قليلون هم الراغبون في إصلاح هذا الجيل، قليلون هم الواقفون على أطلاله يندبون سوء مصيره. وكثيرون هم اليائسون من إصلاح الحال، لأنهم يرون المخربين يعملون على الهدم، ولا يرون يداً واحدة تبني. من المتصرف إلى أصغر متوظف، من أكبر زعيم إلى أصغر مزعوم. كلهم يهدمون وإذا استمرت الحالة على هذا المنوال، فما عسى تكون النتيجة؟
يقولون لي: نراك دائماً تصور لبنان بشكل مظلم، ودائماً تمثله بحالة مزعجة، ودائماً دائماً تقطع خيوط الأمل التي يحوكها الصحافيون على صفحات جرائدهم، فتحول ابتساماتهم دموعاً وتهاليلهم مراثي.
أجل، إن الحقيقة لا تألف دائماً هذه الصحف التي تقرأون، وإذا ابتسمت أحياناً فإنما تفعل كندماء السلاطين، يضحكون السلطان طمعاً برضاء السلطان، أو خوفاً من غضبه. وربما كان الرياء شنشنة البعض، فيلبسون الأبيض أسود والأسود أبيض، فيضلون بذلك من حيث يجهلون.
أما الذين يرغبون في الإصلاح، الذين يحملون في صدورهم قلباً غيوراً ونفساً وطنية، فإني لا أسمع لهم صوتاً، حتى كدت أشك بوجودهم، وأريد بهؤلاء أصحاب الأفكار المستقلة التي لا تربطها رابطة بأصحاب المطامع. أريد بهؤلاء أصحاب الجرائد الحرة. والجرائد الحرة هي التي تقول الحقيقة أين وجدت، ولو عادت عليها ذلك بالضرر المادي. ولما كان هؤلاء الذين أعنيهم، غير ميسور وجودهم، فإني ما أزال أقول: إن الأمل ضعيف بالإصلاح.
جعجعة أحزاب وقرقعة جمعيات، في كل قضاء، بل في كل قرية. وقد مضى على هذه الجمعيات وهذه الأحزاب زمن طويل، فماذا صنعت من خير هذا الوطن؟
أأنشأت هذه الجمعيات الخيرية الأدبية، مدرسة صناعية أو ملجأ خيرياً، أو أتت عملاً يذكر ولو زهيداً؟ وهذه الجمعيات السياسية التي تدعي أنها من أكبر أنصار الإصلاح، أي شيء غيرت في هيئة الحكومة؟ هل وقفت في وجوه رجال الزعامة؟ أمهّدت لأصحاب العقول المفطرة سبيلاً إلى إشغال المراكز في دوائر الحكم؟ أم وضعت نصب عينيها مشروعاً حيوياً وباشرت العمل فيه؟
أجل إن غاية ما يصنع حتى الآن عزل أناس وتنصيب آخرين؛ وقد يكون في من ينصبون من هم دون المفصولين خبرة وإخلاصاً. هكذا كان لبنان، أحزاباً تتطاحن وأموالاً تبذل وبيوتاً تخرب، وكذلك هو اليوم. غير أن الأحزاب اتخذت لها أسماء غير أسمائها الأولى. فبالأمس كان حزب واصا، وفرنكو، ومظفر. واليوم حزب الأحرار، والمحافظين، والمتقهقرين.
لا يضيع حق وراءه مطالب. وكذلك الإصلاح، لا يضيع إذا كان في البلاد مصلحون، إذا كان فيها رجال مجردون وصحافيون يقولون ما يعتقدون، وما يرون وما يسمعون.
أكاد أجزم بأن ليس في لبنان من يفكر في إصلاحه؛ وإذا فكّر أديب مرة، فما هو مما يقاس عليه، ومتى ثبت أن ليس من يعمل على الإصلاح، فكيف يمكن أن نرقى؟ متى ثبت أن الجهل، والانقياد، وحب الذات، ضاربو الأوتاد في لبنان من شماله إلى جنوبه، من شرقه إلى غربه، فكيف يمكن أن نعلق أملاً على المستقبل؟
نحن هنا نعتقد أن المهجر ينشئ لنا رجالاً يصلحون ما يفسده كبارنا وزعماؤنا، ويعتقدون في المهجر أن الناشئة هنا ستقلب الهيئة الحاضرة، وتقيم على أنقاضها هيئة تناسب العصر الذي نحن فيه، وبين اعتقادهم واعتقادنا خسارة لا تعوض لو ننتبه وينتبهون.
ها قد تقرر أن الجوالي في المهجر، وأن الناشئة في الوطن يضللون الرأي العام، لا عن سوء قصد، فكيف ولم؟ جرائدنا هنا إما مشتراة وإما مسالمة وإما متاجرة. وهي لا تقدر أن تكون إلا كذلك. ولماذا؟ لأن اللبنانيين إما طماعون، وإما خاملون، وإما جهلاء.
ولا أذكر هنا القسم القليل الراقي، وبحكم الاضطرار تجري الجريدة مع قرائها ونصرائها، على ما يحبون. فهي إذاً منقادة لا قائدة، بل هي كالحرباء تتظاهر بما يكون قد أثره عليها أصحابها.
وجرائدنا في المهجر هي، والحق يقال، أخلص نية وأقوم قصداً، ولكنها تبعد عن الحقيقة أحياناً، بمقدار ما هي بعيدة عن دائرة العمل؛ ولذلك أسباب كثيرة أهمها اعتقاد جرائدنا في المهجر الصدق والحرية، ببعض جرائدنا في الوطن. واستناداً على هذا الاعتقاد
الذي كثيراً ما يكون في غير محله، تأخذ هذه الجرائد بتطويب فلان وتقبيح فلان الآخر، وترجيح رأي هذه الجمعية على رأي تلك بحيث يختلط الحابل بالنابل، ويشتبك الرأي الصائب بالرأي الفائل.
وكل هذا لا يعد شيئاً بالنسبة إلى تغرير المراسلين، فإني أعرف منهم من يتخذ جرائد المهجر واسطة لتنفيذ مآربه أو مآرب من استخدمه. وقد تكون الجريدة الناشرة لتلك الرسالة واثقة بمراسلها فتضل به وتُضلّ.
فكيف إذاً والحالة هذه، نعلل النفس بتحطيم القيود التي نرسف بها؟ ومن هم يا ترى الذين يرغبون بالإصلاح مجرداً؟ إن الزمن الذي مضى على الزعماء والأحزاب والجمعيات، وكل دعاة الإصلاح كافٍ لأن يكون له بعض نتيجة. فأين هو هذا البعض؟ أفلا أقدر أن آخذ ذلك برهاناً على أن هؤلاء لم يكونوا يعملون كل هذه المدة، إلا لأنفسهم ولو خرب الوطن؟ أفلا يمكنني أن أقول للجرائد التي كانت موالية لحزب دون الآخر، أو لشخص دون سواه، إنها كانت تبايعهم على الباطل، وإنها كانت تخون الشعب الذي يغذيها؟ أتريد هذه الجرائد أن تقول لنا إن الشعب عدو نفسه وإنه متمسك بزعمائه إلى حد أنه لا يريد أن يسمع بها تنديداً؟ أتريد أن تقول إنها إذا انتقدت فريقاً ترجع إليها أعدادها، فلا تقدر بعد أن تعيش. فلترجع إليها أعدادها، وليختنق صوتها، في سنتها الأولى، فهو خير لها من أن تعيش لتميت وطناً بأسره .
صحيفة «البرق»، 8/5/1909
شاعر الهوى والشباب
كان بشارة عبد الله الخوري (1885 ـ 1968) أحد كبار شعراء العقود الأولى من القرن العشرين، ولم يكن عجيباً أن يختار لنفسه لقب « »، اتقاءً لاضطهاد السلطنة العثمانية ضدّ أيّ عربي يدعو إلى التحرر والنهضة، فحسب؛ بل كذلك لانه كان شديد الإعجاب بشخصية الأخطل، الشاعر الأموي التغلبي. وفي ذلك يقول: «كان يعجبني من الأخطل خفة روحه، وإبداعه في اصطياد المعاني، يقودها ذليلة إلى فصيح مبانيه، وفوق ذلك كان الشاعر المسيحي الفذ تنفتح دونه أبواب الخلائف يملأها لذة وطرباً وإدلالاً، بل يملأها ذلك الشرف الذي لا يبلى، والمجد الذي لا يفنى».
وليس أكثر اتساقاً مع شعر ، ومن داخل ذائقة عصره، إلا توصيف حنا الفاخوري: «روح الشاعر كانت موزعة بين سحر الجمال ونشوة الراح، وكان هدف حياته جمالية الوجود التي تتخّذ المرأة موطناً لها، والراح إغراقًا في نشوتها؛ فيعمد الشاعر الى المرأة بجميع جوارحه وطاقاته ويعالج جماليتها، معالجة النحّات الحاذق والرّسام العبقري، فيذيب نفسه وقلمه صوراً وألواناً، ويعمد الى الطبيعة فيعصر جمالها في جمال المرأة، ويضاعف بذلك السحر والجاذب، فيتضاعف شوق الشاعر، وتضطرم طاقاته الحسيّة، فيجهد نفسه لالتقاط المعاني وابتكار الصور، وتتسلسل الأبيات من روحه ومن قلمه، عذبةً، رقيقةً، لينةً، ناعمة، وتتلاحق الالفاظ والعبارات نغمةٌ ساحرة، ونجوى بعيدة الصدى، وقد يشعر الشاعر، وهو في ذروة حسّه، أن الجمال يذوب بين يديه، وأن الزمان يجري، وأن الحاضر منه لمحة زوال، فيعمد الى الخمرة ينشد في حمّياها ذهولاً، ومن وراء الذهول استرجاعاً لمتعة الوجود في اللاموجود، وقد تلمس في نفسه مأساة الوجودية المفجعة، في نغماتٍ شجيّة وفي ألحانٍ قاتمة».
هو الشاعر الذي غنّى له مطربون عرب كبار، من محمد عبد الوهاب («الصبا والجمال ملك يديكِ»، «جفنه علّم الغزل»، «الهوى والشباب»… )؛ إلى فريد الأطرش («عش أنت»، «أضنيتني بالهجر»…)؛ إلى فيروز («يبكي ويضحك»، «يا عاقد الحاجبين»، «أمس انتهينا»…). وهو الذي خُلع عليه لقب أمير الشعراء، أسوة بالأمير الأوّل أحمد شوقي؛ الأمر الذي لم يمنعه من الذهاب بقصيدته على مستويات جريئة في التجريد، من حيث الموضوعات ـ الغنائية والغزلية والرومانسية، غالباً ـ وشكل العمود الذي ارتأى أن يجعله مرناً وسلساً ومتخففاً من ثقل البحور الخليلية.
مدهش، في المقابل، أنه احترف الصحافة وأسس جريدة «البرق»، سنة 1908؛ لا لأنه كان يرى في الكتابة الصحفية رسالة نبيلة تخص شؤون الحياة والفكر والأدب فقط، بل كذلك لأنه أسند إليها دوراً اجتماعياً وسياسياً ناقداً على الصعيد العربي واللبناني (كما يتضح من النصّ أعلاه)، وعلى الصعيد الوطني والتحرر من الاستعمار (ولم يكن غريباً، إذاً، أن تغلقها سلطات الانتداب الفرنسية سنة 1933).
جُمعت قصائده في «ديوان الهوى والشباب»، و»شعر ».
الأخطل الصغير