في 24/12/1964 توفي الشاعر العراقي بدر شاكر السياب. فما الذي تركه السياب من آثار في الشعر العربي المعاصر؟
بدأ المعنيون بدراسة الشعر العربي يتلمسون آثار التطور في السنوات التي تبعت الحرب العالمية الثانية وبخاصة في العراق. ولا أحسب أن التطور في الشعر العربي قد توقف يوماً من الأيام، وفي الأقل منذ العصر العباسي، يوم «فسد» الشعر على يد بشار وأبي نواس، مروراً بما جرى لذلك الشعر معنى ومبنى في مغاني الأندلس، وصولاً إلى نهايات الفترة المظلمة واشراقات عصر النهضة، والمهاجر، وبقية الحكاية المعادة المكرورة…
لقد ورث الشعراء العرب في العقد الخامس من القرن العشرين كل تلك التطورات، فظهرت آثارها في ما نشروا من شعر في هذا البلد العربي أو ذاك. والشعر ديوان العرب، كان وسيبقى، في أغلب الظن فنحن أمة ما تزال الكلمة تؤثر فينا وما زال الطرب يأخذ بأعطافنا إذا نحن استمعنا إلى الشعر إنشاداً أو غناء. ولكن الشعر العربي، في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بدأ يتخذ مساراً يبتعد عن الصفة الغنائية، في الأمثلة الجادة منه. صار الشاعر يرغب عن المحسنات اللفظية والبديعية، وضروب البيان والميوعة العاطفية التي سالت إلينا من نهايات القرن التاسع عشر في فرنسا، فوجدت أحسن ـ أو أسوأ ـ أمثلتها في الرومانسية المريضة التي شاعت في أربعينات القرن العشرين، فاتخذت شكل «جندول» يتهادى في قنوات البندقية، أو «يختال بحوراء تغني»، إلى آخر الصورة الهلامية التي لا وجود لها إلا في خيال الشاعر عن «بلاد برة».
قد يحلو لبعض الدارسين ان يؤرخ لنقلة نوعية في تطور الشعر العربي المعاصر بما نشرته نازك الملائكة في ديوانها الثاني «شظايا ورماد» أو ما ذكرته في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» من انها أول من «أوجد» ما تدعوه خطأ باسم «الشعر الحر» وذلك عام 1947. والواقع أن بدراً كان قد نشر في الوقت نفسه مثالا أو أكثر من شعر يطور فيه نظام البحور الخليلي عددا، رغبة منه ان يرسم صورة أو يقدم فكرة لا ترتبط بعدد محدد من التفعيلات أقرها الخليل بن احمد الفراهيدي يوم «قنن» بحور الشعر العربي من بين ما جمع من أمثلة معروفة في زمانه، في القرن الثاني للهجرة.
ثمة مسألة جانبية شغلت الدارسين زمناً: من كان أسبق في تطوير الشعر العربي المعاصر: نازك أم بدر؟ وليس هنا مجال الحديث في هذا الأمر. فقد سبق الاثنين شعراء في هذا البلد العربي أو ذاك. ولكن الذي أراهن من مجمل دراسة نتاج نازك وبدر، ومقارنة الاثنين بما نشر في بلاد عربية أخرى، ان بدراً، بما نشر منذ عام 1947 إلى يوم وفاته عام 1964، ربما كان أكثر دأباً وتواصلاً مع فكرة التطوير في الشعر العربي. أقول التطوير وليس الثورة على القديم. فالتطوير السليم عملية تستند إلى التراث أولاً، تأخذ ما فيه من نسغ حياة وترفض ما دون ذلك، وما أكثره. ويستند التطوير السليم في ما نشره بدر من شعر في الفترة المذكورة |إلى اعتزاز بالتراث، لغة وتاريخاً، مع انفتاح واع على ما في الحضارات الأخرى من نتاج شعري. وقد كانت وسيلة بدر في ذلك اطلاعه المحدود على نماذج من الشعر الانكليزي درسها في سنتيه الأخيرتين بدار المعلمين العالية بغداد، في قسم اللغة الانكليزية. وبعد تخرّج بدر واصل، بدرجات متفاوتة من التوفيق، دراسة نماذج من ذلك الشعر وما ترجم إلى اللغة الانكليزية من شعر فرنسي أو اسباني، نجد آثاره ماثلة في مجموعة من الشعر العالمي ترجمها من الانكليزية إلى العربية في أواسط الخمسينات.
كان تطوير الشعر العربي في النماذج التي نشرها بدر منذ بداية الخمسينات يقوم على تطوير عدد التفعيلات في ستة من البحور المعروفة في الأقل. وكان «الخبب» أحب البحور إلى قلب بدر. كانت الصورة الشعرية أو الفكرة هي التي تقرر عدد التفعيلات في الشطر الواحد. ومن هنا كان التطوير يشمل المبنى والمعنى في آن معاً. فالمثال الذي تسوقه نازك الملائكة عن قصيدتها «الكوليرا» أصبح معروفاً لدى المهتمين بدراسة الشعر العربي المعاصر. لماذا يضطر الشاعر إلى «ملء» أربع تفعيلات من «فعلن» وهو لا يريد غير تفعيلتين؟ طلع الفجر: فعلن فعلن/أصغ إلى وقع خطى الماشين: 4 فعلن إلى آخر المثال. الصورة الشعرية، أذن، أو الفكرة، هي التي يجب ان تقرر عدد التفعيلات. وخلاف ذلك تكون القصيدة «مصنوعة» بلغة النقد العربي القديم، لا «مطبوعة». ومطابقة الوزن لموضوع القصيدة هو الذي يرفع «المنظومة» إلى مستوى الشعر. هذا بدر في قصيدة «عرس في القرية»:
مثلما تنفض الريح ذر النضار،
عن جناح الفراشة.. مات النهار.
النهار الطويل،
فاحصدوا يا رفاقي، فلم يبق إلا القليل.
كان نقرُ الدرابك عند الأصيل
يتساقط مثل الثمار…..
ليس أجمل من «فاعلن» في محاكاة ايقاع العرس القروي، ونقر الدرابك الذي يتساقط مثل الثمار فأربع تفعيلات في الشطرين الأول والثاني هي كل ما تحتاجه الصورة الشعرية المركزة: النهار يموت فجأة بغياب الشمس، الذي لا يستغرق في الريف أكثر مما يستغرق نفخة الريح نفضّ ذرات غبار الطلع الذهبي من على جناح الفراشة.
في أواسط الخمسينات، كان بدر مشغولاً بالأسطورة والرمز، بعد ما شغفه الشعر الانكليزي الذي بدأ اهتمامه الجاد به بعد تخرجه في الكلية. وكان ان تعرف بدر في اوائل الخمسينات على المرحوم الاستاذ جبرا ابراهيم جبرا، الذي وصل بغداد من القدس، يحمل هموم جيل من المثقفين درسوا الأدب والفن في أوروبا، وراحوا يتلمسون طريقهم في اغناء التراث العربي بما حملوا في أهابهم من أدب الغرب وفنونه. كان الاستاذ جبرا قدوة جيل من الأدباء والفنانين بدأوا يبرزون في الخمسينات. وكان بدر يقرأ كثيراً من شعره على شاعر ناقد فنان، حمل إلى حلقات الادباء وأصحاب الثقافة في بغداد الخمسينات نسغ حياة جديد. وكان الاستاذ جبرا قد ترجم فصلين من كتاب (سير جيمز فريزر) بعنوان (الغصن الذهبي) نشرا في مجلة (الفصول الاربعة) قرأهما بدر فوجد فيهما من أساطير الشرق ما ألهب خياله وأنار له من شعر (اليوت) ما كان قد استعصى عليه. ومع تقدم الخمسينات نجد بدرا يضمن أشعاره من الأساطير ما لم يكن للعربية به من عهد بمثل تلك الدرجة التي تقارب الافراط. نلمس ذلك في قصائده الكبرى في هذه الفترة الوسطى مثل «حفّار القبور» 1952 و»المومس العمياء» 1954 و»الأسلحة والأطفال» 1954. هنا نجد الاسطورة والرمز قوام هذه القصائد جميعا، تنساب في أسطر تعتمد التفعيلة الواحدة حينا، وتعتمد شعر الشطرين حينا آخر، يرفد ذلك كله انتماء شديد إلى الإنسان دون السلطان.
تعلم بدر كثيراً من (اليوت) وظهر ذلك في قصائد الخمسينات. ففي «حفّار القبور» نجد الاسلوب الصوري الذي يَسِمُ شعر (اليوت) المبكر له حضور قوي بعد حضور وحل في قصائد مبكرة مثل «السوق القديم»:
الليل، والسوق القديم،
خفتت به الأصوات إلا غمغمات العابرين
وخطى الغريب، وما تبث الريح من نغم حزين
في ذلك الليل البهيم…..
هنا نجد الصورة تفرغ في عدد من التفعيلات تصنع الشطر من دون اهتمام بعدد التفعيلات التي قننها الخليل في بحوره. القصيدة توحي بفكرة ولا تقرر الفكرة تقريراً. وإذا بلغنا «حفار القبور» نجد الاسلوب الصوري أشد حضورا وأعمق اثراً في نقل فكرة القصيدة ولا عجب، فقد جاء ذلك من طول مصلحة شعر اليوت، وبخاصة قصائده الاولى قبل مرحلة «الأرض اليباب»
ضوء الأصيل يغيم، كالحلم الكئيب، على القبور
واهِ، كما ابتسم اليتامى أو كما بهتت شموع
في غيهب الذكرى يهوّم ظلهن على دموع.
والمدرج النائي تهب عليه أسراب الطيور
العاصفات السود، كالأشباح في بيت قديم،
برزت لترعب ساكنيه،
من غرفة ظلماء فيه…
ويستمر الاسلوب الصوري هذا قوياً في قصائده اللاحقة، ويكسب زخماً جديدا من استخدام الاسطورة. هذه بداية «المومس العمياء»
الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينة
والعابرون إلى القرارة… مثل أغنية حزينة
تفتحت، كأزهار الدفلى، مصابيح الطريق كعيون (ميدوزا) تحجّر كل قلب بالضغينة
وكأنها نذر تبشر أهل بابل بالحريق إضافة إلى الاسلوب الصوري، واستخدام الاسطورة والرمز، والتضمين من شعر الآخرين، تعلم بدر أسلوب «المعادل الموضوعي» أو «الترابط الموضوعي» من (اليوت). وأفضل أمثلة ذلك «انشودة المطر». وفكرة الترابط الموضوعي تطوير لفكرة الاسلوب الصوري أساساً، فبدل أن يقول الشاعر «تقريرا» أنا حزين لفراق الحبيبة، يرسم صورة الوداع في صورة (روميو) يناجي (جولييت) وهي في شرفتها وقد طلع الفجر، وروميو في الحديقة، وعليه ان يتوارى عن أنظار أهل جولييت. كانت هذه حال بدر وهو يودع زوجته تحت جنح الظلام خشية العيون الراصدة وقد ملك عليه الخوف فؤاده:
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم،
وترقص الأضواء كالأقمار في نهر
يرجّه المجذاف وهنا ساعة السحر
كأنما تنبض في غوريهما النجوم
في هذه الأمثلة جميعا يبقى بدر شاعراً عربياً يستمد من تراثه العربي، وترتفع «الموهبة الفردية» لديه فوق «التراث» الثقافي: عربيا كان ذلك التراث أو غير عربي. لقد صاغ بدر من كل ما تعلم اسلوبا هو أسلوب بدر، لا اسلوب غيره. تجد في شعره حضور المتنبي وأبي تمام قدر ما تجد حضور (اليوت) و(أيدث ستويل). ومن هنا ما قيل في أواسط الخمسينات إن شعر بدر يبتعد بالقارئ إلى مراقي ليس له بها من عهد. ومن هنا سبب الشروح والهوامش التي وضعها بدر لقصائد أواسط الخمسينات. لقد وجد بدر من الضروري ان يكثر من تلك الشروح والهوامش إمعانا في لفت نظر القارئ إلى ذلك المنحى الجديد في كتابة الشعر، يحمل القارئ على تشغيل الذهن بدل الاستسلام إلى معسول القول ورخي المحسنات اللفظية.
وهو بهذا كله كان رائداً من رواد حركة الشعر الجديد في العالم العربي الذي بدأ يتململ في عقابيل الحرب العالمية الثانية.
وبعد خمسين سنة من رحيل بدر، كيف نجد الشعر العربي اليوم؟ أحسب أن «الالتزام» في شعر بدر في أوائل الخمسينات قد أثمر واينع في الشعر العربي الملتزم في أواسط الستينات على وجه الخصوص.
ولا اقول إن ذلك سبب هذا تحديداً وقصراً، بل أحسب أن اللاحق كان أبلغ أثراً لأن شعرأ ملتزما سبقه في حضور عنيف كوّن المهاد الثقافي لكثير من الشعر الملتزم اللاحق. ونجد شعر «التفعيلة» قد تطور وخطا خطوات واسعة في الخمسين سنة الأخيرة، فصار شعر التفعيلة هذا هو الغالب وغيره المغلوب. وأحسب ان كثيراً من الفضل في ذلك يعود إلى الماهدين الأولين الذين يقف بدر في المقدمة منهم. وأحسب أن استخدام الأسطورة والرمز والتضمين جعل الشعر العربي المعاصر أوقع في الأذن غير العربية، إذا تيسر له مترجم له ذائقة في الشعر وباع في لغة أجنبية ينقل بهما شعرنا إلى عوالم أرحب.
عبد الواحد لؤلؤة