يتعرّض العرب إلى نقد شديد ربّما لم تتعرض له قوميّة أخرى على مرّ التاريخ.. يأخذ النقد المكثّف لأيّ حضارة منحدرة مشروعيّـته من مقارنة واقع هذه الحضارة بواقع حضارات معاصرة لها في طور النهوض، وكلّما كان للحضارة المنحدرة تاريخ سابق عظيم، ارتفعت حدّة النقد الموجّه نحوها وهي في طور الانحدار.. فالحضارات ذات التاريخ العريق تتحمّل قدراً من النقد لا تتحمّله حضارات أخرى أقل تأثيراً على المستوى الإنساني.. ربّما يصح في هذا السياق أن نقول بأنّ عظمة أي حضارة هي سلاح ذو حدّين، بحيث ستتحمّل هذه الحضارة نصيباً أكبر من الآلام عندما يغيب دورها.
بدايةً ثمّة نوعان من النقد أودّ التفريق بينهما في هذا المقام: نقد إيجابيّ مطلوب، ونقد سلبيٌّ هدّام.. أمّا في التمييز بينهما فمن ثمارهما تعرفونهما؛ فالنقد الإيجابي يحقّق تغييراً ملحوظاً مع مرور السنين، بينما السلبيُّ ينتهي إلى العكس تماماً، ويساهم في تكريس الحالة التي يتمّ نقدها، بل وفي إقناع الفئة التي يتم استهدافها بالنقد بأنّ الحالة السلبيّة هي صفة راسخة وجوهريّة لا فكاك منها..
وبالعودة إلى استهداف العرب بالنقد، فمن الواضح أنّ معظم هذا النقد أصبح أقرب إلى النمط الهوليوودي في نقد العرب والمسلمين، أو نقد كلّ الشعوب التي يختلف تصوّرها للحياة عن التصوّر الغربيّ. يقوم هذا النمط بتكريس الصفة السلبيّة من خلال العمل على إقناع المستهدَف بأنّها تمثل جزءاً من تكوينه النفسي والثقافي وربما الجيني أيضاً! والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، فإذا ذكرت الجهل والتخلّف وعدم الاهتمام بالقراءة فسيكون العربيّ أوّل مثال يتبادر إلى الذهن، وإذا ذكرنا عدم احترام الوقت والمواعيد فسيجيبك بعضهم: بالتأكيد هم العرب.. وعن اللهاث خلف الجنس واحتقار الأنثى والديكتاتوريّة والعصبيّات الجاهليّة فسيقال لك ومن غير العرب يستحق هذه الأوصاف.
يصدر هذا النوع من النقد الهدّام عن جهات متعدّدة، بعضها لا يريد للمستهدف بالنقد النهوض مطلقاً، وهي جهات لا تعلن اهتمامها بنهوض العرب على أيّ حال.. بيد أنّه يمكن تفهّم هذا النمط من النقد كونه يصدر عمّن لا يشغله هاجس الارتقاء بهؤلاء العرب، فهو لا ينطلق في نقده من موقع الصديق من الأصل، والنقد في هذه الحالة ليس أكثر من واجهة لصراع متعدّد الدوافع، فمنها الثقافي والسياسي والعسكري أو حتى الديني.. ولكن الأسوأ أن يصبح هذا النوع من النقد مثالاً يحتذى من قبل بعض العرب أو بعض المواطنين من أبناء الإثنيات الأخرى. وهنا يصبح الأمر بمنزلة التبرّؤ من الانتماء إلى هذه الجماعة أكثر من كونه عملاً ثقافياً واجتماعياً للارتقاء بها. ويحدث أن تصادف في الغرب من العرب من لا يفوّت فرصة لنقد الثقافة العربيّة على سبيل البراءة من الانتماء، بينما قد تجد غربيّين أكثر تسامحاً مع أخطاء بعض العرب في ظروف اعتيادية، فالمواطن الغربي العادي حين يكون بعيداً عن سلاح الإعلام الموجّه لا يقابل هفوتك بإحالتها إلى عوامل بيولوجيّة دينيّة إثنيّة، بل إلى عوامل ظرفيّة طالما أنّها لم تتكرّر بصورة مبالغ بها.. هذا التبرّؤ الذي يلبس لبوس النقد يعبّر عن هزيمة نفسيّة لجيل عجزت أجيال سبقته عن إحداث التغيير، ثمّ بفعل التراكمات ومع طول أمد البؤس في عالمنا العربي أصبح هذا النوع من النقد وسيلة للتعبير عن القفز من السفينة الغارقة، من خلال انسلاخ غير معلن عن العروبة بحمولتها الثقافيّة والدينيّة.. ومن طرائف النقد الموجّه للعرب في منطقتنا أنّ بعض الناقدين الذين لا يجدون حرجاً في نسب جميع المثالب للعرب، ستكتشف بعد فترة طويلة أنّك لم تلحظ من قبل انتماءهم إلى أصول غير عربيّة، وستجد أنّهم يعانون من تشنّج كبير أمام كلّ نقد يخصّ جماعتهم الإثنيّة؛ وكأن على العروبة وحدها أن تحمل مصائب العرب وغير العرب في هذه المنطقة!
لا شكّ أنّ الانسلاخ عن ثقافة ما، أي ثقافة، هو خيار شخصيٌّ وحقٌّ مشروع لأي إنسان. وهنا لا أستهدف بالنقد ظاهرة الانسلاخ نفسها، وإنّما اللبوس الذي تخرج به كحالة نقديّة ترمي إلى النهوض بالواقع العربي. في حين أنّها ليست سوى ظاهرة عدميّة هدّامة تسعى إلى تعميم حالة الانسلاخ، لا إلى تغيير الواقع نحو الأفضل..
يختلف النقد الإيجابي عن «النقّ» أيضاً في كون الأوّل يتمظهر من خلال البحث عن حلول لمشكلات الواقع، ومن نافل القول إنّ دور المعالِج يفقد مشروعيّته حين يكون كارهاً لمجمل الثقافة التي يدّعي الرغبة بمعالجتها عن طريق النقد. ولا تكون لهذا العلاج قيمة في حال لم يركّز على التدعيم النفسي وتعزيز الظواهر الإيجابيّة، فالناقد يتعامل مع ظواهر إنسانيّة بالدرجة الأولى، ممّا يتطلّب قدراً كبيراً من التفاعل الإنساني يعادل الحاجة المطلوبة من الفكر والعلم..
إذن ثمّة نقد استعلائي يأتي من آخر لا تربطه صلة بالعرب، يمكن تمييزه عن نقد ازدرائي يصدر من عرب منسلخين عن ثقافتهم، أو عن أبناء الثقافة العربيّة مع غير العرب، والتوصيف نفسه يصحّ على نقد الإسلام؛ ومن نافل القول إنّ تداخلاً كبيراً بين الإسلام والعروبة يجعل النقد الموجّه إلى واحدٍ منهما يمسّ الآخر بدرجة مساوية.
أخيراً، قد يسأل سائل: هل يستحق النقد كل هذا الاهتمام؟ أليس من الأولى الاهتمام بأمراضنا التي تستحق النقد؟ هنا يجدر القول بأنّ العلاج إن لم يكن مناسباً ينبغي إيقافه فوراً، بل أن أوّل ما يبحث عنه الطبيب قبل وصف الدواء هو مدى ملاءمته لطبيعة الجسم، للتأكّد من عدم وجود أي حساسيّة تجاهه، فالحساسيّة غالباً ما تكون قاتلة، ممّا يجعل ترك المرض للمناعة الذاتية للجسم في هذه الحالة أقل خطورة بكثير.. وعليه آن الأوان لنقول: أوقفوا هذا النوع من النقد القاتل للعرب.
كاتب سوري
عماد العبار