قبل سنة فقط، في تشرين الاول 2014، شرح أحد الناطقين بلسان تنظيم داعش، نضال النصيري، لماذا لا يتدخل تنظيمه الايراني في ما يجري في غزة ولا يهاجم اسرائيل. فقد شرح قائلا: «نحن نعمل بشكل مرتب. أولا نحن ملزمون بان نعزز الخلافة في سوريا وفي العراق، نسقط بضعة أنظمة عربية، نضعف الولايات المتحدة وعندها سيكون ممكنا معالجة العدو الصهيوني». النظام هو نظام، هكذا درج على القول أيضا ادولف هتلر الذي يعد بعض من معجبيه من مؤيدي داعش ايضا. وفي حينه استخدم قادة القاعدة ايضا ذات الذريعة. اسرائيل لم تندرج في قائمة الاهداف الفورية للجهاديين. فالاعداء الحقيقيون لعبدالله عزام (المعلم الروحاني لـبن لادن) وأيمن الظواهري وبن لادن كانت الانظمة العربية الفاسدة والولايات المتحدة ايضا، التي منحتها المساعدة. أما اسرائيل فأبقوها دوما على سبيل العقبى.
ماذا تغير في سياق سنة دفع ابو بكر البغدادي لان يغير رأيه بالنسبة لاسرائيل؟ من المهم أن نتذكر بأنه طالما كان داعش يقاتل ضد المسلمين وليس ضد اليهود، كان يتعرض للهجوم من سلسلة واسعة من رجال الدين، الصحافيين والكُتّاب العرب. فنظريات المؤامرة لا تنقص في العالم العربي، وبموجبها يوجد ارتباط مباشر بين داعش وتل ابيب. هكذا يشرحون الصمت الصاخب للبغدادي حول ما يجري في غزة وفي الضفة. وليس هذا جديدا – هكذا اتهم الاخوان المسلمون الاسد ومبارك أيضا اللذين لم يستخدما سلاحهما لمهاجمة اسرائيل والدفاع عن الفلسطينيين وألمحوا بالعلاقات المتفرعة بينهم. والان، ثار المخلوق على خالقه، وأبو بكر البغدادي متهم في أنه عميل للموساد اليهودي جاء ليضعف العرب ويدمر استقلال العراق، سوريا، ليبيا وغيرها. ويأتي قول البغدادي لوضع حد لهذه الهجمات التي يتحمل مسؤولية بعضها الايرانيون.
هكذا بحيث أن تفضيل اسرائيل من ناحية داعش هو مثابة حل وسط يمكن ان يخدم التنظيم الاجرامي جيدا. وتأتي هذه الدعوة ايضا لآذان المتطوعين في العالم. فحسب مصادر غربية، فقد ضعف تيار المتطوعين لداعش في نهاية السنة، والكثيرون منهم فروا عائدين إلى بلادهم. كل هذا يضعف شبكة داعش التي تحتاج كل الوقت لدم جديد (بمعنى الكلمة الحرفي) لاجل تثبيت أنماط حياة في الكيان الذي خلقوه. والوعد «بدفن اليهود في فلسطين» موجه لهم أيضا.
كيف يمكن لداعش ان ينفذ وعوده؟ ابو بكر يعتمد على أن أيديولوجيته تجتاز حواجز الحدود وتصل إلى الهدف. عشرات من العرب الاسرائيليين خرجوا منذ الان للقتال في صفوف داعش في سوريا. وأنوية الخلايا التي يمكن أن تنهض وتفعل ويعزوها داعش له موجودة منذ الان، وقد انكشفت بعضها قبل بضعة اسابيع في الناصرة. ونجدنا ملزمون بان نتحفظ في القول في أن هذا ليس مجرد ايديولوجيا داعش بل العقيدة السلفية الوهابية التي تنشرها السعودية بالذات – تلك التي تقود التحالف ضد داعش. فالخطب، المساجد والدروس – كله قائم، في الانترنت وفي الواقع على حد سواء. اما الاتجاه الآخر الذي يتوجب الانتباه اليه فهو سيناء. فمنذ بداية سنوات الالفين تعمل هناك منظمات الجهاد العالمي والتي اطلقت غير مرة الصواريخ نحو ايلات. ويقاتل الرئيس السيسي وجيشه ضد «انصار بيت المقدس». وقد تسلل السيسي عمليا إلى الوعي المصري منذ 2012، حين أعلن عن بدء حملة «النسر» للقضاء على اعشاش الارهاب في سيناء، ولكن دون نجاح. هكذا بحيث أن الشر يمكن أن يأتي من الجهة الجنوبية أيضا.
وللسؤال الكبير: كيف يمكن الانتصار على داعش؟ نحن ملزمون بان نقاتل ليس داعش بالذات، فالتنظيم يعتمد على شبكة تعليم للكراهية من بيت الايديولوجيين الوهابيين الذين يعملون في كل العالم. هذا كفاح طويل المدى من شأنه ان يستمر كعقد من الزمان بل وأكثر. وبدايته يجب أن تكون ليس في الغرب بل في الشرق. حيث يتحدثون منذ سنوات عديدة عن «النهضة» للثقافة والدين والتي يمكنها وحدها أن تشكل سلاحها ناجعا ضد الايديولوجيا السامة لمتطرفين الاسلام، لداعش ولاولئك الذين يقاتلون ضده.
معاريف 29/12/2015
كسنيه سفتيلوفا