مثقفون ومختصون تونسيون لـ «القدس العربي»: الجهل والخطاب الديني المتشدد وراء ظاهرة انخراط الشباب التونسي في التيارات الإرهابية

حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»: تتحدث تقارير تونسية وغربية عدة عن ظاهرة مثيرة للجدل تعرفها الخضراء وتتمثل في الإقبال اللافت للشباب على الإنخراط في الجماعات التكفيرية في الداخل والخارج، والسفر إلى بؤر القتال لخوض لهيب المعارك كوقود في لعبة الكبار. معارك لا مصلحة لتونس كدولة فيها، ولا يمكن إلا أن تعود عليها بالوبال بعد عودة هذا الشباب المغرر به إلى بلاده ومواصلته حمل السلاح بوجه المؤسسات الشرعية لدولته.
وجاء في تقرير لجنة الأمن القومي الأمريكية الذي حمل عنوان «التقرير النهائي لفرقة العمل المعنية بمكافحة سفر العناصر المسلحة الأجنبية» أن تونس هي المصدر الأول للمنضمين إلى الجماعات الإرهابية التي تقاتل في سوريا. ويشكل التونسيون لوحدهم خمس المسلحين الأجانب في سوريا، الأمر الذي يبعث على الحيرة في بلد انخرط في مشروع تحديثي منذ القرن التاسع عشر، تدعم بعد استقلاله على يد باني تونس الحديثة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
وفي تشخيصه للظاهرة اعتبر محمد الجويلي أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية والمدير العام للمرصد الوطني للشباب في تونس في حديث لـ «القدس العربي» أن هناك أسبابا عديدة وراء انتشار ظاهرة انخراط الشباب التونسي في الجماعات التكفيرية، وهي بحسب محدثنا مرتبطة بالأساس بوجود مشروع لهذه التنظيمات الإرهابية يستفيد منه الشباب ويقدم له إجابات على مجموعة من القضايا والأسئلة والاهتمامات. وأهم هذه الإجابات أن هذه التنظيمات تعترف بهؤلاء الشباب وتركز على حالة القلق والنقمة التي يعيشها نتيجة للوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ووضع الاحتقان وعدم الاعتراف بهم في هذه البلاد. وهذه الإجابات تستجيب لهذه الحاجات المتمثلة في إعطائهم مكانة عالية وجعلهم ابطالا يدافعون عن أمة وأصحاب «مشروع» بمعنى ان الخطاب ومشروع المجموعات الإرهابية يعطي معنى لفاقدي المعنى من الشباب.

حدود مفتوحة أمام الاجرام

أما عن اسباب تصدر التونسيين لقائمة الأجانب المقاتلين في بؤر التوتر ضمن الجماعات التكفيرية فيعتبر الجويلي أن ذلك يعود لاستقبال تونس للمشاريع الكبرى في السنوات الأخيرة. فالثورة، كانت مشروعا متعدد الأوجه رفع شعارات مهمة حول الكرامة والتشغيل ورفض التهميش لكن الشباب لا يجد بعد ذلك في الواقع اليومي ما يؤكدها أي أن هناك نوعا من خيبة الأمل يمكن ان تؤدي إلى انحرافات متعددة من بينها الهجرة السرية والانتحار والدخول في عالم الجريمة والمخدرات وأيضا انضمام الشباب إلى المجموعات الإرهابية.
وأشار إلى ان هناك عوامل أخرى قد تحفز الشباب التونسي على الانخراط في المخططات الإرهابية منها الوضع الاقليمي المتأزم والحدود التونسية المفتوحة مع ليبيا. كما اعتبر ان مواقع التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية لعبت دورا كبيرا في تجنيد الجهاديين، فالشباب التونسي يصنف على أنه من أكثر مستعملي الفضاء الالكتروني الذي يعد حافزا هاما لهذا الانخراط.

التعامل مع هذه الظاهرة

وعن تقييمه لمعالجة السلطات التونسية هذه الظاهرة فرأى الجويلي ان الدولة التونسية لديها مساران، الاول هو الأمني بما معناه المواجهة المباشرة مع هؤلاء المتطرفين والشبكات أمنيا وعسكريا. وهنا لا بد ان تكون الدولة على قدر كبير من الوعي والكفاءة والقدرة حتى تواجه هذه الشبكات الإرهابية .
أما المسار الثاني فهو فيتعلق بتقديم الأجوبة القادرة على بعث الأمل لدى الشباب واعطاء معنى لوجوده، إذ على السلطات التونسية ان تجعل من مسألة الشباب وقضاياهم مسألة أمن قومي. وأوضح الجويلي ان خلال السنوات الأخيرة لم يقع تقدير حجم الموضوع القدر الكافي لان الدولة كانت منشغلة بمسائل عدة، فهي تواجه في الوقت نفسه تحديات المسار الديمقراطي وارتفاع وتيرة المطالب الاجتماعية وأيضا الوضع الاقليمي المجاور وتداعياته إضافة إلى تصاعد المد الإرهابي وهذا على غاية من الصعوبة

آفاق المعالجة

وعن دور مرصد الشباب التونسي وكيفية تعامله مع هذه الظاهرة فاجاب:»نحن كمؤسسة بحثية في الأساس نحاول ان نجد الأجوبة على السؤال الأهم وهو: هل توجد حاضنة شبابية في تونس للإرهاب والتيارات السلفية المتشددة؟ ويتابع:»لقد بدأنا بمتابعة الموضوع منذ السنة الماضية من خلال دراسة ميدانية على عينة من 1700 شاب وشابة في أواخر تشرين الاول/اكتوبر 2014 وكانت هناك مؤشرات تدل على بداية تشكل حاضنة شبابية للتيارات السلفية المتشددة. فمن خلال بعض الأرقام التي يمكن ان نعطيها الآن، نجد ان هناك42 في المئة من الشباب المستجوب مقتنع بالخطاب السلفي الديني، في حين ان 37 في المئة يعتبرون ان ارتداء النقاب ممكن في المدارس والجامعات، و 5 في المئة يعتبرون ان العنف الإرهابي الموجود ليس من مسؤولية الشبكات الإرهابية أو التيارات السلفية المتشددة وهذا رقم مخيف، كذلك فان 35 في المئة من الشباب المستجوب يعتبر ان الظاهرة السلفية ليست دخيلة على تونس بل هي ناشئة من رحم المجتمع وان التيارات السلفية لها دور في اصلاح المجتمع».
ويشير مدير المرصد الوطني للشباب إلى ان الخلاصة الأساسية للدراسة تظهر ان هناك نوعا من الانجذاب والتأثر بأطروحات التيارات السلفية المتشددة. ولفت النظر إلى ان هناك دراسات ميدانية مشابهة سيقوم بها الرصد مع بعض الاسئلة الجديدة خلال الشهر المقبل لتبين ماذا حدث خلال هذه السنة وهل ما تزال هذه التيارات السلفية تجد لها صدى لدى الشباب وما هي نسبتها، باعتبار ان دور المرصد الوطني للشباب يركز على اعطاء مؤشرات وأرقام وقراءات تتعلق بمدى توجه الشباب واقباله على هذه الظاهرة.

مراجعة قيم الحداثة

لماذا قيم الحداثة التي ترسخت في تونس خلال العهود الماضية ومع بناء دولة الاستقلال لم تمنع انزلاق الشباب نحو هذه الأفكار والتيارات المتطرفة؟ عن هذا السؤال يجيب الجويلي بالقول: «إن قيم الحداثة تستوجب رعاية وبناء يوميين متواصلين، وما حصل في تونس في السنوات الأخيرة يشير إلى انه لم تعد هناك رعاية متواصلة لهذه الحداثة. وقال ان مع كل عملية تحديث في أي مجتمع هناك نوع من الضحايا، ويمكن اعتبار هؤلاء الشباب ضحايا الحداثة وممن لم يجدوا مكانا لهم في رحابها. ويؤكد الباحث في علم الاجتماع ان الحداثة الاوروبية تمخضت عنها حربان عالميتان وظاهرتان كبيرتان هما النازية والفاشية، وهذا يظهر ان لكل حداثة آثارها الجانبية والسلبية..
ورأى الجويلي ان المنظومة التربوية في تونس بحاجة إلى إعادة اصلاح حتى يتم التعامل مع هذا الخطاب الديني المتشدد. كما اعتبر ان لا بد من النضال من أجل تحصين المجتمع التونسي من هذه الظواهر الكارثية.

أسباب مباشرة وغير مباشرة

من جانبه اعتبر الناشط الحقوقي التونسي عبد الحكيم العكرمي في حديثة لـ «القدس العربي» أن هناك أسبابا مباشرة وأخرى غير مباشرة لتنامي هذه الظاهرة، المباشرة تعود في الأساس إلى أن أغلب المجتمع التونسي هو مجتمع شاب وهناك طاقات شبابية كبرى ومهارات وتخصصات كثيرة في الاقتصاد والسياحة والتكنولوجيا والرقمنة والانترنت والإعلام الرقمي كدس من خلالها خبرات عالية، وحتى الهندسة الالكترونية تكاد تلامس الصناعة المتطورة لو توفرت للشباب الإمكانيات المادية واللوجيستيكية. لكن الدولة الوطنية لا تستطيع مهما فعلت أن تستجيب للتطلعات الكبيرة لهذا الشباب.
فالتونسي، بحسب العكرمي يحلم بمجتمع عادل تتساوى فيه الفرص في العمل والتوظيف وحتى في مغادرة البلاد نحو الخارج للعمل ولمزيد التعلم والتحصيل العلمي و تكوين الثروة …. هذا شباب لديه قدرات كبيرة في تخصصات عديدة لكنه يرى الأبواب موصدة أمامه ويرى المحسوبية والرشوة والتمييز ويشاهد استثراء بعض الأصدقاء …
لقد حدثت، عدة موجات غادر خلالها الشباب بالآلاف خارج الوطن نحو ايطاليا أو غيرها وعاد من جديد إلى البحث عن مخرج فانخرط عدد كبير منهم في التهريب …لا توجد فرص للعمل بمقابل يلبي أحلام الشباب وتطلعاته فمنهم من يضرب عن الطعام من أجل إيجاد حل ومنهم من ينتحر ومن يحرق نفسه ومنهم العدد الأكبر والذي أصبح تجارة رائجة هو المغادرة إلى بؤر التوتر ولكن بقناعة الجهاد.
هي قناعة الجهاد المستجدة والمستحدثة، بحسب الناشط الحقوقي، والتي كانت قد وفرت لها الحروب السابقة على أفغانستان والعراق الأرضية الملائمة لقبول فكرة حمل السلاح والقتال جنبا إلى جنب مع أشخاص ربما لا يحملون بالضرورة نفس أحلامك وتطلعاتك وأفكارك وحتى بيئتك … إن ما تناقلته وسائل الإعلام عن التعذيب في غوانتنامو وسجن ابوغريب وعن الحرق والتدمير والاغتيالات والقتل، كلها عوامل أعانت الشباب على سهولة تقبل فكرة الدخول في معمعة القتال.

مشائخ التكفير

ويضيف: «ثم يأتي الأخطر على الإطلاق وهو الفكر الذي حمله شيوخ مدعومين سياسيا من بعض الدول جاؤوا جماعات وفرادى إلى تونس وأحيانا بالتنسيق مع بعض الأطراف الداخلية، وفي أغلب الأحيان يأتون ويذهبون والساسة يكيلون الاتهام لبعضهم عن الجهة التي قامت بدعوتهم. هؤلاء الشيوخ لديهم مشروع الشحن الايديولوجي ضد بعض الدول التي ينعتونها بأنها غير ديمقراطية ولا حريات فيها ولا كرامة للإنسان فيها وان المشروع الإسلامي الذي يحملونه هم هو مشروع الخلاص نحو الأفضل.
يتحدث هؤلاء عن الجهاد ويخرجون أغلب الأحاديث من سياقاتها، وحتى القرآن الكريم أخرجوا بعض آياته من السياقات التي نزل فيها…بل يقع تجزئه الآية من قبل هؤلاء لخدمة الفكرة، وهذا عمل خبيث لأنهم يعلمون جيدا ان الشباب التونسي مسلم بالفطرة وعادة لا يفقه كثيرا في أصول الدين والفقه ومخرجات الأحاديث النبوية ومدى صحتها وهذا سببه إهمال الدولة الوطنية لموروثنا الديني لاعتبارات سياسية.
يبث هؤلاء المشائخ أفكارا مسمومة لشباب عرفهم من خلال الفضائيات وفجأة يصلون إليه ويحدثونه مباشرة عن الدين والخطر على الدين وعن العلمانية واللائكية التي تخرب المجتمع المسلم وترفع الشعارات وتأتي الاستفزازات الممجوجة مخابراتيا. يتداخل هذا مع ذاك فيفقد الشاب الأمل في الوطن وفي السياسي وفي الإدارة ويكفر بالكل وتصبح لديه طاقة كبيرة للانتقام من الكل.
يبحث عن آلة للقتل يجدها في شركات التسفير التي أعدت سلفا للغرض مع الإغراء المادي بالكسب السريع وببعض التحويلات المالية التي تصل عائلات بعض القتلى والحور العين وغيرها من الإغراءات فيصبح الشاب التونسي لقمة سائغة في معركة لا ناقة ولا جمل له فيها فقط أصبح آلة مدمرة للقتل بعد أن كان يتصور انه يبحث عن آلة ليحقق بها انتقامه الديني والدنيوي أي عصفورين بحجر واحد. فيجد نفسه مرميا في بؤر التوتر في العراق وفي سوريا المغلفة حروبهما طائفيا.

ثلاثة أن واع

من جهته اعتبر عبد الجليل المسعودي الكاتب الصحافي والأكاديمي التونسي في تصريحه لـ «القدس العربي» أن الشباب «المتدعش» حسب جل «الدارسين والمحللين ثلاثة أنواع: نوع أول تستهويه المغامرة الداعشية بسبب صحي يتلخص في إصابة أفراده باختلالات عقلية. وهذا النوع لا يكاد يخلو منه مجتمع واحد في كل الأزمان والأمصار لأن هذا «الحالة المرضية» بنسبة قد تكبّر وقد تتضاءل حسب ظروف المجتمع وتدفع عُصابيها بالانخراط عن نصف وعي وبصفر وعي في الحركات الاجرامية مثل التي تقوم بها داعش. النوع الثاني ممن يستهويهم تنظيم من يسمي نفسه بـ «الدولة الاسلامية» وهم عدديا أهم من النوع الأول يمكن تسميته بـ «شباب الهامش الاجتماعي» ممن فشلوا في دراستهم أو اندماجهم المهني ويعانون الحاجة والخصاصة وقلة الاعتبار والاعتراف. هؤلاء يجدون في مغامرتهم الداعشية تعويضا مزدوجا ماديا ومعنويا يعادل في نظرهم خطر إقدامهم على الانخراط في الإجرام الإرهابي الداعشي.
وأما النوع الثالث ـ وهو الأهم عددا وأكثر خطورة، بحسب محدثنا ـ فيتكوّن من الشباب الذي وقع اصطياده من محترفي الاستقطاب الداعشي اعتمادا على ثغرات نفسية أو فكرية أو روحية عند هؤلاء الشباب الذي يقع اقترابه عبر وسائل الاتصال الالكترونية أساسا ولكن كذلك بواسطة الاتصال المباشر في فضاءات تجمّع الشباب وأهمها دور العبادة. يتولى مختصّون دواعش مباشرة ودون إبطاء «رَدْكلة» أفراد هذا الصنف من الشباب ذكورا وإناثا بعد غسل أدمغتهم من ثقافاتهم الأصلية وتمكينهم من ثقافة جديدة تكفيرية تعطيهم إحساسا «بالعذارة الدينية» والاختلاف عن الآخر ثم بالتميّز عنه ثم بتحقيره وبمعاداته لتنتهي عملية «الرّدْكلة» (Radicalisation) بالعزم على تصفيته وإنهاء وجوده اعتمادا على آيات من القرآن الكريم يقع قراءتها على ظهر العبارة وخارج مواضعها ودون اعتبار أسباب نزولها.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية