« بابا نويل» يلاحق الإرهابيين في تونس

في مدخل واحد من أكبر مراكز التسوق في تونس وأفريقيا، مثلما تصفه لوحات الدعاية، وقف الزوار في طابور طويل بانتظار الفحص الأمني قبل الدخول.
في الحالات العادية لم يكن هناك ما يلفت الانتباه لازدحام بدا طبيعيا آخر أيام العام، ولكن الصورة التي اكتسحت مواقع التواصل الاجتماعي صباح العشرين من الشهر الجاري كانت غريبة وحتى استثنائية بعض الشيء، والسبب هو صدور بيان رسمي من السفارة الأمريكية في تونس يطلب من الرعايا الأمريكيين عدم زيارة المركز في ذلك اليوم بالتحديد، تحت مبرر أن هناك «مخططا إرهابيا يستهدفه»، بحسب ما جاء في نص التحذير. المفاجأة التي حصلت هي أنه خلافا لما كان منتظرا في مثل تلك الحالة، فقد فاق الاقبال حد التصور ودلت الأرقام التي اعلنها مدير المركز في مؤتمر صحافي عقد في وقت لاحق، أن عدد الزوار في ذلك اليوم وحده قارب الثلاثين ألفا من الوافدين الذي قدموا غير آبهين أو مكترثين بالتنبيه الصادر عن السفارة. هل كان الأمر تجاهلا مقصودا لتحذير أمني صادر عن سفارة دولة عظمى يفترض أن لتحذيراتها الامنية قدرا من الصدقية والقيمة بحكم قدراتها الاستخباراتية الواسعة؟ أم ببساطة وبدون تضخيم أو تعقيد للموضوع مجرد اندفاع غريزي وراء عادات استهلاكية جعلت قسما من التونسيين لا يستطيعون الصمود كثيرا أمام إغراء العروض التجارية الجذابة؟
ما قالته وسائل الإعلام المحلية التي حضرت منذ ساعات الصباح الاولى ترقبا لصيد قد يكون ثمينا ويحدث ضجة داخل تونس وخارجها، هو أن وجود تلك الطوابير الطويلة، كان دليلا اضافيا على الرغبة في تحدي الإرهاب والتعبير عن عدم خوف التونسيين منه. لقد تمكنت إرادة الحياة من الانتصار على من خططوا للقتل والتفجير وبث الرعب، مثلما ردد الكثيرون في محطات الإذاعة والتلفزيون. ولكن تلك الإرادة التي كانت واحدة من الشعارات التي حركت الشارع قبل سنوات قليلة لم تعد في متناول كل يد. لقد طمسها الارهاب الذي صار بمرور الوقت تجارة رخيصة لا يقبل عليها الأفراد الذين يقومون بأعمال القتل والتفجير فقط، بل حتى آخرون يتحايلون باسمه تحت غطاء محاربته أو الوقوع فريسة له، ورغم أن الرئيس الباجي قائد السبسي قال قبل ايام في حديث لصحيفة «عكاظ» السعودية «إن تونس كانت في شبه غيبوبة عن مكافحة الإرهاب وعادت إلى الوعي، وهي الآن ماضية على الطريق الصحيح»، إلا أن الواقع على الأرض يدل على أن ذلك الوعي لا يزال محدودا وغير كاف بالمرة. والمفارقة هنا هي أن تونس التي سعت للانضمام إلى تحالفات دولية واقليمية لمحاربة الإرهاب، لم تسع بالمقابل لجمع ابنائها على كلمة سواء وتقليص الفجوة الواسعة بينهم، ما رسخ شعور البعض منهم بان هناك تونسين اثنتين داخل تونس. ففي الوقت الذي كانت فيه تلك الطوابير تتحدى الإرهاب بالتسوق في ضواحي العاصمة، مثلما تردد في وسائل الإعلام، كانت انباء إرهاب آخر يضرب نساء حوامل في مناطق قصية داخل تونس ويقضي عليهن بلا رحمة ولا شفقة، إما داخل المستشفيات أو في الطريق إليها، تملأ الصحف اليومية، «انها فضيحة» كتبت صحيفة «المغرب» اليومية بالبنط العريض على صدر صفحتها الأولى، قبل أن تعبر مستشارة وزير الصحة في تصريح لصحيفة «الشروق» المحلية «عن أسفها الشديد لوفاة سيدة اثناء المخاض بسبب عدم وجود طبيب ولادة في المستشفى الجهوي في محافظة تطاوين». ولئن لم يعرف أحد إن كان الاطباء الذين قاطعوا مستشفيات الجنوب وباقي مستشفيات المحافظات المنكوبة، التي قال السبسي في حديث لوسائل إعلام سعودية، على هامش زيارته الرسمية الأخيرة أن عددها هو أربع عشرة محافظة «تعيش تهميشا، ما جعل مساهمتها في الدورة الاقتصادية محدودة أو معدومة». لقد ذهبوا إلى واحد من مراكز التسوق الشهيرة مثلما فعل غيرهم «لمحاربة الإرهاب» فان المؤكد هو انهم اختاروا جني الارباح في العاصمة والساحل على تحمل البقاء في تلك المناطق التي غطتها طبقة سميكة من البؤس والكآبة. إنهم يريدون الحياة المترفة والمخملية ولا يفكرون بمن فقدوها لمجرد أن الجغرافيا وضعتهم في خاصرة تونس، أو على أطرافها البعيدة. أما الذين قادهم حظهم العاثر للبقاء والعمل هناك فقد لا يكون مصيرهم مختلفا كثيرا عن مصير الطبيب الذي قرر وزير الصحة إيقافه عن العمل في سيدي بوزيد لأنه تجرأ وقال له عندما زار المستشفى أن زيارته «لن تغير شيئا من الواقع الصحي للمحافظة، وأنه المسؤول عن ذلك التردي». وبالمقابل قد يكون الشيء الوحيد الذي يستنفر السلطات ويجعلها تهتم بأمر الناس في تلك الأركان البعيدة هو ذلك الوحش الخرافي، أي الارهاب، ولا احد غيره. والدليل الاقرب على ذلك هو تركيز الإعلام المحلي قبل ايام على خبر اختفاء تلميذة في محافظة القصرين قالت بعض الصحف اليومية إنها خطفت على يد مجموعات تابعة لـ»داعش». وذكرت أخرى أن تلك المجموعات أعدمتها ووصل الامر بوزير التربية، لأن يصرح بأن وزارته «تتابع عن كثب عملية الاختفاء الغامض» ليتبين بعد ذلك كله أن الفتاة هربت مع صديق لها إلى محافظة سوسة الساحلية بمحض إرادتها بعد خلاف مع العائلة.
أما الأغرب من ذلك فهو أن بعض الافراد صاروا يتحايلون على الدولة باسم الارهاب بعد أن اقتنعوا انه الستار الاكثر امانا وسلامة لارتكاب التجاوزات وخرق القانون والإفلات من المحاسبة والعقاب. ولعل آخر قصص التستر بالارهاب هي تلك التي نقلتها صحيفة «الصريح» المحلية من أن أحد سكان المناطق الريفية اخبر مركزا للدرك بأنه «تعرض لهجوم من طرف ثلاثة اشخاص يرتدون ازياء عسكرية قاموا بتفتيش شاحنته ليعثروا داخلها على مبلغ من المال وشريط كاسيت يحتوى قراءات لآيات من القرآن شفعت له، كما قال، وجعلتهم يطلقون سبيله ويسكبون سائلا فوق الشاحنة قبل حرقها بالكامل». أما ما أفضت إليه التحقيقات في وقت لاحق، حسبما أوردته الصحيفة ذاتها، فهو اعتراف الشاكي للمحققين، بأنه افتعل القصة من ألفها إلى يائها وحرق شاحنته بهدف الحصول على تعويض من شركة التأمين يساعده على خلاص ديونه وشراء شاحنة جديدة. لماذا اختار التحايل باسم الارهاب، ولماذا زج بالقرآن والدين في روايته الكاذبة؟ السبب الواضح هو أن السلطة وجزءا واسعا من النخبة يريدون ذلك أو لا يرون على الاقل مانعا من ذلك الربط المتعمد. ولأن الاشتغال على ذلك البعبع يتطلب البحث عن طرق جديدة للاستعراض، مثلما يحصل في أي عمل كرنفالي آخر فلا مانع من أن يتنقل «بابا نويل» بنفسه ليلة رأس السنة إلى أخطر مكان في تونس ليظهر صولاته وبطولاته أمام الأشرار، ويجلب بركاته وعطاياه للمنسيين في سفوح الجبال. ولأجل ذلك لم تجد مجموعة تطلق على نفسها «ائتلاف المثقفين التونسيين ضد الارهاب» فكرة أفضل من تنظيم ما وصف «بقافلة للتضامن مع جنودنا وأمنيينا وأهالينا في جبل الشعانبي»، تنطلق من العاصمة لتصل إلى ذلك الجبل الذي دوخ التونسيين، وتقضي ليلة رأس السنة فيه. هل هناك عمل خيري وإنساني أسمى من ذلك؟ بالقطع لا فكل الجمعيات التي تفكر بمساعدة البؤساء الذين يعيشون على هامش الخريطة هي جمعيات مشبوهة بنظر هؤلاء الذين سيذهبون بهداياهم وشعاراتهم في تلك الليلة المباركة. إنهم مثال حي للمثقف العضوي الذي تحدث عنه غرامشي، والذي يجد الآن دعم ومباركة السلطات بعد أن أعلن مسؤول حكومي ترحيبه بالفكرة، وقال إنه تم التنسيق مع وزارة الدفاع لحماية ضيوف القافلة منوها بالحركة الرمزية التي ستسهم كما قال في رفع الروح المعنوية للأمن والجيش. وبالطبع سوف تحظى زيارة «بابا نويل» ورفاقه بتغطية واسعة في الإعلام المحلي وحتى الدولي، لأن الناس سيكتشفون بالتأكيد وجها آخر غير معروف حتى الآن لذلك الشيخ صاحب اللحية البيضاء والثوب الأحمر، الذي يوزع عادة كما تقول الروايات هداياه على الصغار آخر ايام العام، وهو وجه المحارب الشرس ضد الإرهاب. أليس ذلك ابتكارا تونسيا صرفا أن يتحول اشهر عجوز في العالم من صديق للاطفال إلى عدو شرس للإرهابيين؟ من لم يصدق أن ذلك ممكن وقابل للتحقق فعليه أن يسأل التونسيين الذين اصطفوا في طوابير طويلة أمام المركز التجاري الجديد في العشرين من الشهر الجاري عن الطريقة التي جعلتهم يتجاهلون إغراء العروض التجارية ويقفون صفا واحدا للدفاع عن البلد من خطر الإرهاب الذي يتهدده بالويل والثبور .

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية