وماذا بشأن من يدعو إلى أعمال ضد القانون؟ من ادعى بانه لا قيود على جمعيات خاصة باسم حرية التعبير لا يفهم ما هي الديمقراطية، وبالاساس لا يفهم ما هي المخاطر المتوقعة لها.
المشكلة المركزية في التبرعات الاجنبية هي انه لم تتقرر قواعد واضحة. فقد اقيمت دولة اسرائيل من خلال الكثير جدا من التبرعات من اليهود الاغنياء من أرجاء العالم. وقد ضخ المال بفضل احساس الحاجة وكذا قدرات اقناعية مفاجئة أبداها الزعماء الاسرائيليون. ما اصبح أداة تنمية أولى تحول إلى طريقة حياة. تقاليد يهودية. لا توجد جمعيات لا تعتمد على التبرعات الاجنبية، من اليمين ومن اليسار. وبذات الروح لا توجد جمعيات لا تخضع لقواعد الادارة السليمة من مسجل الجمعيات.
لقد أصبح الأمر أكثر تعقيدا حين جاءت أموال التبرعات هذه من حكومات أجنبية. خذوا مثلا صفقة الغاز، فهل ينبغي تجاهل جمعية تشجع احتكارا من شركة أمريكية على الغاز الطبيعي في اسرائيل؟ أوليس مناسبا أن نعرف كم من المال الحكومي وصل اليها باسم مصلحة تجارية؟ واذا كانت المصلحة التجارية جديرة بالفحص، فماذا إذن بالنسبة للمصلحة السياسية، مثل التمويل الاوروبي لجمعية تؤيد رافضي التجنيد أو تؤيد تقديم اسرائيليين في الخارج إلى المحاكمة؟
الأمر الأقل أهمية (والزائد) في مشروع قانون شكيد هو الوسم لدى دخول نشطاء المنظمات التي أكثر من نصف ميزانياتها يأتي من حكومات أجنبية. السؤال الهام هو أي قواعد نريد أن تنطبق على التمويل الأجنبي للجمعيات الاسرائيلية. كيف نراقب الاعفاء من الضريبة للمتبرعين للجمعيات وما هي قيود القانون. بالضبط مثلما هو متبع في كل دولة سليمة النظام. فالقانون يعطي جوابا جزئيا لهذا الموضوع ومع ذلك فانه يخلق سياقا. في الشرق منفلت العقال نجد ان القواعد تساعد الديمقراطية، ولا تضرها.
دون المبالغات التي اطلقت في الايام الاخيرة سيكون ممكنا أن نحدد هنا بضع قواعد منطقية: التمويل الخاص يستوفي معايير القانون والأهلية، التمويل الحكومي الاجنبي يخضع للرقابة اذا كان موجها للتأثير على مصالح سياسية واقتصادية. الجمعيات التي تعمل للمس بطابع دولة اسرائيل كيهــــودية وديمقراطية أو الجمعيات التي تدعو إلى خرق القانون لن تحظى بالمساعدة والامتيازات الضريبية من الدولة.
تعتقدون أن لا؟ من حقكم ان تقترحوا قواعد اخرى، ولكن لا تبالغوا مثل المعقبين على الانترنت.
يديعوت 29/12/2015
يوعز هندل