الاتفاق النووي… حدث العام 2015

■ لو سئلت عن الحدث الأهم الذي ميز العام الأخير فسأجيب بأنه توقيع الاتفاق النووي مع إيران، فرغم تمدد وتشابك الأحداث خلال العام يبقى ذلك الاتفاق هو الخبر الذي سيشكل حاضر ومستقبل المنطقة بشكل غير مسبوق.
هناك من لا يزال يقلّل من نتائج الاتفاق، على اعتبار أنه مجرد اتفاق تقني لتنظيم استفادة إيران من المورد النووي. لأولئك أقول إن الاتفاق يتجاوز، للأسف، هذا التبسيط إلى ما هو أكبر، فمن تابع مسيرة التفاوض التي احتدمت مع احتدام الأزمة السورية يستطيع التوصل إلى خلاصات مفادها أن الولايات المتحدة لم تكن على الطرف المفاوض لإيران، بل كانت بالأحرى شريكة لها ومنفذة لتوصياتها، بشكل أثار حفيظة المراقبين. من ناحية استبقت الولايات المتحدة الاتفاق بالترويج لنظرية «تغير إيران» مع استلام روحاني لرئاسة البلاد، وقامت في سبيل ذلك بدعاية قوية، مفادها الاختلافات بين إيران نجاد المتشددة وإيران روحاني المعتدلة والمنفتحة. في الوقت ذاته اشتغلت الولايات المتحدة على تبديد كل مخاوف إيران من خلال الموافقة على جميع مطالبها التي على رأسها امتلاك التكنولوجيا النووية والإعفاء من العقوبات، ووضعت اتفاقاً بلغة فضفاضة لا يلزم إيران بشيء، في حين يطالب الأطراف الأخرى بفتح صفحة جديدة مع ذلك البلد الذي تحوّل فجأة من عضو أصيل في حلف الشر إلى صديق وشريك في مكافحة «الإرهاب». الولايات المتحدة قامت أيضاً بجولات مطولة من أجل تبديد مخاوف دول المنطقة، عبر محاولة الترويج لكون إيران في حاجة ماسة الآن للمجتمع الدولي، وأنه لن يكون من المنطقي أن تخسر ما أنجزته في هذا الاتفاق عبر تصرفات عدائية.
لا أريد هنا أن أتحدث عن الجزء المتعلق بتخفيض اليورانيوم المخصب وأجهزة الطرد المركزي وغيرها من الجوانب التقنية فهي أجزاء متاحة ومتوفرة لمن أراد الحصول عليها، لكن ما يشغلني هنا هو ذلك الجزء الذي لم يكتب. على سبيل المثال فإن الحظر على التسليح يمتد لبعض الأسلحة لخمس أو ثماني سنوات، وهو ما يبدو جيداً نظرياً، حيث يسمح مع مرور الوقت بالتأكد من الالتزام الإيراني. لكن الواقع يثبت بوضوح أن الاتفاق كان مجرد تعهد بين أصدقاء ولم يكن مكتوباً بلغة ملزمة فعلياً، بحيث أن إيران حين تحتاج لاستخدام أي نوع من السلاح، وقد حدث ذلك فعلاً، فإنها لا تأخذ إذناً من أي طرف دولي.
هكذا يمثّل الاتفاق بالنسبة للدول العربية القريبة من النفوذ الإيراني تهديداً مباشراً ومؤشراً على علاقة استراتيجية جديدة تقودها حليفتهم القديمة، مع دولة تشكل لهم خطراً فعلياً وتتدخل في شؤونهم بشكل مستمر منذ عقود. بدون فهم الاتفاق النووي لن نستطيع فهم التدخل الإيراني في سوريا، كما أننا لن نستطيع فهم إصرار دول كالسعودية على خلق تحالفات جديدة بشكل يجعلها توسع من خياراتها، بحيث لا تعتمد بشكل حصري على شريكها الاستراتيجي التقليدي: الولايات المتحدة.
نتائج وتداعيات هذا الاتفاق كانت متوقعة سلفاً، وقد حذر عدد من المهتمين بالملف من مغبة تجاهل ما يحدث من تفاهمات بين الغرب وإيران، باعتبار أنه سيصب، غالباً، في غير مصلحة المجموع العربي. ما حدث للأسف كان أن العرب أضاعوا الكثير من الوقت قبل أن يتحركوا أخيراً في مساع جادة لفض الاتفاق أو التقليل من آثاره ومخاطره. القراءة الواقعية للاتفاق تجعل منه نتيجة للتقارب الأمريكي الإيراني وليس العكس، حيث يأتي الاتفاق تتويجاً للتفاهمات مع الولايات المتحدة حول أهمية الدور الذي بإمكان إيران أن تلعبه في المنطقة. البعض رأى في إطلاق يد إيران في منطقة سوريا وقبلها العراق عجزاً أمريكياً وبالتحديد عجزاً «أوبامياً». ومضت أسطورة «الارتباك» الأمريكي لتشق طريقها في ميدان المقالات والبحوث الغربية والعربية على السواء. أنا أنتمي لوجهة النظر التي لا ترى في الرئيس أوباما شخصية مرتبكة فهو رجل يعرف ماذا يفعل والأهم أنه محاط بالكثير من المستشارين الذين يدرسون بعناية كل خطواته. لذلك فإن التركيز على شخصيته وأسلوبه ومشكلاته قد لا يكون منطقياً رغم رواجه، كما قلنا في عالم التحليلات السياسية.
انطلاقاً من حصر المشكلة في شخصية الرئيس أوباما الذي تحمس، بشكل شخصي، لإنجاح العلاقة مع إيران، رأى أصحاب نظرية الارتباك أن انتظار نتيجة الانتخابات المقبلة التي قد تسفر عن ظهور رئيس بتوجهات مختلفة هو الحل. أي أنهم يقولون بشكل غير مباشر إن مصير هذا الاتفاق وتداعياته المرتبطة بالعلاقة مع الولايات المتحدة سيحددها الناخب الأمريكي.. لماذا يثير تحسن العلاقة الإيرانية مع الولايات المتحدة القلق؟ السؤال مشروع وإجابته أنه في الظروف العادية فإن بند علاقات الدول الخارجية هو أمر يخص تلك الدول وحدها، لكن الفارق هو أننا هنا لسنا بصدد دول عادية، فإيران من جانب دولة يتماهى العقدي فيها مع السياسي والاقتصادي وهي لا تستطيع أن تعيش بدون محاولات التدخل في شؤون غيرها من دول المنطقة. بل حتى الدول العربية والإسلامية التي تمتعت لوقت طويل معها بعلاقات استراتيجية، سواء عن طريق التعاون الدفاعي أو الاقتصادي أصبحت اليوم تشتكي من هوس دولة الولي الفقيه بنشر مذهبها في أوساط السنة وخلق حلفاء وعملاء لها لاستخدامهم وقت الحاجة على طريقة حوثيي اليمن.
من جهة أخرى فإنه لا جدال في أن الولايات المتحدة هي القوة الأهم والأكبر في العالم، وهو ما يجعل التحالف بين الطرفين يمثل أهم الأخطار الاستراتيجية التي تواجه المنطقة، خصوصاً الدول السنية. ذلك التحالف يظهر بقوة في المشهد السوري الذي تساند فيه الولايات المتحدة دور إيران، باعتبارها مقابلاً للمتشددين السنة ومن هنا تكرارها في كل مناسبة على أن إيران جزء من حل الأزمة السورية جنباً إلى جنب مع النظام السوري وأطياف المعارضة «المعتدلة».
لم تكتف الولايات المتحدة بترويج شائعة «تغير إيران»، بل وقفت إلى جانبها وسهلت دخولها إلى المجتمع الدولي من جديد كشريك اقتصادي وتجاري مهم، كما عادت من جديد لتستثمر في ذلك البلد بشكل يضخ الدماء في اقتصاده المتعثر. لكن تصرفات إيران ووقوفها غير المبرر إلى جانب النظام السوري كان محرجاً لحليفها الجديد، خاصة وهي تعلن بتناقض أن على جميع المقاتلين الأجانب أن يخرجوا من سوريا. وجه التناقض هو أنها حينما كانت تقول ذلك فإنها لم تكن تعني بطبيعة الحال حزب الله اللبناني أو الميليشيات التي تتبع لها، حيث كانت تعتبر نفسها على ما يبدو جزءاً من البنية الأصيلة لسوريا..! مستشعرة الحرج، خاصة أن كل الاجتماعات الخاصة بسوريا تشدد على ضرورة إخراج المقاتلين الأجانب، روّجت الولايات المتحدة مرة أخرى إشاعة جديدة مفادها بدء انسحاب القوات الأرضية الإيرانية عقب ما لحق بها من هزائم وقتل لأعداد من أهم قادتها. الانسحاب الإيراني يعني أنه لم يعد هناك مبرر لوجود مقاتلين قادمين من بلاد السنة، كما يعني حسم الصراع لصالح قوات المعارضة التي كانت تقاتل بالأساس إيران وحلفاءها بعد أن أصبح دور جيش النظام ثانوياً. أيضاً فإن الدور الروسي الذي يقتصر على الضربات الجوية سيصبح بلا جدوى. هذا ما أرادت الولايات المتحدة أن توصله للمفاوضين حول الأزمة السورية، خاصة المتشددين من الدول والجهات التي تصر على أن الحل يبدأ بانسحاب إيران. لكن هل انسحبت إيران فعلاً؟ بالتأكيد فإن إيران لم تنسحب ولعلها لن تنسحب حتى تحقق هدفها بعيد المدى وهو المشاركة في خلق سوريا جديدة حليفة لها، سواء مع أو بدون بشار الأسد، أما ما روج له الأمريكيون فكان كما وصفناه مجرد شائعة كتلك الشائعة الأكبر عن «إيران الجديدة»!

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية